ساحة لدعم الأعمال الموجّهة لطلاب التاريخ /جامعة منتوري/ قسنطينة

تجدون في المنتدى وثائق تاريخية مهمة للباحثين ومن كان في حاجة الى وثائق او مصادر او مراجع عليه ان يشعرنا بذلك وان يسجل طلبه هنا في المنتدى
هامّ : لقد قمنا بإصلاح الخلل وأزلنا الحجب، تستطيعون الدخول بأمان، مرحبا بالجميع
أعزائي الطلبة/ يمكنكم الاطلاع على نتائجكم النهائية + بطاقة التقييم وتحميلها .... ماعليكم إلا الذهاب إلى صفحة النتائج أدناه
بحلول السنة الجديدة 2016 نتمنى لطلبتنا عاما سعيدا مليئا بالجدّ والنشاط ... تتحقق فيه طموحاتهم وتكلّل بالنجاح أعمالهم

    المشرق والمغرب في ضوء القراءة الشعبية للتاريخ.. الدولة الفاطمية نموذجًا

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 397
    تاريخ التسجيل : 18/11/2009

    المشرق والمغرب في ضوء القراءة الشعبية للتاريخ.. الدولة الفاطمية نموذجًا

    مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء يوليو 17, 2012 1:27 pm

    المشرق والمغرب في ضوء القراءة الشعبية للتاريخ..
    الدولة الفاطمية نموذجًا

    العلاقة بين مصر والمغرب علاقة قديمة قدم التاريخ نفسه, ومتطورة تطور الإنسان ذاته. ذلك أن حقائق الجغرافية تجعل من منطقة الشمال الإفريقي منطقة واحدة ليست بها أي فواصل طبيعية بحيث يمكن للإنسان أن ينتقل في سهولة ويُسر - باستثناء حواجز الحدود السياسية والجمركية الحديثة والمعاصرة - من شاطئ الأطلنطي في طنجة إلى ضفاف النيل أو شاطئ الإسكندرية في مصر, مرورا بكتلة المغرب العربي الإسلامي بتقسيماتها السياسية الحديثة. وقد كانت الرحلة المغربية في عصور السيادة العربية الإسلامية إلى الأراضي الحجازية, مرورًا بالأراضي المصرية, من أهم ملامح التاريخ الثقافي للحضارة العربية الإسلامية. وإلى جانب ما خلفته هذ الرحلة من آثار أدبية مهمة ومصادر تاريخية مدهشة, منها رحلة ابن جبير, ورحلة العبدري, ورحلة ابن بطوطة آثر عدد من أبناء المغرب الإسلامي الاستقرار بمصر والإقامة بها, منهم عبدالرحمن بن خلدون صاحب كتاب (العبر) وصاحب المقدمة الشهيرة التي جسدت فلسفة التاريخ عند المسلمين.

    بيد أن عددًا آخر من الصوفية المغاربة آثروا الإقامة بمصر, وبنيت لهم أضرحة صارت مزارات مهمة في حياة المصريين, ودارت حولها روايات شعبية وحكايات أسطورية, ولاتزال محل حفاوة في الحياة الدينية الشعبية بمصر حتى الآن, ومن هؤلاء المتصوفة الذين لاتزال الموالد تقام احتفالا بهم حتى الآن, السيد أحمد البدوي, وأبو العباس المرسي, والشاطبي, وأبو الحسن الشاذلي وغيرهم. ومن اللافت للنظر أن معظم هؤلاء أقاموا بمدينة الإسكندرية ودفنوا بها, بل إن بعض أحياء الإسكندرية تحمل اسم بعضهم مثل الشاطبي كما أن الرحالة ابن جبير توفي بالإسكندرية ويحمل اسمه حي سيدي جابر في الإسكندرية.

    هكذا, إذن, اتخذت العلاقة بين المغرب الإسلامي ومصر اتجاهين أولهما على مستوى الكتابة التاريخية الرسمية وثانيهما على مستوى القراءة الشعبية لهذا التاريخ. ومن السهل تماما رصد الأحداث التاريخية البارزة التي أثرت في العلاقة بين الجانبين, بل إن هناك ظاهرة تاريخية فريدة تجسد هذه العلاقة تتمثل في الدولة الفاطمية (358 - 567 هجرية/ 969 - 1171م) التي بدأ وجودها التاريخي في المغرب, ثم امتد إلى مصر لتصبح قاعدة للدولة الشيعية الإسماعيلية على مدى ما يزيد على قرنين من الزمان, وهو ما سنرجع إليه في الصفحات القادمة. ولكن البحث في التأثيرات الفكرية لهذه العلاقة, وانعكاسها في القراءة الشعبية لتاريخ هذه العلاقة, هو الذي يمثل الصعوبة الحقيقية في مهمة الباحث.

    وربما يكون من المفيد, قبل أن نبدأ البحث في هذ الورقة, أن نحاول رصد طبيعة العلاقة بين التاريخ والفولكلور, أو بين القراءة المنهجية الدارسة للتاريخ وبين القراءة الشعبية الوجدانية التعويضية للتاريخ - فالتاريخ بمعناه العام والشامل هو المرادف لسيرة البشر في الكون ولكن دراسة التاريخ لا يمكن أن تتناول السيرة الكلية للإنسان وإنما تنصب على دراسات جزئية فيما يشبه (العينة) للوصول إلي محاولة للفهم. ولأن التاريخ بمعناه العام يشبه نهرًا يتدفق من المنابع إلى المصب حاملا كل التفاصيل والدقائق والمواقف والأحداث والشخصيات والظواهر, فإن المؤرخين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى تقسيم الدراسة التاريخية إلى فترات: عصور, أو دول, أو ظواهر, لكي يمكنهم البحث والدراسة والتحليل.

