ساحة لدعم الأعمال الموجّهة لطلاب التاريخ /جامعة منتوري/ قسنطينة

تجدون في المنتدى وثائق تاريخية مهمة للباحثين ومن كان في حاجة الى وثائق او مصادر او مراجع عليه ان يشعرنا بذلك وان يسجل طلبه هنا في المنتدى
هامّ : لقد قمنا بإصلاح الخلل وأزلنا الحجب، تستطيعون الدخول بأمان، مرحبا بالجميع
أعزائي الطلبة/ يمكنكم الاطلاع على نتائجكم النهائية + بطاقة التقييم وتحميلها .... ماعليكم إلا الذهاب إلى صفحة النتائج أدناه
بحلول السنة الجديدة 2016 نتمنى لطلبتنا عاما سعيدا مليئا بالجدّ والنشاط ... تتحقق فيه طموحاتهم وتكلّل بالنجاح أعمالهم

    الباحث في التاريخ القديم أ.د. العربي عقون للنصر

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 397
    تاريخ التسجيل : 18/11/2009

    الباحث في التاريخ القديم أ.د. العربي عقون للنصر

    مُساهمة من طرف Admin في الإثنين سبتمبر 15, 2014 2:09 am

    الجزائر بحاجة إلى أن تخرج من الخطاب الإيديولوجي منتهي الصلاحية

    ينبّه الدكتور العربي عقون، أستاذ التعليم العالي بجامعة قسنطينة، إلى أهمية الترجمة في نقل المعارف وإثراء اللغة العربية بمصطلحات جديدة، ويرى فيها الحل الأمثل للانشطار الذي تعاني منه ساحتنا الثقافية، كما يعتبر الباحث، بأن كتابة التاريخ الوطني مهمة لا بد أن نقوم بها نحن ولا يجب أن نتركها لغيرنا.  يجمع الدكتور العربي عقون، بين التأليف والتحقيق والترجمة، وقد صدرت له مجموعة من المؤلفات التي أثرى بها المكتبة التاريخية الجزائرية، ويتحدث الباحث ـ في هذا الحوار ـ عن كتابه القادم، حول سيرتا ومكانتها التاريخية.

    حاوره: نورالدين برقادي


    ترجمتم من الفرنسية إلى العربية مجموعة من الكتب حول تاريخ الشمال الإفريقي عامة وتاريخ الجزائر بصفة خاصة. ما هو تقييمكم لما كتب عن تاريخ وثقافة الجزائر من قبل الأجانب كمّا ونوعا ؟

    الترجمة ركن متين في أيّ إقلاع حضاري وفي هذا السياق نذكّر بنشاط حركة الترجمة في العصر العباسي؛ حيث لم تتمكن الحضارة العربية الإسلامية من الإقلاع إلا بعد أن استوعبت الحضارات السابقة الفارسية والإغريقية والهندية وكانت الترجمة أداة استيعاب تلك الحضارات. بل إن اللغة العربية عرفت حينئذ انفتاحا وتفتحا على اللغات الأعرق وتساهلت مع المفردات الدخيلة في حين نفتقر نحن إلى اليوم إلى قاموس عربي اشتقاقي (Etymologique) لنعرف أصول معجمنا العربي ولنبيّن للنقاويين (Puristes) أن المبالغة في هذه "النقاوة" تخنق اللغات وتميتها وتحولها إلى همهمات سحرية جامدة وسنسكريتية جديدة. وإلى مهزلة "شاطر ومشطور وبينهما طازج" التي يُتندًّر بها الآن.

    ثمة جدار عازل أحمق بين المعربين والمفرنسين في الجزائر

    لا يمكن أن نغض الطرف أيضا عن حركة الترجمة من العربية إلى الفرنسية خلال بدايات الاستعمار الفرنسي للجزائر، فلم يترك أولئك المستعربون الفرنسيون كتابا يرون أنه ذو قيمة إلا ونقلوه إلى اللغة الفرنسية، وغير خافٍ على المهتمين  دور جورج مارسي ووليام مارسي وهنري باسي وأرنست مرسيي وغوسطاف مرسيي وغيرهم ... هؤلاء قدموا للثقافة الفرنسية ولإدارة الاحتلال الفرنسي أهمّ أداة لفهم واستيعاب الجزائر في تاريخها وجغرافيتها تكريسا لمقولة : "من يعرفك أكثر يسيطر عليك أكثر" !

    الذين كتبوا عن الجزائر وعموم شمال أفريقيا إذا استثنينا العدد القليل، كتبوا من وراء البحر وحتى من قدم منهم إلى الجزائر جسديا، ظل ذهنه وراء البحر، ومن هناك يرسم إطارا يضع بلدنا داخله ويلونه بالألوان التي يريد، ومنذ غايوس كريسبوس سللوستيوس (C.C. Sallustius) وتيتوس ليفيوس (Titus Livius) ظلت الصورة  التي رسمها الرواد من الأغارقة والرومان كما هي وهو ما اختصره حديثا اسطيفان اغزال في فصل من كتابه تاريخ أفريقيا الشمالية القديم في جزئه السادس [ Gsell, (1927) pp. 227-285] وعالجناه في مقال لنا بعنوان "خصوصيات وطبائع شعوب الشمال الأفريقي عبر التاريخ من وجهة نظر مؤرخي الفترة الاستعمارية : اسطيفان اقزال نموذجا" وهو موضوع جدير بالقراءة ولكن لا يتسع المجال لإيراده هنا [عقون (2003) الحوار الفكري ، ص ص 201-208 ]

