ساحة لدعم الأعمال الموجّهة لطلاب التاريخ /جامعة منتوري/ قسنطينة

تجدون في المنتدى وثائق تاريخية مهمة للباحثين ومن كان في حاجة الى وثائق او مصادر او مراجع عليه ان يشعرنا بذلك وان يسجل طلبه هنا في المنتدى
هامّ : لقد قمنا بإصلاح الخلل وأزلنا الحجب، تستطيعون الدخول بأمان، مرحبا بالجميع
أعزائي الطلبة/ يمكنكم الاطلاع على نتائجكم النهائية + بطاقة التقييم وتحميلها .... ماعليكم إلا الذهاب إلى صفحة النتائج أدناه
بحلول السنة الجديدة 2016 نتمنى لطلبتنا عاما سعيدا مليئا بالجدّ والنشاط ... تتحقق فيه طموحاتهم وتكلّل بالنجاح أعمالهم

    الفرصة الأخيرة للعبور الآمن

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 397
    تاريخ التسجيل : 18/11/2009

    الفرصة الأخيرة للعبور الآمن

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء مارس 26, 2014 6:06 pm

    لفرصة الأخيرة للعبور الآمن (1)
    26-03-2014 بقلم محمد السعيد (*)


    عندما تنشغل ربّات البيوت في بعض الأحياء الشعبية في العاصمة بتخزين المواد الغذائية الأساسية خوفا من انزلاق أمني قد يطرأ قبيل الانتخابات الرئاسية، فتلك حالة تعكس قلقا يكاد يكون عاما في البلاد. ولا عجب! فبين وصف ثلاث شخصيات وطنية لهذه الانتخابات بـ”الخادعة”، وحزم رئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش بلهجة قاطعة بأن ”النظام في مأزق” وأنه ”لا ينبغي أن نظل في حالة لامبالاة إلى غاية حدوث الانهيار”، وتحذير الرئيس السابق اليمين زروال من ”الاستخفاف بالوضع الراهن”، ودعوة الرئيس المترشح الناخبين إلى ”التفريق بين الوعود الصادقة والوعود الكاذبة”، وبين العودة إلى النقاش حول ”مرحلة انتقالية” حتى وسط بعض أنصار العهدة الرابعة المنهمكين في تسويق أطروحاتهم، واشتعال الحملات على شبكات التواصل الاجتماعي، وارتفاع وتيرة الحركات الاحتجاجية المتحزبة وغير المتحزبة هنا وهناك، وفي خضم شائعات تحيط بلقاءات مغلقة في أعالي العاصمة لكبار القوم تشغل بال الخبراء في فن حبك الحيل، يتملّك المواطن الخوف على غده، وكيف لا والبلاد تعيش حاضرها كما لو كانت لا تبالي بالسقوط في انهيار جماعي؟

    إن الإصلاحات السياسية المعلنة في 2011، خاصة ما تعلق منها بفتح الساحة السياسية والمجال السمعي البصري، أعطت انطباعا بأن السلطة استخلصت الدروس من التغييرات العنيفة التي شهدتها أنظمة الحكم في تونس ومصر وليبيا واليمن، فسارعت إلى استباق امتداد ألسنة اللهب إلى ربوعها بالتجاوب مع مطلب التغيير الشعبي الضاغط.

    كان هذا الانطباع خاطئا لأن السلطة كررت ما فعلته سنة 1989 عندما تعاملت مع رسائل مظاهرات أكتوبر بتعديل الخطاب السياسي وارتجال الأخذ بالتعددية الحزبية، وكان المطلوب تغيير النظام برموزه وآلياته كما حدث في الوقت ذاته في دول أوروبا الشرقية الشيوعية حين صاحبت ”الثورات الناعمة” تفكيك أنظمة الحكم الأحادية، ولذلك صدرت الحزمة الأولى من الإصلاحات السياسية والاقتصادية في إطار فكري جامد سيطر عليه الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين ضمن هذا الإطار، فلم يمنحها الفرصة الكافية للحياة، بل عصفت بالرئيس الشاذلي بن جديد الذي اضطر راغبا أو مكرها إلى تقليص عهدته الرئاسية الثالثة، وأدخلت البلاد في أزمة دامية تركت جروحا في النفوس واختلالات في منظومة الحكم. أما الحزمة الثانية من الإصلاحات فقد احتواها الإطار الجامد نفسه بذات العقلية السائدة، ولذلك سلك الرئيس بوتفليقة طريق ”المراوغة” بين الحواجز، يدفعه الحذر والتردد وإن اقتضى الأمر ترحيل المشاكل المستعصية، متجاوزا المؤسسات والقوانين، غير حازم مع الروابط غير الأخلاقية التي تنسج بين الدولة وعالم المال والأعمال..