    وإذا كنا لا نتصور أن أحدًا يمكنه أن يدرس نهرا بنقله كاملا إلى المعمل لتحليل مياهه, وما فيه من أحياء ومجراه وشاطئه, وما إلى ذلك, فإننا بالقدر نفسه لا يمكن أن نتصور أن أحدا يستطيع دراسة التاريخ بأسره. ومن هنا كان لا بد من تقسيم الزمن التاريخي والظواهر.

    ومن ناحية أخرى, ألزم المؤرخون أنفسهم بمنهج استردادي صارم لإعادة قراءة التاريخ واسترداد صورته من الماضي.

    ولكن القراءة الشعبية للتاريخ التي تحمل وجهة نظر الناس في تاريخهم من ناحية, وتحملّ التاريخ قدرا من الرؤية التعويضية, لاتلتزم بهذا كله لسبب بسيط هو أن القراءة الشعبية لا تهدف إلى الإجابة عن السؤال الذي يبدأ بكلمة (لماذا), ولا تريد أن تفسّر ماحدث, وإنما تهدف إلى إعادة تأكيد وجهة النظر الشعبية فيما جرى وتعيد صياغة الأحداث والشخصيات والظواهر بالشكل الذي يناسب وجهة النظر هذه دونما اعتبار للقواعد المنهجية أو حقائق الجغرفيا أو الإطار الزمني. وهنا نجد أن القراءة الشعبية, التي نسميها (الفولكلور) عادة, تصبح من ضمن مصادر المؤرخ الذي يبحث في التاريخ الاجتماعي لأمة ما. فمن يريد أن يفهم النفسية الجامعة والوجدان الجمعي لأي جماعة إنسانية لا يمكنه أن يغفل أو يتغافل عن إبداعها التلقائي وفنونها الشعبية, ومن بينها الأساطير والسير والحكايات التي تمثل نوعا من القراءة الشعبية للتاريخ من ناحية, وتمثل مصدرا للباحثين في تاريخ الفكر والثقافة والتاريخ الاجتماعي بشكل عام من ناحية أخرى.

    وتتجلى هذه العلاقة الجدلية بين التاريخ والفولكلور في حالة دراسة العلاقة بين دول المغرب الإسلامي ومصر, مع اعتبار العصر الفاطمي نموذجا وحالة للدراسة.

    ***

    في شهر المحرم سنة 358هـ/968م جمع الخليفة المعز لدين الله الفاطمي جيشا قوامه نحو مائة ألف فارس أغلبهم من القبائل البربرية, وخاصة كتامة وزويلة, ومن الصقالبة وأعطاهم رواتبهم كاملة. ورحل هذا الجيش بقيادة جوهر الصقلي قاصدا مصر في يوم السبت الرابع عشر من ربيع الأول سنة 358هـ/969م لتبدأ بذلك حقبة جديدة تماما في تاريخ مصر والمنطقة العربية بوجه عام. وقد تسلم جوهر مصر بعد مفاوضات قصيرة بينه وبين أعيان المصريين من العلماء والفقهاء وكبار التجار سلما بعد أن كتب لهم أمانا.

    ورددت كتب التاريخ أخبار ذلك اليوم بقدر من المبالغة في وصف حجم جيش الفاطميين الذي قيل إنه (... مثل جمع عرفات كثرة وعدة...) و(... قيل إنه لم يطأ الأرض بعد جيش الإسكندر أكثر عددا من جيوش المعز...) على حد رواية المؤرخ تقي الدين أحمد بن علي المقريزي. أما الموروث الشعبي المصري فلم يحفظ أصداء هذا اليوم لسبب لا نعلمه, فقد خلت النسخة المصرية من حكايات (ألف ليلة وليلة) من أي إشارة إلى هذه الحادثة التاريخية, كما أن سيرة الظاهر بيبرس التي تحدثت عن العصر الأيوبي والمملوكي لم تشر من قريب أو بعيد إلى هذه الحادثة. فضلا عن أن السيرة الهلالية التي تصف أحداثا معاصرة للفترة الفاطمية أغفلت ذكر دولتهم تماما.

    بيد أن هذا لا يعني أبدا أن العصر الفاطمي لم يترك تأثيره في الوجدان الشعبي المصري, ذلك أن هذا العصر لم يكن يعني مجرد استبدال حاكم بآخر في نظر المصريين, وإنما كان تغييرا شاملا في البنية السياسية والاقتصادية للبلاد. فقد تحولت مصر من إحدى ولايات الخلافة العباسية (على الرغم من قيام الأسرة الطولونية والأسرة الإخشيدية في نوع من الحكم الذاتي قصير المدى) إلى دولة مستقلة سرعان ما تحولت إلى قوة إقليمية عظمى. وعلى المستوى الاجتماعي اشتهرت الدولة الفاطمية بكثرة احتفالاتها التي حولها المصريون إلى احتفالات مصرية ظلت من خصائص الحياة المصرية حتى العصر الحالي. إذ إن كثيرًا من عادات المصريين وتقاليدهم وموروثاتهم الشعبية وممارساتهم الفولكلورية يمكن إرجاع جذورها التاريخية إلى الفترة الفاطمية التي استمرت أكثر من قرنين من الزمان.