    كنا دائما نقول أن انشطار الساحة الثقافية في بلادنا إلى معربين ومفرنسين بينهما جدار عازل ما هو إلا انشطار أحمق، فأوربا تتكلم عشرات اللغات ولكنها منسجمة على الصعيد الفكري لأن الاختلاف ليس في اللغة لكن في محمولها الفكري وإذا كانت الفرنسية في بلادنا وهذا ما يجب قوله تغتني بحمولة ثقافية حداثية، فإن العربية أريد لها أن تظل أداة لخطاب أركاييكي يعاني من "احتباس حراري" وبين الطرفين يتم تبادل تراشق وملاسنات بائسة لا تتحمل اللغتان وزرهما، ولذلك فإنّ من شأن الترجمة أن تقوم برأب الصدع بين الطرفين المتراشقين وأظن أن المعرّب لو أتيح له أن يقرأ في لغته ما يقرأ المفرنس لخفت حدّة ذلك الانشطار تدريجيا إلى أن تزول نهائيا الهوة التي أحدثها انشطار الساحة الفكرية بين طرفين يتمّ التواصل بينهما في شكل حوار طرشان !

    عن عبارة الأجانب الواردة في السؤال، إذا لم نتحرّ اليوم الاستقلالية والأصالة في أعمالنا الأكاديمية سيكون من بيننا من يستمرّ في السير على ذات النهج الذي خطّه الأجانب وسيظل هذا النوع يكتب عن الجزائر كإقليم في خدمة مركز بعيد هناك في إحدى عواصم الشمال أو الشرق إلى حدّ الاستلاب والفصام كالمريد الذي لا يمكن أن يشق طريقه بمعزل عن الطريق الذي شقه له شيخه ولعلّ من بين ما نجم من آثار سلبية عن هذا الوضع أن نرى رسائل جامعية لجزائريين تمجّد دور الأخرين في ثورتنا التحريرية ولم نجد من تصدّى للكتابة في دور الثورة الجزائرية في العالم وعوض الكتابة عن جالياتنا في البلاد الأجنبية قديما وحديثا صار البعض يكتب عن جاليات أجنبية عندنا إلى درجة رواج فكرة أننا أيضا أجانب في بلدنا !

    العربية أريد لها أن تظل أداة لخطاب أركاييكي يعاني من احتباس حراري

    لقد تحوّل تاريخ الشمال الأفريقي إلى ورشة بحوث "عنصرية" لتعليل الإخفاق المزعوم في استقلالية الذات والهوية وهذا ما عبّر عنه أحد عتاة الأكاديميين الاستعماريين وهو إميل غوتيي (Emile Félix GAUTIER) حين علل ما ينظِّر له تحت مسمّى "عجز الشمفريقيين" [Les Nord-Af.] ، وفي هذا السياق يقول:"... المغاربي (Le Maghrébin) من بين الأعراق البيضاء المتوسّطية ويمثّل بوضوح ذلك المتخلّف عن الركب، وهو باقٍ بعيدا في الخلف، وهذا العرق ليس له أيّ خصوصية إيجابية [ Gautier, 1937 Paris p. 5 ويضيف: ... البربري عاجز عن السير وحده ويترك أمر قيادته للآخر، ويعتنق حضارة السيّد الجديد بنفس السرعة التي ينسى بها حضارة السيّد القديم، وإذا تُرك لنفسه سرعان ما يعود إلى تخلّفه.. وهذا الوضع شرحه غاسطون بوتول في عبارة مختصَرة: حضارة وعبودية أو حرّية وهمجية! ، ويواصل غوتيي "... البربري لم يتمكّن من إخراج أيّ من القوى التي فرضت سيادتها عليه وأنّ الاستعمار يطرده دائما استعمار جديد..."  [Ibid., p. 29.] فماذا نقول له الآن وقد طردت الشعوب "البربرية" في الجزائر وليبيا وتونس والمغرب بنفسها مستعمِرها واستردّت حرّيتها واستقلالها ؟!

    في مساهمتكم المنشورة بجريدة النصر، بتاريخ: 29 أفريل 2014، قلتم مايلي: ".. تحرير التاريخ، هو عمل علمي وفكري ينبغي أن تتصدى له كفاءات عليا من النخب الأكاديمية لكي لا يكون رجع صدى لرؤى ونزعات إيديولوجية قادمة من الشرق والغرب على حد سواء.."، فيمَ تتمثل خطورة النزعة الإيديولوجية على الكتابة التاريخية وعلى الوطن إجمالا ؟

    تحرير التاريخ عبارة أطلقها المرحوم موحند الشريف ساحلي الذي لا يعرفه الكثير ولا تزال كتبه وآثاره تنتظر الترجمة إلى العربية وهو المفكر الفيلسوف الذي يتحسس القارئ لأعماله مقدار وطنيته رغم الحرف اللاتيني بل إن وطنيته أعمق من وطنية الكثير من الذين كتبوا بحرفنا العربي ... أولئك الذين حولوا الوطنية في كتاباتهم إلى عويل وبكائيات مستوردة من مراثي فردوس وهمي مفقود !   هذا التحرير للتاريخ لن يتحقق إلا على أيدي كفاءات مستقلة فكريا تتخذ من الهوية الجزائرية محورا ومركزية مستقلة تماما عن إملاءات إيديولوجية لا تخفى على المتخصصين. تلك الإملاءات التي تريد أن تقدم لنا تاريخا بديلا يجعلنا في خانة شعب مستلحق من حق المركز أن يتصرف في  مقدراته وان يوجه دفة السياسة فيه إلى الوجهة التي يريد.