    وازدادت هذه المراوغة صعوبة بانغلاق الساحة السياسية الداخلية منذ أزيد من عقد، واضطراب المحيط الإقليمي تحت وطأة الانتفاضات الشعبية التي اندلعت متزامنة في أكثر الدول استقرارا وهي تونس و مصر واليمن و ليبيا؛ وسبق لهذه البلدان أن اختار أهلها رؤساءهم - باستثناء الجماهيرية- في انتخابات تعددية حُسمت في الدور الأول بنسب مئوية مرتفعة كان آخرها: 89،62 % لزين العابدين بن علي و88،5 % لحسني مبارك و77،2 % لعلي عبد الله صالح. على أن هذا الفوز الكاسح لم يصمد طويلا، إذ توالى بعد مضي وقت وجيز سقوط هؤلاء الرؤساء في ظروف مأساوية، رغم ما كانوا يتمتعون به من دعم الحكومات الأجنبية والشركات متعددة الجنسيات، وشاهد المواطن على الهواء مباشرة كيف انهارت أنظمتهم ملطخة بالدماء، وتشردت عائلاتهم وطوردت زبائنيتهم، وأعلن الغرب تجميد أرصدتهم المودعة في بنوكه. كما اكتشف المواطن وجوها جديدة لرجال ونساء دفعت بهم الأحداث إلى الواجهة، وهم عديمو الخبرة في الممارسة السياسية وبعضهم لا يملك في ملف حياته العملية سوى سجلّ سنوات السجن الطويلة، وجميعهم متفقون على إسقاط النظام دون أي تصور لمعنى سقوط الدولة، فكان لتعلّهم إدارة الشأن العام- وقد آل الحكم إليهم- ثمن مازال يدفع على حساب استقرار بلدانهم وتنميتها. وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: هل وقعت هذه التغييرات العنيفة بسبب عدم توفر شروط تنظيم انتخابات ديمقراطية حقيقية على النحو المعروف في الغرب؟ أم أن الشعب لم يكن مهيأ أصلا للانتخابات لأنه منشغل بمعاناته اليومية؟ أم أن الديمقراطية في حاجة إلى مراجعة لأن منظريها الأوائل في أوروبا وأمريكا صمموها فقط للجنس الأوروبي؟ وإلا أي تفسير نعطيه لنهاية رئيس أعيد انتخابه حديثا بـ«أغلبية ساحقة” سرعان ما أطيح به دون مقاومة تُذكر من طرف الناخبين أنفسهم الذين لطالما ملأوا الدنيا ترديدا: بالدم، بالروح نفديك..؟ وكيف للقائد معمر القذافي أن يتمرد عليه الجيل الذي تربّى على يديه ويُنهي حياته بأقبح وأفظع طريقة؟ وقبل هذا وذاك، كيف لزعيم مدى الحياة بحجم الحبيب بورڤيبة في تونس أن يُعزل من طرف بن علي ولا يتحرك الشارع وكأن شيئا لم يكن؟ من الذي كان على حق: هل هو الفيلسوف اليوناني أرسطو الذي وضع رابطا بين الرفاهية الاقتصادية والاستقرار السياسي؟ وهذا غير صحيح في الحالة الليبية مع عقود حكم القائد، أم أستاذ العلوم السياسية الأمريكي وصاحب كتاب صدام الحضارات، صمويل هنتعتون الذي يعتبر أن ”التعبئة الاجتماعية أكثر تسببا في عدم الاستقرار من التنمية الاقتصادية” وهذا صواب في مصر ومسألة فيها نظر في تونس..