    فالاحتفالات الشعبية بالمولد النبوي, وموالد الأولياء والصالحين والصوفية المشهورين: كلها أمور غرست بذورها التاريخية في تربة العصر الفاطمي. كما أن (فانوس رمضان) و(عروسة المولد) و(حلويات المولد) كانت, ولاتزال, من خصائص الحياة الاجتماعية المصرية. ومن أهم الممارسات الشعبية في هذه البلاد. وعلى الرغم من أن المصريين, في غالبهم لم يعتنقوا المذهب الشيعي الإسماعيلي الذي جاءت به الدولة الفاطمية, فإنهم أحبوا أهل بيت الرسول الذين نسب الفاطميون أنفسهم إليه وحوّلوا المناسبات الشيعية الاحتفالية إلى مناسبات اجتماعية مصرية.

    ومن ناحية أخرى كانت الفترة الفاطمية, في تقديري, هي الفترة التي كثر فيها قدوم المغاربة إلى مصر, واستقرّوا فيها بحيث صار من المألوف بالنسبة للمصريين فيما بعد أن يستقبلوا أعدادًا متزايدة من المغاربة, وكان منهم عدد كبير من المثقفين والعلماء والصوفية, وربما كان هذا تمهيدًا لقدوم الصوفية الكبار فيما بعد للاستقرار في مصر بالشكل الذي أدى إلى انتشار الدراويش والطرق الصوفية بعد أن تبنى صلاح الدين الأيوبي سياسة تقريب الصوفية والاعتماد عليهم في عمليات التوجيه المعنوي لجيوشه أثناء الجهاد ضد الصليبيين. ومن المهم هنا أن نشير إلى أن نفوذ الصوفية قد زاد بشكل كبير في العصر الأيوبي وعصر سلاطين المماليك. ومن ناحية أخرى, فإن صلاح الدين الأيوبي أنشأ الزوايا والخوانق للصوفية في مبادرة من جانبه, صارت فيما بعد ممارسة شائعة طوال العصر الأيوبي وما تلاه من العصور.

    كذلك فإن الفاطميين كانوا يحكمون مصر على غرار حكومات الأقلية, لأن اختلاف مذهبهم الديني عن مذهب غالبية المسلمين في مصر أفقدهم تأييد أهل البلاد: ومن ثم استعان الفاطميون بالعناصر الأجنبية لاسيما المغاربة والأتراك والديلم والعناصر الإفريقية والأرمن, كما يعتبر العصر الفاطمي بمنزلة العصر الذهبي لأهل الذمة من المسيحيين واليهود الذين تولوا الوظائف المهمة في الدولة والتي تم إبعاد العناصر السنية عنها. وعلى الرغم من استمرار الحكم الفاطمي فترة تزيد على مائتي عام. فإن أحدًا لم يعتنق مذهب الشيعة الإسماعيلية في مصر سوى أولئك الذين ارتبطوا بالسلطة الحاكمة, وقد أدى ذلك إلى عزلة الحكام عن المحكومين بالشكل الذي أدى إلى تجاهل الموروث الشعبي المصري للفترة الفاطمية والحكام الفاطميين. ذلك أننا لا نجد ذكرًا ولا صدى لهم في كل مفردات الموروث الشعبي من فنون القول (السير الشعبية, والحكايات, والأزجال, والبلاليق...وغيرها).

    كانت أهم أعمال الفاطميين في مصر هي إنشاء مدينة القاهرة, وهناك روايتان بشأن القاهرة: إحداهما تاريخية والأخرى فولكلورية. تقول الرواية الأولى إن جوهر الصقلي أسماها المنصورية في بداية الأمر, ولما أتى الخليفة المعز لدين الله الفاطمي بعد أربع سنوات سمّاها القاهرة (....تفاؤلاً بأنها ستقهر الدولة العباسية...) وتقول الرواية الثانية (...إن القائد جوهر لما أراد بناء القاهرة أحضر المنجمين, وعرّفهم أنه يريد عمارة بلد ظاهر مصر ليقيم بها الجند, وأمرهم باختيار طالع لوضع الأساس بحيث لا يخرج البلد عن نسلهم: فاختاروا طالعا لحفر السور, وطالعًا لابتداء وضع الحجارة في الأساس, وجعلوا بدائر السور قوائم من خشب, بين كل قائمتين حبل فيه أجراس وقالوا للعمال: إذا تحركت الأجراس ارموا ما بأيديكم من الطين والحجارة. فوقفوا ينتظرون الوقت الصالح لذلك, فاتفق أن غرابًا وقع على حبل من تلك الحبال المعلق فيها الأجراس. فتحركت الأجراس كلها, وظن العمال أن المنجمين حرّكوها, فألقوا ما بأيديهم من الطين والحجارة وبنوا, فصاح المنجمون: القاهر في الطالع, فمضى ذلك وفاتهم ما قصدوه...).

    وتقترب من هذه الرواية رواية ثالثة تقول إن المريخ كان من الطالع عند ابتداء وضع أساس القاهرة, وهو قاهر الفلك فسموها القاهرة.