    كان الأستاذ محيي الدين جندر الذي لا يعرفه الكثير أيضا قد قدم بحثا متميِّزا عبارة عن قراءة في التاريخ الوطني الجزائري [http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=296624] وهو عمل ينتظر أيضا الترجمة إلى العربية وقد استهل عمله بالتنبيه إلى خطورة أن يتحول التاريخ إلى ساحة للانشطار الفكري مثلما أصبح عليه الحال في أواخر نهاية القرن العشرين على الخصوص [Djender, (2006) pp. 7-31] ولذلك دعا إلى ضرورة إعادة قراءة تاريخنا ليس للرجوع القهقرى بقدر ما هو تحديد تموقع يمكِّن من الانطلاق نحو آفاق المستقبل فالبلد بحاجة إلى أن يخرج من الخطاب الإيديولوجي منتهي الصلاحية فقد عمل النضج الفكري عمله والشعب واعٍ بذاته ويمتلك قواه الذاتية ولا بد من ترسيخ التماسك الوطني على أساس إعادة الاعتبار للعنصر الأمازيغي الذي هو العنصر الأساسي في تكوين الأمة الجزائرية وإحلال الحضارة العربية مكانتها في منظومة التكوين والانفتاح على اللغات الحية، وقد اتضح صدْق حدسه حتى لكأنّه ينبّهنا إلى خطورة تكوين جيل أحادي اللغة وتهميش اللغات الحية في منظومتنا التربوية مما سوف ينتج أجيالا معادية للحداثة ذات تكوين هزيل يجعلها سهلة الاختراق من قبل الإيديولوجيات التي أشرنا إليها.



    صدر لكم، مؤخرا، كتاب بعنوان "الزيتون والزيت في الشمال الإفريقي"، حيث قمتم بترجمة العمل، ما هي أهم القضايا والإشكاليات التي تناولها الكتاب ؟

    أفريقيا الشمالية هي أرض الزيتون فلقد كانت شجرة الزيتون وزيتها هي الثروة الأولى في المنطقة عند بدايات الفتح الإسلامي. يدلّ على ذلك ما ورد في ابن عبد الحكم [فتوح مصر والمغرب (1995). 212 ] من أنّ أفريقيا كانت ظلاّ واحدا من طرابلس (ليبيا) إلى البحر (المحيط الأطلنطي). وهي الثروة التي يمكن أن نستعيدها اليوم لو أحسنّا فهم ووعي تاريخنا الاقتصادي. وكغيرها من القضايا التاريخية عزّ على مؤرّخي الاستعمار القديم والحديث أن يكون لبلدنا تاريخ اقتصادي متميّز، فقد بدأوا من البحث في أصل شجرة الزيتون لبناء رواية تاريخية لا تختلف عن باقي الروايات التي تنسب كل شيء مفيد ومتحضّر إلى الآخر القادم من وراء البحر وهذا دأبهم هم ومن يتبعهم اليوم من بعض مريديهم.

    كتاب الزيتون والزيت بهذا العنوان الجذّاب هو في الأساس بحث مقدّم لنيل دبلوم الدراسات العليا في التاريخ القديم أنجزته السيدة هنريات فابرر- كامبس (Henriette Fabrer-Camps) يقع في نسخته الأصلية في حوالي 100 صفحة من الحجم المتوسط. قدّم له لويس لسكي (Louis LESCHI)  وهو لا يخرج عن ذلك الإطار الذي صممه "رواد الفكر الكولونيالي" والدليل على ذلك هو أنّه إذا تتبّعنا الخط الذي سلكته المؤلفة نجدها تبدأ وتختم بكلمة واحدة هي روما التي لا تكاد تفارقها في كلّ فقرة على غرار كل المفتتنين بحضارة روما التي اتخذها الاستعمار الفرنسي في الجزائر قدوته المثلى...  ولذلك فإن الكتاب في واقع الحال يحتاج إلى دراسة يقوم بها أحد المتفرّغين. ونحن بترجمتنا للكتاب نقدّمه لقارئ العربية من الدارسين والباحثين كمادّة لدراسته وللردّ على طروحاته التي تقرن التوسع الروماني بالتوسع في زراعة الزيتون وتجعل الثاني ثمرة من ثمرات الأول.

    ما يعاب في مثل هذه الدراسات هو تغييب الدور الأهلي مع أننا نرى أن هذا الدور لن يقوم به الآخرون وهم محقّون في ذلك. إنّه دورنا ونحن من يجب أن نقوم به فهل يوجد في جامعاتنا اليوم من هم جديرون بالقيام بهذا الدور بل هل تتوفر جامعاتنا على كفاءات تتجاوز أمر تقديم بحث لنيل درجة أكاديمية إلى إنجاز أعمال أصيلة تتضمّن إضافات معرفية تحرر تاريخنا من التلفيق والتشويه الذي ناله من قبل الآخرين الذين ملأوه بأحكامهم المغرضة ورؤاهم الذاتية وتأويلاتهم المشبوهة.

    وُجِد الزيتون البري في الجنوب الجزائري (الهضبة الصحراوية) منذ 11 ألف سنة ق.م. عندما كان يسود فيه مناخ متوسطي وبعد الجفاف والتصحّر منذ 8 ألاف سنة ق.م. انتقل المناخ المتوسطي الذي انحسر في الصحراء شمالا نحو المناطق المطلة على البحر المتوسط التي هي اليوم البيئة المثالية لشجرة الزيتون وكانت منطقتنا رائدة في تدجين هذه الشجرة ولقد كانت منطقة السهول العليا النوميدية على الخصوص آهلة بهذه الشجرة غير أن الاضطرابات التي حدثت في العصر الوسيط - وينبغي هنا ألاّ يفهم بأننا نقصد ما نُسِب للكاهنة من تخريب (سياسة الأرض المحروقة) لأنّ ذلك ما هو إلا بروباغندا أموية لا يزال بعض من يشتغل في التاريخ الوسيط ينقلها كما هي دون تمحيص أو تحقيق [عقون (2011) أسيناك Asinag ص ص 53-62 ] - أدّت إلى نزوح فلاَّحي البستنة إلى الجبال القبائلية والأوراسية حيث انتقلت زراعة هذه الشجرة هناك في حين تحولت السهول إلى خطوط انتجاع للبدو - وهو الوضع الذي وجده الفرنسيون مع بدايات احتلالهم وأثار استغراب كُتّابهم - وهذا الموضوع في حدّ ذاته جدير بالبحث في حال إقرار سياسة زراعية جديدة تعيد شجرة الزيتون إلى بيئتها الأولى .

