ساحة لدعم الأعمال الموجّهة لطلاب التاريخ /جامعة منتوري/ قسنطينة

تجدون في المنتدى وثائق تاريخية مهمة للباحثين ومن كان في حاجة الى وثائق او مصادر او مراجع عليه ان يشعرنا بذلك وان يسجل طلبه هنا في المنتدى
هامّ : لقد قمنا بإصلاح الخلل وأزلنا الحجب، تستطيعون الدخول بأمان، مرحبا بالجميع
أعزائي الطلبة/ يمكنكم الاطلاع على نتائجكم النهائية + بطاقة التقييم وتحميلها .... ماعليكم إلا الذهاب إلى صفحة النتائج أدناه
بحلول السنة الجديدة 2016 نتمنى لطلبتنا عاما سعيدا مليئا بالجدّ والنشاط ... تتحقق فيه طموحاتهم وتكلّل بالنجاح أعمالهم

    أ.د. العربي عقون: مؤرخ/ أستاذ بجامعة قسنطينة لجريدة النصر : مصطفى حداد ، قبس من نور أضاء الجامعة الجزائرية والمعرفة كانت شغله الشاغل

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 397
    تاريخ التسجيل : 18/11/2009

    أ.د. العربي عقون: مؤرخ/ أستاذ بجامعة قسنطينة لجريدة النصر : مصطفى حداد ، قبس من نور أضاء الجامعة الجزائرية والمعرفة كانت شغله الشاغل

    مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء ديسمبر 09, 2014 8:20 pm

    مصطفى حداد ، قبس من نور أضاء الجامعة الجزائرية والمعرفة كانت شغله الشاغل
    أ.د. العربي عقون
    إنساني شهم وصاحب أنفة كثيرا ما ذكّرني بالمثل البربري الذي يردّده في كلّ مرّة : آخنفوف ئشوقّ اوذم Axenfuf icuqq udem في الحديث عن الأنفة والنغرة وهي من العلامات البارزة في المروءة والشهامة التي ينشأ عليها سليل أصول عريقة منحدر من قبيلة ملَكية سلطانية مثل قبيلة آيث سلطان التي احتضنت المقاومة التاريخية بقيادة أحمد باي أولئك "اللحالحة" الذين قاوموا وضحوا بكل ما يملكون فطاردتهم فيالق الغزو الفرنسي وتعقبتهم من موطنهم في الأوراس إلى ما وراء الحدود الجزائرية التونسية، ولعل ما بقي في ذاكرة آل حداد عن تلك الملحمة هو الذي جعل الطالب مصطفى حداد يختار دراسة التاريخ في فترة كان متاحا له فيها أن يختار أي تخصص آخر، لأن أجيال اليوم ينظرون إلى التاريخ كما لو أنه الأخ الأقل حظا في أسرة العلوم الانسانية.
    مصطفي حداد الذي انتقل إلى عفو الله في 31 أكتوبر 2014 -وكأنه على موعد مع الذكرى الستينية لاندلاع الثورة الجزائرية التي كانت دائما هاجسه ومحور عديد الدراسات والمقالات والمداخلات التي قدّمها-كان منارة علمية استحقّ فعلا ألقابه العلمية ورتبته الأكاديمية ، لقد أنفق كلّ حياته متصوفا متعبِّدا في محراب العلم تحصيلا وهو تلميذ وطالب متفوّق على امتداد مساره التربوي والعلمي في تونس ومصر والجزائر وفرنسا، وتدريسا وبحثا وهو أستاذ جامعي، ومنهجية وهو مؤطّر للدراسات ما بعد التدرّج ومديرا لعشرات الرسائل والأطاريح الجامعية.
    يعترف له طلبته من التدرج الى الدكتوراه بالتواضع وتقديم النصيحة العلمية وكثيرا ما قدّم لهم العون لتجاوز العراقيل البيروقراطية وكان الإشراف عنده عبارة عن مرافقة علمية حقيقية وليس كما نرى الآن عند البعض عبارة عن إشراف إداري لا يتجاوز إمضاء الموافقة على الإشراف، كما أنّه لم يكن يفرض آراءه بل يترك حرية التفكير والتعبير لطلبته وكل ما كان يؤكِّد عليه هو وجوب التقيُّد بالمنهجية والموضوعية تأويلا وتحريرا ... !
    لم يكن يهمّه أن يسلك مسلك التدرّج في الوظائف الإدارية بل كان التدرّج في سلّم المعرفة هو شغله الشاغل وكان شغفه بمتابعة البحث والنظر في مجال تخصّصه والمجالات المتصلة به لا حدود له وفي كل مرة أو مناسبة أو حتى في لقاء عرَضي يجمعنا يفاجئني بالجديد في الساحة الفكرية ... عن أخر الإصدارات... يناقش الأفكار ويصرّ دائما على المبدأ لا يحيد عنه ولا يعرف مسك العصا من الوسط وفي هذا المجال كان ينهي حديثه باستعمال النقد الذاتي ولا ينزع عن نفسه صفة حدّة الطبع ويعلّق مبتسما ومعترفا قائلا : إن المشارقة دائما يسجلون علينا هذه الملاحظة "حدّة الطبع" مع أنّهم يستعملونها ليكونوا هم الطرف الرابح في أيّ قضية تجمعنا بهم ويسهب في الحديث دفاعا عن ضرورة التمسّك بالمبدأ متطرقا إلى "تاغنانت" التي يفسرها بأنها الإصرار على الحقّ مهما كانت الظروف ويقول بأنّ من يسلكون سلوك النفاق والأنانية والمصلحة الشخصية ويضحّون بالمبادئ هم من يريدون إبهاتنا وقلب المعاني عندما فسّروا "تاغنانت" بأنها تعني "عنزة ولو طارت" أي الإصرار على الخطأ مع أنّ الأمر ليس كذلك ... ومما ذكر لي وهو العارف بخبايا الأرشيف أن صحيفة مناضلة صدرت خلال الفترة الكولونيالية حملت اسم تاغنانت مما يدلّ على أن المعنى الحقيقي للكلمة هو الإصرار على الوقوف إلى جانب الحقّ مهما كان الثمن ويقول أنّ ملحمة الثورة صنعتها "التاغنّانت" التي تعني الموقف الصارم إزاء المبادئ لا كما حُرِّف مدلولها في أوساط التردّد والخذلان.
    هذه الصرامة انعكست على أعماله البحثية حيث ألزم نفسه بالتدقيق في كلّ القضايا عبر مساره الأكاديمي بالوصول إلى المصادر وإلى الوثائق وقد أشار إلى ذلك في مقدّمة أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه : انبثاق الجزائر الحديثة L’émergence de l’Algérie moderne حيث كان مداوما في غرفة المطالعة بأرشيف آكس (Aix-en-Provence) ليس لأيام ولكن لشهور وسنوات ما بين أكتوبر 1982 ونوفمبر 1986 على الخصوص، مما جعل المحافظ الرئيسي للأرشيف السيّد بوايي (M. Boyer) يمازحه بعبارة : أتريد أن نأتيك بسرير هنا ! إشارة إلى أنه لا يكاد يغادر المكان.