    والراجح أن قصة الغراب والجرس والحبل رواية أسطورية لأن المسعودي الجغرافي المؤرخ يروي في كتابه (مروج الذهب) و(معادن الجوهر) (ج1, ص215) قصة تكاد تتطابق مع هذه القصة عن الإسكندر الأكبر وبناء الإسكندرية, وربما تكون حكاية بناء القاهرة هي القصة الوحيدة التي تحدثت عن الفاطميين في التراث الشعبي على الرغم من ورودها في كتابات المؤرخين من ناحية, وعلى الرغم من أنها مقتبسة من قصة أخرى شعبية عن بناء الإسكندرية من ناحية ثانية, وعلى الرغم من أنها لم ترد في الموروثات الشعبية من ناحية ثالثة.

    وإذ بدأنا في بحث موقف الموروث الشعبي من الفترة الفاطمية, فإن ما يلفت النظر حقا أن (سيرة الظاهر بيبرس) تغفل الفترة الفاطمية تمامًا, وهي تتحدث عن دخول صلاح الدين الأيوبي إلى مصر, وعلى الرغم من أن صلاح الدين الأيوبي كان وزيرًا للخليفة العاضد آخر الخلفاء الفاطميين في مصر, فقد تجاهلت هذه الحقيقة, فإنها تجعل مصر من أملاك الخليفة العباسي الذي تسميه (شعبان المقتدر): بل إن السيرة الشعبية تجعل (شجر الدر) ابنة هذا الخليفة وتسميها فاطمة شجرة الدر, وتجعل حكم مصر من حقها الشرعي. وربما يكون مناسبًا أن نورد بعض نصوص الرواية ثم نقوم بتحليلها لمحاولة فهم تجاهل السيرة الشعبية للفترة الفاطمية من ناحية, على الرغم من احتفالها بكبار الصوفية ذوي الأصول المغربية من ناحية أخرى.

    و(سيرة الظاهر بيبرس) هي في حقيقتها قراءة شعبية لفترة مهمة من تاريخ مصر والمنطقة العربية: ولكنها تحمل الرؤية التعويضية الشعبية للتاريخ: إذ إنها تؤكد على إبراز الدور الشعبي في التاريخ بعد أن أغفله المؤرخون, كما أنها تعكس وجهة نظر الناس في أحداث التاريخ وشخصياته وتجلياته. ويثير الانتباه أن هذه السيرة التي تناولت أحداثًا وأشخاصًا في شتى أرجاء المنطقة العربية وفي فترة تسبق ظهور صلاح الدين, لم تشر إلى الدولة الفاطمية التي كانت قائمة في ذلك الوقت. وبغض النظر عن الخلط في الأحداث التاريخية والمواقع الجغرافية, فإن الأبطال يتخطون حدود التاريخ والجغرافيا لأن السيرة تستخدمهم لأغراض أخرى غير البحث والدراسة, ومن ثم فإن موقفها من الأيوبيين, ومن شجر الدر ومن الصالح نجم الدين أيوب, يحمل دلالات مهمة على رأي الناس العاديين في حكام المنطقة العربية آنذاك, ولنعد إلى نص السيرة حول هذا الموضوع.

    (قال الراوي وكان لهذا العقد سبب عجيب بعد الصلاة على النبي الحبيب وهو أن الملك شعبان المقتدر بالله كان لم يرزق بهن في تلك السنوات, وهو يحبهن أكثر من الغلمان, وكان متولع بهن, فقام ليلة من الليالي وسأل الله تعالى بعد أن صلى ركعتين في جوف الليل, ودعا الله أن يرزقه ذرية من البنات, فاستجاب الله دعاءه ورُزق ببنت كأنها القمر, إذا بدر فسماها فاطمة. ولما تمت الرضاع ومشت وتكامل لها من العمر سبع سنوات, فمن محبته لها قد فصل لها بدلة من الدر وألبسها إياها. وجعل العقد في عنقها وقد رآها بعد خروجه من السجن, وأنها قد أتت إليه وقبلت يده وسلمت عليه وهنأته بسلامته, فقال لها: أهلا وسهلا ومرحبا سيدتي فاطمة يا بنتي أنت الآن مثل شجرة الدر كفاك الله شر كل بؤس وصرّ. فكُنيت شجرة الدر من تلك الساعة...) (سيرة الظاهر بيبرس, الهيئة المصرية العامة للكتاب, المجلد الأول, الجزء الأول, ص25-28),

    وتمضي القصة التي اصطنعت هذا النسب لشجر الدر (التي كانت في الحقيقة إحدى جواري السلطان الأيوبي الصالح نجم الدين أيوب, ثم تزوجها بعد أن أنجبت له ابنا. وبعد عدة سنوات ارتقت العرش لتكون أول سلاطين المماليك الذين حكموا مصر والشام وأجزاء أخرى من المنطقة العربية على مدى ما يزيد على مائتين وسبعين عامًا), لتقول إنها أعطت العقد الثمين الذي أعطاه لها أبوها الخليفة إلى أحد الشحاذين فباعه إلى أحد الجواهرية. وعندما رأى الخليفة العقد اشتراه وسأل ابنته عنه فوجدت العقد في خزانتها ولبسته وأخبرته بأنها كانت قد تصدقت به (... فلما تحقق منها ذلك قال لها: أنت محبوبة الله تعالى ولأوليائه الصالحين تمني تُعطي يا فاطمة, فقالت: تمنيت على الله ثم على جانب أبي أرض مصر تكون لي وباسمي. فلما سمع الخليفة مقالها أجابها إلى مرادها, وقال لها: إن الله أعطاك وبلغك مناك, ثم إنه كتب حجة من وقته وساعته بذلك الذي طلبته...).