    لعلّ من بين أهمّ الأمثلة التي ينبغي أن نوردها هنا عن الكتابات الكولونيالية التي أشرنا إليها ما جاء على لسان أحد دهاقنة الاستعمار الفرنسي الذي عزّ عليه أن يجد في النصوص التاريخية والأثرية: بقاء الإضاءة في البيوت "الأفريقية" خلال الليل على عكس روما وباقي المدن الايطالية التي تبيت في ظلام دامس ففسّر ذلك بقوله: إنّ الأفارقة تمتلئ مخيلتهم بالأرواح والجن ويتطيرون من الظلام الذي يخفي حسب معتقداتهم تلك الأرواح ولذلك يبقون الإضاءة في بيوتهم ... وهذا في نظره يدخل في عادة التطيُّر البربري بغرض الحذر من الأرواح الشريرة. ونقول لأمثال هذا الكولونيالي هل اعتنق العالم اليوم المعتقدات  "البربرية" ولذلك نراه قد عمّم الإنارة ليلا في كل المدن !

    إلى جانب ترجمة الكتاب قمتم بتحقيقه والتعليق عليه، كيف هو واقع تحقيق الكتب في الجزائر، خاصة التاريخية منها ؟

    في الوقع كان تحقيقنا مقتصرا على تصديره بتنبيه ليكون قارئ العربية على بيّنة مما يرد في الكتاب من تأويل وتفسير غير موضوعي لبعض الوقائع التاريخية كما أرفقناه بتعاليق سريعة أسفل الصفحات كلما وجدنا أن ذلك ضروريا وكذا بفهارس وكشافات (Index)  ويمكن للمتفرغ أن ينطلق من تلك التعاليق لإنجاز بحث معمّق يعود فيه إلى سائر مصادر ومراجع الكتاب وكذا النظر في التفسير والتأويل، الوارد على لسان المؤلف، لتمييز الرأي الموضوعي من الرأي المتحامل والموقف المغرض، وهذا يتطلب كفاءات على مستوى تحليل الخطاب وعلم النصّ ونتمنى أن يجد الموضوع من يتبناه من طلبة السلك الثالث على الخصوص.

    الشمال الافريقي تحول إلى ورشة بحوث عنصرية

    سيصدر لكم، قريبا، كتاب بعنوان: "من التاريخ البلدي للجزائر القديمة خلال العهد الإمبراطوري الأول: الكنفدرالية السيرتية، دراسة في تاريخ وآثار ونظم سيرتا العتيقة"، هل من فكرة موجزة للقراء حول تاريخ وآثار ونظم عاصمة نوميديا ؟

    سيرتا أو "كِِرْتَن" هي العاصمة التاريخية لشمال أفريقيا وتشير كل الدلائل إلى أنّها عرفت التعمير قبل غيرها مما أهّلها لتكون العاصمة الأولى في منطقتنا ومع ذلك لا وجود لتاريخ مكتوب لها وهو ما كان يطرح عشرات الأسئلة دون جواب، وظلّ الحال على حاله إلى أن جاء علم الآثار بدءا من القرن XIX ليكشف عن مادّة تاريخية غزيرة أمكن لنا اليوم من خلالها أن نسترجع مئات الصفحات من تاريخ المدينة الذي ظل مجهولا وهذا بفضل الايبيغرافيا (Epigraphie) التي قدّمت لنا مئات النصوص الأثرية التي جمعت في المجلد الثامن من سجلّ النقوش الأثرية (Corpus Inscriptionum Latinarum = C.I.L. Volume VIII) قبل أن يجمعها اغزال ثمّ بفلوم (G. H. Pflaum) في عدد من المجلدات طبع آخرها العام 2006  بفرنسا وهو المجلد الذي لم يدخل المكتبة الجزائرية بعد.

    تقع سيرتا في منطقة غنية بآثار ما قبل التاريخ مما لا وجود لمثله في عموم أفريقيا الشمالية (أهمها دلمان جبل مازلة وجبل فورتاس ...)  وهذا دليل على عراقتها وأنها كانت حاضرة الملوك النوميد الماسيل ومنهم الملك يارباس (Hiarbas) الذي منح امتياز تأسيس المدينة التي ستحمل اسم  قرطاج - لتكون مركزا تجاريا - لجالية التجار الصوريين (كما تقول أسطورة إليسا Elissa) مع أن بعض مريدي المدرسة الكولونيالية يريدون أن يجعلوا من تلك الجالية "بعثة علمية" أدخلت شمال إفريقيا أنوار التاريخ وأخرجته من ظلمات العصور الحجرية وهم لا يكفّون عن عدّ فضائلها في أورادهم التي يرتلونها على طلبة الجامعة!