    إن ميزة مثل هذه الأنظمة السياسية هي أنها مبنية على شخص سما بنفسه فوق البشر وصدّق نفسه قائدا ملهما لو أمر الجبال أن تسير لسارت، ثم وجد في أقوال حاشيته والمتملقين صدى لأوهامه، ويضاف إلى ذلك أن هذه الأنظمة ”الشخصانية” استطاعت أن تصمد لعقود أمام مظاهر الغضب الشعبي طالما كانت تنطوي على قدرات للتحول الذاتي تساعدها على امتصاص هذا الغضب إلى حين بإجراءات تسكينية، ظنا منها بأن الأمور تصلح نفسها بنفسها إذا تركت لحالها. ولكنها لم تلتفت إلى أمراض الشيخوخة التي تصيب الأنظمة كما تصيب الإنسان، ومنها الصمم الذي يتطور إلى عمي يحرمها من الرؤية لتفادي الصدام. وبذلك تصبح عناصر التحول الذاتي عديمة الفعالية، لأنها تآكلت بتآكل مصداقية النظام.

    وعندما نجري مقارنة مع ما يدور في قارتنا السمراء نجد ما يحزن الناظر وما يسرّه أيضا، ففي الباب الأول نكتشف أن أكثر من عشرة رؤساء يتشبثون بالسلطة في إفريقيا جنوب الصحراء منذ حوالي عشرين سنة، مطمئنين إلى سلامة العاقبة لأن الممارسة الديمقراطية معتلة بهزال الثقافة الديمقراطية. وبالمقابل، تنازل رؤساء آخرون عن السلطة بمحض إرادتهم ووضعوا حدا لحياتهم السياسية، محترمين، مبجّلين (اليمين زروال، نيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا، وعبد الرحمن سوار الذهب في السودان، وسنغور في السينغال وأهيجو في الكاميرون....)، أو انسحبوا في أعقاب هزيمة انتخابية (كينث كاوندا هُزم من طرف منافس نقابي في زامبيا، عبدالله واد في السينغال هَزمه وزيره الأول السابق.. وراتسيراكا في مدغشقر..).

    وفي الجزائر، ولئن كان مآل السلطة لا يطرح بالشكل السيئ الرائج في بعض أجزاء إفريقيا نظرا لخصوصية عقلية الشعب التي صقلتها ثورة التحرير ضد التوريث وعبادة الأشخاص، إلا أن ذلك لم يمنع تعرّض النظام تحت رئيسين متباعدين لهزتين عنيفتين منذ الاستقلال أعقبتهما في كل مرة إصلاحات انتزعت انتزاعا، وتخللهما عنف دموي على نطاق واسع وقلاقل محلية أدت كلها إلى زعزعة أسس الدولة؛ وكان القاسم المشترك بين الهزتين هو المطالبة بالعدالة الاجتماعية وتوفير فرص العيش الكريم للجميع. لقد سالت الدماء في تلك الأحداث الدامية وحصد الرصاص مواطنين أبرياء وأصيب آخرون بعاهات مستدامة، فهل نحن اليوم في حاجة إلى التذكير بهذه المآسي واستحضار دمار العشرية الحمراء حتى ندرك خطورة أبعاد الإشارات المنبعثة من المجتمع؟ إن الجزائر تعيش منذ سنوات تحولا غير مسبوق تسارع بعودة الأمن وتحسن القدرة الشرائية للمواطن والضغط المتنامي لشرائح واسعة من الشباب الذين يتقاسمون في الميدان وعبر شبكات التواصل الاجتماعي وتحت تأثير الثورة الرقمية وتقنيات الاتصال الجديدة، اليأس القاتل والاستهانة بالخطر والتصميم على تحطيم جدار الخوف.. وهذه الحقيقة يعيشها الكثير منا في أوساطهم العائلية أو بمتابعة التحولات العميقة الجارية في العالم؛ ولذلك لا جدوى من الإصرار على دسّ الرأس في الرمال للقول بأن كل شيء على ما يرام تصديقا لأعوان ليسوا على الخير بأعوان، ومن ثمّ الاستنتاج بأن الأصوات المعارضة، سواء صدرت عن حكماء نالوا من السياسة نصيبهم، أو عن رجال فكر أو عمل أو شبان عديمي التجربة أو حتى عن مواطنين بسطاء، إنما هي أصوات غير ذي شأن اجتماعيا وقليلة التمثيل ميدانيا.

    إن هذا الحكم هو أبلغ تعبير عن جهل خطير بالواقع كما هو ماثل للذين يعيشونه خارج الأبراج العاجية، فليس الخبر كالمعاينة..

    (*) وزير الاتصال السابق

    يتبع

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 22, 2017 1:03 pm