    هكذا تجعل السيرة الخليفة العباسي يمنح شجرة الدر أرض مصر, وفي هذا دلالة لا تخفى على تجاهل الفاطميين تمامًا من جانب السيرة, ولا عبرة هنا بتتابع الزمن التاريخي, أو تقديم السيرة وجود شجر الدر تاريخيا على صلاح الدين الأيوبي فكلها أمور ذات دلالة فنية, ولكن العبرة تكمن في تجاهل السيرة لحقيقة أن صلاح الدين كان وزيرا للفاطميين ثم استولى على حكم مصر بعد وفاة الخليفة العاضد الفاطمي 1171م. ومن ناحية أخرى تشكك السيرة بهذا في شرعية حكم الأيوبيين لمصر حسبما يتضح من سياق الحكاية فيما بعد..) (السيرة, 1, ص46 - ص111). فهل يمكن أن يكون إغفال سيرة الظاهر بيبرس للفترة الفاطمية تعبيرا عن عدم رغبة المصريين في الاعتراف بهذه الفترة لمجرد الاختلاف المذهبي بين المصريين السنّة والفاطميين الإسماعيلية?

    في ظني أن هناك أسبابا عدة وراء تجاهل الفاطميين في هذه القراءة الشعبية للتاريخ. فقد شهد هذا العصر عدة ممارسات أزعجت المصريين وضاعفت من حدة التنافر بينهم وبين حكامهم, ولعل (القاهرة) كانت من أهم أسباب هذا الجفاء, فقد بنيت القاهرة لتكون سكنًا للخليفة وآله وحاشيته, ومُنِع المصريون من دخولها حتى أواخر العصر الفاطمي, وكانت العاصمة الحقيقية آنذاك هي مدينة الفسطاط. ورفض المعز دخول الفسطاط حين قدم إلى مصر سنة 362هـ على الرغم من أنها كانت مزينة لاستقباله, وظلت القاهرة من أهم ملامح الجفاء بين المصريين وحكامهم الجدد حتى نهاية دولتهم وبداية العصر الأيوبي. وكان أول ما فعله جوهر الصقلي هو إلغاء استطلاع الهلال وأفطر يوم عيد الفطر بغير رؤية (لأن المذهب الشيعي لا يقيد أتباعه عند صيام رمضان بضروة رؤية الهلال) وكان ذلك قد أثار حنق المصريين, وزاد من غضبهم أنهم ظلوا طوال الفترة الفاطمية لا يحتفلون بالرؤية. وجرت تغييرات أخرى في الأذان والصلاة تركت تأثيرات سلبية على موقف المصريين من الفاطميين.

    ولكن أكثر ما أثار المصريين ضد الفاطميين كان اعتمادهم على أبناء القبائل المغربية, والعناصر التركية, والأرمنية, والإفريقية, وتقريب أهل الذمة في الوظائف الحكومية على حساب المسلمين, وقد بدأ أهل الفسطاط مقاومتهم العلنية لهذا الاتجاه منذ عصر الخليفة العزيز بالله على الأقل. وقد قال ابن الأثير (الكامل, 9:40) (... قيل إنه ولى عيسى بن نسطورس النصراني كتابته, واستناب بالشام يهوديًا اسمه منشا إبراهيم بن القزاز, فاغتر بهما النصارى واليهود, وآذوا المسلمين, فعمد أهل مصر وكتبوا قصة وجعلوها في يد صورة عملوها من قراطيس, فيها: بالذي أعز اليهود بمنشا, والنصارى بابن نسطورس وأذل المسلمين بك إلا كشفت ظلامتي...).

    وقد نصب أهل الفسطاط هذا التمثال الورقي للمرأة في الطريق الذي يمرُّ به موكب العزيز (... والرقعة بيدها, فلما رآها أمر بأخذها, فإذا الصورة من قراطيس (أي أن التمثال مصنوع من الورق), فعلم ما أريد من ذلك, فقبض عليهما, وأخذ من عيسى بن نسطورس ثلاثمائة ألف دينار, ومن اليهودي شيئا كثيرا..) هذه الحادثة تكشف عن أن المسلمين قد نالهم الأذى من اعتماد الفاطميين على الأجانب وغير المسلمين في إدارة شئون البلاد وسبب ذلك مزيدًا من الجفوة تجاههم.

    فإذا أضفنا إلى هذه الأسباب التدهور السياسي الذي آذى المصريين كثيرًا بعد أن استولى الوزراء العسكريون على السلطة الحقيقية, وعجز الخلفاء الفاطميين الأواخر, وما جرى أثناء حكم الخليفة الحاكم بأمر الله من تصرفات متناقضة عانى منها الجميع, فضلا عن الشدة المستشرية التي أخربت البلاد وأضرت العباد, أدركنا بقدر أكبر من الوضوح السبب في تجاهل الموروثات الشعبية المصرية للفترة الفاطمية.