    الكتاب المشار إليه في السؤال هو في الأساس أطروحة دكتوراه أردنا من خلالها إبراز التاريخ البلَدي لسيرتا خلال الفترة الرومانية، فقد حظيت بنظام إداري بلَدي متميِّز لا نظير له في عموم الإمبراطورية الرومانية وهو النظام المعروف باسم الكنفدرالية السيرتية المكوّنة من المدن الأربع سيرتا العاصمة وروسيكاد وشولو وميلة وهي الكنفدرالية المشار إليها في النقوش اللاتينية بعبارة "جمهورية المستعمرات السيرتية الأربع Respublica IIII coloniarum cirtensium .

    حظيت سيرتا إذن بنظام إداري بلدي استثنائي شبيه بما نسميه اليوم "الاستقلال الذاتي" تحت حكم مجلسها البلدي المنتخب وعلى رأسه ثلاثة قضاة منتخبون متساوون في الصلاحيات وهو تقليد نوميدي نجده في صيغة ولاية العهد حيث يعهد الْمَلِك – كما كان ماسينيسا قد فعل – بالْمُلْك إلى ثلاثة من أبنائه ولذلك اعتبرنا هذا النظام البلَدي الكنفدرالي بقضاته الثلاثة [Triumviri] امتدادا لتقاليد إدارية نوميدية حيث أدمج التشريع الروماني تقاليد البلَد للخروج بهذه الصيغة الفريدة في عموم الإمبراطورية الرومانية وليس كما خطّه مؤرخو الفترة الكولونيالية حيث جعلوا من سيرتا ومدنها "إمارة" سيتيانية مع أنّ تلْك "الإمارة" المزعومة اختفت بمصرع المغامر سيتيوس (Publius SITTIUS) على يد الأمير النوميدي أربيو واستمرت سيرتا ومدنها بعد ذلك تحت حكم بلدي كنفدرالي على امتداد ثلاثة قرون إلى أن هبّت عليها عاصفة الصراع على السلطة بين قادة الجيوش الرومانية في ما عُرِف في التاريخ الروماني باسم الفوضى العسكرية فخرّبتها تلك الحرب وبعد انتصار قسطنطين وفوزه بالعرش الإمبراطوري قرر ترميمها وتجديدها ثم منحها اسمه فكانت قسطنطينة (Constantina) التي اختصرت على ألسنة العامّة في صيغة قسنطينة وهو اسمها المستمر الى الان.

    لا ريب أن المهتمّين بتاريخ النظم عموما وبتاريخ سيرتا على الخصوص سيجدون في الكتاب مادة تاريخية أصيلة وإضافة معرفية هامّة برؤية علمية وطنية موضوعية، خاصة ونحن على أبواب تظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية.


    عدل سابقا من قبل Admin في الثلاثاء سبتمبر 30, 2014 2:28 pm عدل 1 مرات
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 397
    تاريخ التسجيل : 18/11/2009

    رد: الباحث في التاريخ القديم أ.د. العربي عقون للنصر

    مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء سبتمبر 30, 2014 2:24 pm




    ماسينيسا كان يريد أن يجعل قرطاج عاصمة لإفريقيا الموحدة لكن الأحداث وموازين القوى سارت في غير ما يريد


    م
    اسينيسا سليل العائلة الملكية الماسيلية (Dynastie Massyle) العريقة التي أسست مملكة في تاريخ غير محدّد ولكنه أقدم بكثير من تأسيس المصرف التجاري الفينيقي الذي حمل اسم قرطاج (Karthago) ذلك أن أسطورة تأسيس قرطاج تتحدّث عن ملك اسمه يارباس (Hiarbas) هو الذي منح امتياز تأسيسها لسيدة من مدينة صور (TYR) اسمها إليسّا (Elissa) لتكون قاعدة تجارية لها وللجماعة التي رافقتها في فرارها ... والدليل على أن هذا الملك من العائلة الملكية الماسيلية هو أن اسمه سيتكرر ضمن سلسلة الملوك الماسيل وهي عادة لا تزال عندنا إلى اليوم حيث تحرص العائلات على تسمية ابنائها بأسماء أسلافهم وأجدادهم إحياءً لذكراهم وهذا له دلالة بالغة.
    الماسيل هم أحد فرعي الشعب النوميدي، الذي لا نملك اليوم معلومات عن متى ولماذا انقسم إلى ماسيل وماسيسيل (Masaessyle) والنوميد هم الشعب الأكبر بإقليمه و يتكوّن من عديد الأحلاف والكنفدراليات القبَلية أبرزها الماسيل شرقي الجزائر إلى تونس وطرابلس والماسيسيل في الوسط والغرب الجزائري إلى شرقي المغرب.
    كانت منجزات الأقلّيذ (Aguellid الملك في اللغة الليبية) في المجال الاجتماعي والسياسي عظيمة على غرار أعماله العسكرية، فقد وحّد شعبه وحثّه على الاستقرار، وأقام دولة نوميدية قوية واستمرّ في إصدار عملة وطنية وأقر النظام وأنشأ أسطولا يضمن حسن العلاقات التجارية بين مملكته وباقي بلدان البحر المتوسط.



    كان ماسينيسا محاربا مقداما، شجّع الآداب والفنون وأرسل أبناءه إلى بلاد الإغريق للتعلم، واستقدم إلي بلاطه عددا من الكتاب والفنانين الأجانب كان رجلا شجاعا احتفظ إلى آخر سني حياته بالصلابة والصرامة، يمكن أن يبقى على صهوة جواده يوما كاملا كأي واحد من جنده متحملا كل أشكال العناء، كان في الثامنة والثمانين من عمره عندما قاد معركة ضدّ أشفاط (*) قرطاج وفي الغداة وجده سيبيون الإيميلي واقفا أمام خيمته يأكل كسرة خبز هي كل وجبته !
    لكنه يعرف كيف يعيش حياة الملوك في الوقت المناسب، حيث يرتدي أفخر الملابس ويضع التاج على رأسه ويقيم المآدب في قصره بسيرتا أين تنصب الموائد وعليها أوانٍ ذهبية وفضية، في حفل بهيج يعزف فيه الفنانون الإغريق ألحانهم.
    كان يحب الأطفال، وكان يعيش وسط أبنائه وأحفاده، وفي حديثه إلى تاجر إغريقي قدم إلى مملكته لشراء قردة للترفيه على الأثرياء قال له الملك : أليس لديكم نساء ينجبن أطفالا !!