    لقد أصرّ على أن يكتب أطروحته من الأرشيف لأنه يريد أن يقدّم إضافة معرفية لا كما نرى اليوم من إسفاف وابتذال على طريقة الإطعام السريع (Fast-food) والأدب السريع والتدكتر الأسرع. واختار أن يكون مجال بحثه هو التاريخ الاجتماعي – الاقتصادي للشرق الجزائري بين الحربين العالميتين متتبعا التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية - التي حدثت هنا في فترة تميّزت بميلاد الحركة الوطنية التي مهّدت لها حركة الشبّان الجزائريين المتميِّزة ببروز شخصية الأمير خالد- وكذا مختلف الفعاليات والقيادات الأهلية (القياد وشيوخ الزوايا...) مبرزا شخصية الدكتور بن جلول ونضالاته في صفوف فدرالية المنتخبين المسلمين التي طبعت مرحلة لم يتردد الدكتور حدّاد في اعتبارها عهدا بنجلوليا (ère de Ben Djelloul) من المطالب الأهلية معتبرا إياه أحد رواد الأنتيليجانتسيا الحداثية إلى جانب رائد آخر أهمله التاريخ الرسمي وهو صالح خوالدية.
    في شأن الهوية الجزائرية كان من الطبيعي أن تكون له نظرة أكثر أصالة فهو من عائلة ظلت محافظة على اللغة التاريخية لشمال أفريقيا ومع أنّه تنقل في بيئات اجتماعية متعدّدة إلا أنه ظل محافظا عليها يتداول بها بطلاقة ومحبّة أنّى وجد من يتجاوب معه بها لكن لم يكن عنصريا أبدا كما قد يفهم البعض من الذين لا يرتاحون حتى لمجرد ذكر كلمة أمازيغية ، فقد درّس بالعربية وكتب ونشر أبحاثا بالعربية وأشرف على رسائل بالعربية ولأنه لا يعادي اللغات عموما فإنه لم يكن على وفاق مع الذين يتموقعون ويتمترسون في إحدى اللغات لضرب لغات أخرى ويريدون من الآخرين أن يتمترسوا معهم في ذات الموقع وإلا اعتبروهم خصوما بل وأعداء أيضا ، وكان يرى أنّ الأمازيغية ينبغي أن تنال حقها على غرار اللغات الأخرى وهذا الموقف الذي عبّر عنه في عهد الحزب الواحد سبّب له متاعب كثيرة في زمن كانت فيه الأمازيغية من الطابوهات المتحفّظ عليها بكل جبروت وعنجهية.
    في الفترة الأخيرة انشغل بالمرويات الشفوية "الشاوية" من قصص وأشعار وأغاني وقد ناقشنا معاً هذا الموضوع قبل سفره للمشاركة في ملتقى نظِّم في فرنسا) 2008 Pour une histoire franco algérienne) وكم كان فرِحاً بالأغنية التي أتيته بها وكانت تغنّى في الأربعينيات من القرن الماضي وفيها المقطع الآتي :
    A délégué A délégué …….. Homma ssa3id d’abrizuni
    Ytsaledd fellawen el hadj massali ….. Yqqarawen el vot id n’el watani
    وتعني في العربية :
    المندوب المندوب .... حُمَّة السعيد في الاعتقال
    حاج مصالي يقرئكم السلام ..... يقول لكم الانتخاب للوطني
    هذا المقطع فتح الباب واسعا للنقاش في شان استراتيجية الحركة الوطنية التي استعملت الأغنية الأمازيغية لنقل خطابها إلى الأوساط الشعبية بعيدا عن رقابة الإدارة الفرنسية وهو موضوع لم يتطرّق إليه الباحثون بعد بالقدر الكافي لأن اللغة الأمازيغية بمتغيراتها كانت طلسما يغني الحركة الوطنية والثورة الجزائرية عن استعمال الإشارة (الترانسميسيون Transmission)ومن هنا نستخلص رؤية المرحوم مصطفى حداد للامازيغية وهي رؤية لم تكن تتجاوز المجال الثقافي ومع ذلك كثيرا ما كان يحدّثني بمرارة عما يلاقيه من جفاء وتهميش من قبل تلك الدوائر المغلَقة "محدودة التكوين" –كما يصفها-من مريدي أيديولوجيات وافدة أحكمت قبضتها على كليات العلوم الانسانية وتدافع عن محدوديتها وأيديولوجيتها بحمل شعارات وطنية ودينية تختفي وراءها وتغالط بها الآخرين.
    مشاريع الأستاذ حداد -كما كان يحدثني عنها في كل مرّة-كثيرة ، وقد أشار لي ذات يوم إلى غرفة في منزله في فيسديس ينوي أن يقيم فيها متحفا صغيرا ، لكن البيئة والمناخ الذي يسود الجامعة لم يكن ملائما له كما لغيره لتنفيذ بعض المشاريع التي كان ينوي القيام بها وأهمّ مشروع كان متحمِّسا له كما حدّثني هو إعداد دراسة عن الكتب التي تؤرخ للجزائر : توفيق المدني ـ دبوز ـ الجيلالي ، الميلي... التي صيغت منها مقررات التاريخ الجزائري الموجهة لتلاميذ المدارس الابتدائية والثانوية وكان الغرض هو تصحيح النصّ التاريخي واقتراح مضامين مقررات تعيد بناء الهوية والشخصية الجزائرية على أسس صحيحة ومتينة ، لكن المرض عاجله . رحم الله الفقيد وتاب عنه وغفرله عاش للعلم وأسلم روحه إلى بارئها وهو محاط بالكتب التي لم تفارقه طيلة حياته.

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء سبتمبر 19, 2017 4:51 pm