    بل إن السيرة الهلالية اتخذت الموقف نفسه من الدولة الفاطمية, وربما يكون من المناسب أن نورد عبارات الأستاذ د.عبدالحيمد يونس (الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي, سلسلة الدراسات الشعبية (الهيئة العامة لقصور الثقافة - القاهرة 2003م), ص261 - ص262) إذ يقول:

    (... والذي يدعو إلى الدهشة أن الذاكرة الهلالية وبعدها الذاكرة الشعبية المصرية استطاعت الاحتفاظ بمثل خبر دبيس بن مزيد آمر الحلة المزيدية والملقب بملك العرب الذي ذكره الحريري في إحدى مقاماته, والذي لقي مصرعه في أوائل القرن السادس الهجري (529هـ) بعد أن استولى على كثير من مدن العراق أيام الخليفة المسترشد بالله العباسي, ولكنهما سكتتا عن الخلافة العبيدية الفاطمية التي امتد ملكها من المحيط الأطلسي إلى الحجاز والشام, والتي كان بينها وبين الهلالية وقائع وأحداث أثرت في مصير الفريقين, والتي غلبت على ديار مصر وتحولت إليها وأضافت إلى مجتمعها كثيرا من الشعائر لاتزال مرعية فيها إلى الآن. ونحن نتساءل أكان هذا الصمت عن نسيان اقتضته حياة السيرة الطويلة وكثرة تنقلها بين مختلف البيئات, أم كان على إسقاط متعمد لفترة لا يحب القائلون او الرواة ذكرها أو تكرارها...).

    هذا السؤال الذي لا يجد لنفسه الإجابة لدى المرحوم د.عبدالحميد يونس, يقترب من السؤال الذي اجهدنا في الإجابة عنه. وإذا كان أستاذنا الراحل قد طرح سؤاله عن السيرة الهلالية, فإن سؤالنا مطروح عن سيرة الظاهر بيبرس. وما يجمع بين السؤالين هو اختفاء أي ذكر للفاطميين فيهما.

    ولكن العلاقة بين المغاربة والمصريين في العصر الفاطمي لم تكن مقصورة على مشاركة أبناء القبائل المغربية في الجيش الفاطمي, أو في التأثيرات الإدارية, أو حتى الحقيقة القائلة بأن أحد أبواب القاهرة القديمة لايزال يحمل اسم قبيلة (زويلة) المغربية.

    لقد كانت مصر, قبل العصر الفاطمي وأثناءه وبعده, محطة رئيسية في طريق رحلة الحج المغربية. وكان المسلمون القادمون من المغرب يخرجون ضمن ركب الحج المصري المتوجه إلى الحجاز, وكان عدد كبير من هؤلاء المتدينين يفضلون البقاء في مصر. وكان عدد منهم من كبار العلماء ومشايخ المتدينين, ومن هنا فإن التأثيرات الاجتماعية والثقافية التي تخلفت عن العصر الفاطمي انحصرت في نطاق الاحتفالات بالموالد من ناحية, والاهتمام بمشايخ الصوفية الذين جاء أغلبهم من المغرب والأندلس من ناحية أخرى, وقد انعكس هذا في العادات والتقاليد الشعبية على مستوى العادات والتقاليد الشعبية, وعلى الدور الذي لعبه أقطاب الصوفية في السيرة الشعبية على مستوى الموروث الشعبي.

    فقد حرص الفاطميون على الاحتفال بعيد الفطر وعيد الأضحى بجانب حرصهم على الاحتفال برأس السنة الهجرية, ومولد النبي, وركب الحج, وليالي الوقود الأربع وكان الاحتفال بالمولد النبوي يصحبه احتفالات خمسة موالد أخرى فيما عرف باسم (الموالد الستة), وهي حزن عاشوراء, ومولد الحسين, ومولد السيدة فاطمة ومولد الإمام علي, ومولد الحسن, ومولد الإمام الحاضر (أيمن فؤاد سيد, الدولة الفاطمية في مصر, الدار المصرية اللبنانية, القاهرة 2000م, ص560 - ص561).

    وقد بالغ الفاطميون في هذه الاحتفالات إلى جانب الاحتفالات الأخرى التي بقيت من تقاليد الحياة الاجتماعية الشعبية المصرية, وإن تغيرت الأسماء, فقد بقي الاحتفال بمولد الحسين إلى جانب المولد النبوي, وعدة موالد أخرى.

    وفي العصر الفاطمي كثر الاهتمام بالغناء والموسيقى في الاحتفالات بالموالد, وهي سمة لاتزال من سمات الاحتفالات بالموالد حتى الآن (فاروق أحمد مصطفى, الموالد دراسة للعادات والتقاليد الشعبية في مصر, ط.ثانية (الهيئة المصرية العامة للكتاب الإسكندرية 1981م, ص78 - 81).

    وقد عرفت مصر عددًا من أقطاب الصوفية المغاربة من أشهرهم: السيد أحمد البدوي الذي جاء إلى مصر أواخر العصر الأيوبي, ثم نمت حوله أسطورة بعد ذلك بثلاثة قرون على يد الشعراني في كتابه (لواقح الأنوار), ومنهم أبو العباس المرسي, الذي ولد بمدينة مرسية في الأندلس, وغرقت به مركب فنجا ووصل إلى تونس حيث قابل أستاذه وشيخه أبا الحسن الشاذلي. ثم سافر الاثنان إلى مصر في طريقهما إلى الحج. ومات أبو الحسن الشاذلي. في صحراء مصر الشرقية حيث يقام مولده السنوي إلى الآن. أما أبو العباس فقد سافر إلى الحج ثم عاد إلى الإسكندرية ليمكث بها أكثر من ثلاث وأربعين سنة حتى توفي في ذي القعدة 685هـ/1287م (أي في السنة نفسها التي توفي فيها السيد أحمد البدوي). ودفن بها ولايزال مدفنه مزارًا مهمًا من مزارات الأولياء بمدينة الإسكندرية.