    عمّت شهرته كل بلاد البحر المتوسط، وعلى الخصوص بلاد الإغريق : جزيرة ديلوس التي أقامت له ثلاثة تماثيل، وفي آخر أيام حكمه كان يطمح إلى جعْل قرطاج عاصمة لأفريقيا الموحّدة لكن الرومان رأوا فيه خطرا يمكن أن ينقلب عليهم، فهذا كاتون (Caton) يلفت انتباه مجلس الشيوخ الروماني إلى الخطر الذي يمثله ماسينيسا بعبارته الشهيرة : فلتدمّر قرطاج delenda Karthago ، توفي ماسينيسا (148 ق.م.) قبل سقوط قرطاج بسنتين (146 ق.م.) ولم يشهد سقوطها، فأقام له رعاياه الذين أحبوه قبرا فخما (معلم الصومعة قرب لخروب) غير بعيد عن عاصمته سيرتا وضريحا في ثوقة Thugga (دوقة الحالية في تونس).

    الاقتصاد النوميدي يقوم أساسا على الفلاحة، وتكون قد ظهرت احتمالا منذ نهاية عصور ما قبل التاريخ، دلت على ذلك أدوات وكذلك آثار تعكس وجود نظام للزراعة وللسقي الزراعي نموذجها آثار تاسبنت (Tazbent) جنوب غربي تبسة فالزراعة النوميدية قديمة جدّا ، لا تدين بشيء في أدواتها ومفرداتها وبذورها للفينيقيين ، ويبدو أنّ الاقتصاد الزراعي كان مختلطا يتكون من زراعة محاصيل مختلفة ومن تربية الأغنام والأبقار.
    وإلى ذلك وُجِدت حياة حضرية نوميدية حقيقية، في عصر مملكتي الماسيل والماسيسيل، يتضح هذا في علاقاتها الخارجية وفي تجارتها، وأهم المدن الداخلية المعروفة : تبسة (تيفست Théveste )، قالمة (كالمة Calama)، امداوروش (ماداوروس Madauros)، طاورة (تاقورا Thagura ) سيقا قرب تموشنت (Siga)، تضاف إليها العاصمة سيرتا (Cirta) أما المدن الساحلية فهي عنابة (هيبو ريجيوس Hippo regius) وروسيكاد (Rusicade) سكيكدة، وصلدا (Saldae) بجاية، وايكوسيوم (Icosium) الجزائر ، وقونوقو (Gunugu) بالقرب من قورايا (شرشال). هذه المدن إما مستقلة ذاتيا أو أنّها كانت تدار تحت سلطة الملوك ، وإلى جانب العاصمة سيرتا هناك مدن يقيم بها الملوك مثل هيبو ريجيوس وبولاّ ريجيا وأخرى تشكل مقرا لدائرة جبائية مثل مولوشا وقالمة، وقد أدّى التطور الاقتصادي في المملكة النوميدية إلى تداول كبير للعملة.
    بلغ الاقتصاد النقدي أوجه في عهد ماسينيسا ومكيبسا، تدل على ذلك الإصدارات العديدة في عهديهما ، ويبدو أن المدن كذلك كانت لها عملتها الخاصة وهو مؤشر على تنامي دور المدن في اقتصاد وإدارة المملكة النوميدية، وكانت مدن سيرتا وهيبو وصلدا نموذجا للمدن التي أصدرت عملتها الخاصّة.
    الحبوب هي الإنتاج الزراعي الأساسي وأقدم محصول زراعي هو القمح وخاصة القمح الصلب الذي يأتي في الدرجة الأولى وكانت زراعته تمارَس في كلّ أنحاء البلاد، إلى جانب محاصيل أخرى كالشعير والحبوب الثانوية مثل السورغو، كما تمثل الزراعة الشجرية جزءا من النشاط الفلاحي، وتتمثل على الخصوص في بساتين الزيتون والنخيل والكروم إلى جانب شجر التين.