    والسيد عبدالرحيم القنائي من مواليد سبتة بالمغرب, ثم سافر إلى الحجاز بقصد الحج, وعاش فترة في الحجاز بين التجارة والعلم والعبادة. ثم عاد إلى مصر بصحبة الشيخ مجد الدين القشيري, وعاش في قنا لأنه رأى في قوص عددا كبيرا من العلماء. وفي قنا مارس الشيخ عبدالرحيم التجارة والعلم. ثم توفي ودفن في قنا حيث يقام مولده الآن.

    وبغض النظر عن الحكايات الخيالية, والقصص الخرافية التي تروى عن معجزات تنسب لأولئك المتصوفة فإن تأثير التراث الشعبي المرتبط بهم في الثقافة الشعبية المصرية لايزال قويا حتى الآن, إذ إن الاحتفالات بالموالد في مصر لاتزال من أهم ملامح الحياة الاجتماعية, بل إن الاحتفال بمولد السيد البدوي في طنطا, أو الاحتفال بمولد أبي الحسن الشاذلي في صحراء مصر الشرقية, مثلا, قد صار نوعًا من (الزيارة) السنوية التي تحتل مكانة في الممارسات الدينية الشعبية تلي مكانة الحج. والزيارة كانت ولاتزال ممارسة شعبية مهمة كانوا يخصصون أياما بعينها لزيارة المشاهد والأضرحة, مثل الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة, وغيرها. ومن يزر مشاهد الأولياء وأقطاب الصوفية المدفونين في مصر اليوم فسوف يلاحظ أن أعداد الزوار الكثيرة تتوافد عليهم يوميًا دونما انقطاع, على حين تشكل (الموالد) الخاصة بكل منهم مناسبة تحتشد فيها الأعداد الغفيرة من الناس القادمين من كل الأنحاء.

    وفي تقديري أن تأثير المغاربة في هذا الصدد كان كبيرًا بدليل كثرة عدد الصوفية ذوي الأصول المغربية من ناحية, واحتفاء الموروث الشعبي المصري بأولئك الأقطاب من ناحية أخرى. وقد احتفت (سيرة الظاهر بيبرس) بأقطاب الصوفية الذين يمثلون البعد الديني في شخصية البطل الشعبي, ونسبت إليهم فضل تعليم السلطان الظاهر بيبرس وشفائه في الفترة التمهيدية من السيرة عندما كان لايزال فتى مريضا لا حول له ولا قوة, بحيث تضفي البعد الديني على شخصية البطل الذي أعاد الوجدان الشعبي صياغتها. وربما يكون مفيدًا أن نورد نص هذا الجزء من سيرة الظاهر بيبرس:

    يقول نص (سيرة الظاهر بيبرس) عن دور الصوفية:

    (قال الراوي: وأما ما كان من أمر محمود (بيبرس), فإنه كان في غالب أوقاته لا ينام, من كثرة الألم وشدة ما هو فيه من السقم, فلما كانت تلك الليلة أخذه المنام بأمر مدبر الأكوان, لما سبق في علم الملك الحنان المنان, بينما هو في شدة أسقامه وقد استغرق في منامه, والكشك عند رأسه, والسيدة تنظره, وإذا قد ظهر في ذلك المكان نور عظيم, يأخذ البصر السليم. وفي عقب ذلك النور, رجل عابد زاهد شكور, فلما أقبل ذلك الرجل صاح: باسم الله باسم الله, المكان خالٍ يا عباد الله. فعند النداء أقبلوا رجلين, وقد صفوا الكراسي في الجهتين, ثم أتوا بكرسي كبير, ووضعوه في صدر ذلك المجلس. وصاح الرجل الأول: وهو نقيب الرجال, وهو يقول: يا سادة الأرض, ذات الطول والعرض, أحضروا ذلك المحضر, كما أمر قطب الأقطاب الأكبر, سيدي أحمد البدوي, والشريف العلوي, صاحب الإمداد النبوي, فعند ذلك أقبلت الرجال, كأنهم الأقمار, وجلسوا ذات اليمين وذات اليسار.