    تمثل تربية الأبقار من طرف الريفيين المستقرين والأغنام من طرف الرحّل النشاط الفلاحي الثاني من حيث الأهمية لدى النوميد (Numides) ، ويبدو أنّ إنتاج وتسويق القمح كان النشاط الرئيسي في نوميديا وخاصة في عهد ماسينيسا حيث كانت العائلة الملكية الماسيلية تتوفر على مزارع كبرى (Domaines) ليس فقط في تراب المملكة ولكن في إقليم قرطاج أيضا .
    كانت الفلاحة وخاصة محصول القمح المزود الرئيسي للتجارة الخارجية النشطة، كما أن المدن الساحلية مكنت الملك ماسينيسا من تنمية قوته البحرية وكانت موانئها تؤمّن تصدير القمح باتجاه رودس وأثينة وديلوس في العالم الإغريقي كما وفرت المملكة الماسيلية للرومان أيضا وبكميات هامة طيلة القرن الثاني ق.م. على الخصوص.
    إذا كان البحث الأثري لم يكشف الغطاء بعد عن العمارة المدنية النوميدية فإنّ وجود عمارة جنائزية فخمة على غرار المدغاسن والصومعة يفترض وجود عمارة مدنية تضاهيها في الفخامة والأصالة، فالمدغاسن متطور عن شكل بدائي هو البازينا وهو أكثر أصالة أما صومعة لخروب فقد امتزجت بها عناصر معمارية إغريقية.
    يكشف الأثاث الجنائزي المكوّن أساسا من أواني خزفية، أشكالا من التعبير الفني النوميدي التي تقوم على تحكم في الهندسة، أما النصب فإنّ المتوفر منها سواء منها التي تعود إلى تاريخ متأخر أي إلى ما بعد فترات حكم الملوك الكبار فتظهر نمطا معينا من النحت وتقدم لنا صورة عن لباس عصرها.
    كانت اللغة الليبية (الأمازيغية القديمة) العنصر الذي يميّز تفرّد العالم الأمازيغي ويبين خصوصيته إزاء المجموعات الثقافية المتوسطية الأخرى، وهو دون ريب عنصر اللغة المدعومة بالكتابة، إنها اللغة الليبية، اللغة الأقدم قدم الناطقين بها وأبجديتها المتطورة عن الرسوم الصخرية تبقى متفردة ، فقد كانت الكتابة الليبية معروفة منذ نشأة الممالك النوميدية وخاصة في القرن الثالث ق.م. وثمّة أمثلة من هذه الكتابة عبارة عن نقوش جنائزية على الخصوص ، وتتميز بأشكالها الهندسية المستقيمة والمزواة.
    مع هذا لم يزدرِ ماسينيسا الحضارة القرطاجية بل عرف كيف يستفيد منها على اعتبار أنها حضارة أفريقية، وإلى جانب اللغة النوميدية (اللغة الليبية التي تنحدر منها لهجات اللغة الأمازيغية) كانت لغات أخرى متداوَلة لدى النخبة النوميدية كاللاتينية والإغريقية وخاصّة البونية.

    نستخلص في هذه العجالة أنّ الحضارة النوميدية حقيقة تؤكّدها المصادر المادية والأدبية وهي نتاج جهد وإبداع الشعب النوميدي:
    "... الليبيون المزارعون (الذين) يقيمون في مساكن ..." ويسكنون في منطقة " ... جبلية تغطيها الغابات .... " (هيرودت) . النوميد فلاحون ولكن فيهم الكثير من الرحّل شكّلوا مجتمعا منظّما أفرز عناصر مكوّنة لحضارة تقوم على ثقافة روحية أصيلة، رمزها المملكة الماسيلية على الخصوص، وهي حضارة منفتحة على مؤثرات متوسطية ولكن انتهى بها الأمر إلى التهميش بسبب التوسع الروماني.
    وبعد استعراضنا لهذه النقاط المضيئة في حياة الملك وفي حياة المملكة النوميدية وشعبها نودّ الإشارة إلى ما يثار عن هذا الملك وعن المملكة وعن هوية الجزائر والشمال الأفريقي عموما من قضايا هي أقرب إلى الأيديولوجيا منها إلى التاريخ فقد اكتشفنا تاريخنا القديم على أيدي مؤرخي الفترة الكولونيالية فهم الذين استخرجوه من المواقع الأثرية ومن أرشيف الأديِرة ومكتبات الكنائس التي حفظت عموم التراث القديم وهؤلاء المؤرخون هم الذين صاغوه وفق رؤاهم ووفق السياسة التي رسمتها حكومات بلدانهم الاستعمارية وفي الجزائر كان هؤلاء المؤرخون يشكّلون فريقين هما :
    1. الفرنسيون وكانوا يمجدون روما وآثارها على غرار اقزال وبرتيي (Gsell et Bertier)
    2. اليهود وقد اهتموا بتاريخ الفينيقيين وقرطاج وعميدهم اليوم هو موريس سنيسر Maurice Sznycer وقد أصدروا في باريس دورية سيميتيكا Sémitica- المستمرة إلى الأن - سنة 1948 وهي الدورية التي تعنى بتاريخ الساميين وهؤلاء يعتبرن التاريخ الفينيقي الكنعاني هو تاريخهم وفي هذه النقطة بالذات يلتقي منظّرو القومية العربية والقومية الإسرائيلية الذين يدّعي كل طرف منهما أحقيته بالتراث السامي.
    3. لماذا نورِد هذه الفكرة



    في موضوعنا وما علاقتها بماسينيسا وبنوميديا ؟
    الموضوع متشعب ولكن نحاول ايراده بايجاز وهو أنّ دعاة الاستلحاق والاستتباع للمشرق يريدون فرض الهوية التي يدْعون إليها بأثر رجعي لتشمل التاريخ القديم ووجدوا في الجالية المركانتيلية الفينيقية التي نالت امتيازات تجارية في سواحل المغرب القديم مرتكزا لفكرتهم التي تقوم على طمس الهوية الحقيقية للبلد وطمس كل المعالم الحضارية والهوياتية النوميدية ونسبة كل ما في البلد من معالم حضارية إلى الجالية الفينيقية وقد سبقهم إلى ذلك مؤرخو الفترة الكولونيالية لأن ذلك وافق هواهم فهم ضدّ أن تكون للبلد حضارة وهوية خاصة به ولا يتحرجون كثيرا من القول بوجود حضارة بونية لان الجميع: فينيقيون ورومان ... وفرنسيون... وافدون على البلد وعلى درب هؤلاء سار دعاة الاستلحاق والاستتباع للشرق الذين يزينون عقيدتهم الأيديولوجية بشعارات وطنية لا يقبلها التاريخ الذي يعتمد كعلم على منهجية صارمة تقوم على المعلومة المستقاة من وثائق تاريخية ذات مصداقية وكان سهلا على هؤلاء أن يفبركوا هوية الانتماء إلى جماعة وافدة إلى البلد تقودها امرأة فارّة من بلدها بل جعل هؤلاء من الجالية الفينيقية "بعثة علمية" أخرجت البلاد من ظلمات العصور الحجرية وجعلوا كل معْلمة حضارية على أرض الشمال الأفريقي ما قبل الرومان معلمة فينيقية مع أن هذه الجالية تحولت مع القرون إلى أوليغارشية مركانتيلية احتكارية بنزعة استعمارية استغلت ثروات البلاد كأيّ مستعمر وحاربت أعداءها الإغريق والرومان بمجندين نوميد ومور جعلتهم جندا مأجورا وموسميا تنتهي مهمته حال انتهاء الحاجة إليه - بل أبادوا في الحرب التي أطلق عليها بوليب عبارة الحرب التي لا تغتفر(Polybe, 1, 15) أربعين ألف مجنّد من النوميد والمور عندما طالبوا بأجورهم - عوض أن تمنحه المواطنة وتجعل منه جيشا "وطنيا" فعندما كان مجلس الشيوخ الروماني يبني الوحدة الإيطالية ويدمجها في الهوية والمواطنة الرومانية تدريجيا كان أشفاط قرطاج يمارسون سياسة فرق تسد باعتماد اسلوب التحالف والتحالف المضادّ فقد تحالفوا مع الملك غايا الذي أرسل ولده ماسينيسا على رأس جيش لنجدة جيوشهم في إسبانيا ثم انقلبوا عليه عند عودته من ساحة القتال وخلعوه من العرش في تفاصيل لا يتسع المجال لذكرها هنا (**)ثم عقدوا حلفا مع الملك سيفاكس الذي كان في حلف مع الرومان عندما كان ماسينيسا على راس جيشه إلى جانب البونيين.
    كان اشفاط قرطاج لا يطمئنون لملك محارب ذي نزعة استقلالية ولذلك صمموا على الغدر به فأذكوا نار العداوة بينه وبين جاره سيفاكس ولأن الملك ماسينيسا كان صاحب نزعة استقلالية وكان يسعى للتخلص من أشفاط قرطاج ودسائسهم ويطمح إلى أفريقيا نوميدية موحّدة عاصمتها قرطاج إلى درجة أنه تكوّن حزب في مدينة قرطاج يدعو إلى تسليم السلطة للملك ماسينيسا الذي هو وحده من يستطيع الوقوف في وجه الأطماع الرومانية التي لا يمكن لقرطاج وهي دولة مدينة (Etat-cité) أن تواجهها إلا أنّ أولئك الأشفاط أجْلوا أنصار ماسينيسا عن قرطاج واستمروا في حبك المؤامرات ضدّ الملك.
    ان الموقف العدائي الغادر من قبل الاشفاط ازاء ماسينيسا هو الذي جعل هذا الاخير يقبل مضطرّا التحالف مع القائد الروماني سيبيون وما ذا يمكن لعاقل ان ينتظر من ملك شريد طريد وجريح نجا من موت مؤكّد أن يفعل عندما اتصل به القائد الروماني وعرض عليه التحالف غير القبول ؟ ثم من هو الطرف المبادر بالغدر ؟ نطرح السؤال اليوم على من يتباكون على سقوط قرطاج ويحمّلون ماسينيسا ذلك بغير وجه حقّ ويخفون حقيقة الأحداث عن القارئ البسيط ويخفون الوقائع التي تدين أشفاط قرطاج الذين هم وحدهم المسؤولون عن فاجعة سقوط قرطاج وما حلّ بالبلاد بعد ذلك من نكبات.
    إلى الذين يفاضلون بين سيفاكس وماسينيسا... هم لا يفضّلون سيفاكس لذاته ولكن يفضلونه بمقدار تبعيته وولائه لأشفاط قرطاج ، والحال أن الموضوعية تجعلنا لا نفاضل بين رموز الأمة وآبائها المؤسسين قديما وحديثا ونحن نقدّر اجتهاد الاثنين ولكن نرى أن الخط التحرري لدى ماسينيسا يمثل رؤية صائبة وأنّ الملك ماسينيسا لو استلم الحكم في قرطاج كان التاريخ سيغير مساره °180 لأنه هو القادر على ايقاف التوسع الروماني ووراءه مغرب موحّد ، وها هو سيفاكس الموالي لأشفاط قرطاج يلقى مصيره دون أن يفعلوا له شيئا لأنهم يتصرفون بذهنية التاجر الحسّيب في وجه الآلة العسكرية الرومانية فبعد أن رموا به في وجه روما تركوه وكان في إمكانهم أن يفتدوه خلال عقد معاهدة انهاء الحرب مع روما ولكنهم لم يفعلوا ذلك وطبعا لن يكون حاله أحسن من حال هانيبال الذي كانت نهايته مأساوية أيضا على يد تلك الأوليغارشية التي لا تحسن الا ما يحسنه التاجر وهو البيع والشراء فباعوا المواقف ورجال المواقف واشتروا ثمنا قليلا أخروا به سقوط قرطاج ردحا من الزمن ولكنهم لم يقضوا على شبح الموت الذي يهددها.
    (•) في البوني Suffète وفي العبري Sophétim كلمة سامية تعني قاضي. كان يحكم قرطاج شفطان على غرار روما التي يحكمها قنصلان.
    (••) للاطلاع على التفاصيل يمكن الرجوع إلى مقالنا المنشور في مجلة جامعة باتنة للعلوم الاجتماعية العدد 22 جوان 2010 ص ص 83-104.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 22, 2017 1:00 pm