    ووقف النقيب بين أيديهم, يمدح مرشدهم وهاديهم, حتى تكامل الديوان, وحضرت كامل الإخوان, ثم قال الرجال: أين السلطان, وبطل الأبطال وعين كل إنسان? فقال لهم النقيب: تأنوا حتى يحضر باقي الأقطاب... أقبلت الثلاث الأقطاب, أقطاب الرجال, وسلموا على بعض الأبطال, وقد وضعت لهم الكراسي العوال, وجلسوا بين الرجال, وراق الحي وذهب الضلال, ونامت الأعين بإذن الكريم ذي الجلال... وبعد ذلك قال السلطان: كل من كان له كلام أذنت له بشرط أن يظهر معانيه ومبانيه. فقال أحد الأربعة: يا سلطان الرجال وبطل الأعيان, هذا ملك الزمان, وفارس العصر والأوان, وهو الذي ينصر الإسلام, ويقيم الأحكام ويُذل جيوش اللئام. فقال الثاني: هو هذا الذي يفتح السواحل والبلاد, وتطيعه أهل السواد, وينصره النبي الهادي. فقال الثالث: سبق في علم الله, أن كل شيء بقضاء الله, فاطلبوا له من الله أن يكشف ضرَّه وبلاه, فقال الآخر: اطلبوا من خالق البرايا, واسألوا صاحب العطايا, أن يزيل عنه جميع المضرات, فما منكم إلا وهو مجاب الدعوات. وتكلم كل إنسان منهم بمثل هذه الإشارات, فقال السيد البدوي: اعلموا أن هذا ولدي, ولابد أن يأخذ عهدي, ويحفظ ودي, وأنا سألت الله العظيم رب موسى وإبراهيم, وزمزم والحطيم, أن الله ينصره على جميع أعدائه.

    فقال الدسوقي: أسأل الله العظيم, رب موسى الكليم, أن الله يريه ليلة القدر عن قريب, ويكون دعاه فيها مجيب. فقال الجيلاني: الله تعالى يُعلي قدره, ويدبر أمره, ويهدي سره, ويطيل حكمه, ثم بعد ذلك قرأوا الفاتحة وجلسوا فقال السيد النقيب: هات الذي عند رأس هذا الغلام, فأتاه بالكشك, وقدمه له وللأعيان, وقال: دستور يا سلطان, أقدم لك هذه الهدية ولي الأمان, فقال له: والله إنها لهدية عظيمة, وعزومة مقبولة غير ذميمة, اللهم اشف كل من أكل منه. ثم إن السيد مدّ يده فيه, ولعق لعقة واحدة, وكذلك كل الرجال, ثم بعد ذلك قال للنقيب: أوضع هذا مكانه, فالله يجود على من جاد علينا بإحسانه, ثم نفض السلطان المنديل, فسار كل منهم إلى حاله والسبيل...) (السيرة, ج1, ص101 ص103).

    وتقول الحكاية إن زيارة أقطاب الصوفية كانت سببًا في شفاء بيبرس وكل من كان مريضا في المرستان (المستشفى), وبعدها توالت أحداث السيرة لتمهد لظور بيبرس البطل والأمير ثم السلطان.

    ولا تهمنا السيرة بحد ذاتها في هذه الدراسة, وإنما تهمنا تلك المكانة التي وضعتها السيرة للصوفية, ودورهم في التمهيد لظهور البطل الذي تدور حوله السيرة. وهي بهذا تعكس مدى تأثير الصوفية على الثقافة الشعبية المصرية, ومدى تأثير الصوفية الذين كان معظمهم من أصول مغربية في هذا المجال.

    هكذا, إذن, لم يحمل التراث الشعبي المصري أي ذكر للدولة الفاطمية, ولكنه احتفظ في ذاكرته بالمغاربة الذين أثروا في الثقافة الشعبية المصرية. ذلك أن السيرة الشعبية تجاهلت الدولة الفاطمية بشكل يبدو متعمّدًا, ولكن الاحتفاء الشعبي بالتصوّف حتى الآن واضح تمام الوضوح من ناحية, كما أن تأثير المغاربة في الطرق الصوفية المصرية كبير للغاية.

    خلاصة القول أن الدولة الفاطمية قد فتحت الباب تاريخيًا أمام الوجود الكثيف لأبناء الغرب الإسلامي, لأن الدولة نفسها كانت قائمة في تونس قبل أن تنتقل إلى مصر, كما أن عماد جيوشها كان من القبائل المغربية التي تركت إحداها اسمها على واحد من أبواب القاهرة وهو (باب زويلة), بيد أن التاريخ الذي كتبه المؤرخون سجل أيضا أن الوجود العسكري والسياسي لم يكن كافيًا لإحداث التغيير الاجتماعي والثقافي لدى المصريين, ولم يبق في الذاكرة المصرية من هؤلاء الذين جاءوا في ركب الدولة الفاطمية, وعملوا في خدمتها, سوى ما كتبه المؤرخون عن منازعاتهم واقتتالهم. كما لم يبق من الدولة الفاطمية نفسها سوى ما كتبه مؤرخو هذه الدولة عن سياستهم وحروبهم, وما خلفوه من آثار تمثل أهمها في مدينة القاهرة نفسها.

    كذلك بقيت من عصر الدول الفاطمية عادات وتقاليد حوّلها المصريون إلى سمات من ثقافتهم الشعبية تمثّلت في الاحتفال بالموالد, وما ارتبط بها من تقاليد وممارسات, مثل مولد النبي وحلاوة المولد والعروسة والحصان, ومولد السيدة زينب الذي تحتشد له الآلاف من جميع أنحاء مصر, ومولد الحسين. كما أن مناسبات الاحتفالات الشيعية الحزينة, مثل يوم عاشوراء, تحول عند المصريين إلى مناسبة اجتماعية سارة يطبخون فيها حبوب القمح باللبن والسكر لتصير نوعًا من الحلوى يسمّونه (عاشوراء).

    ولأن الفاطميين منعوا الاحتفال برؤية هلال رمضان وهلال عيد الفطر وعيد الأضحى, حوّلها المصريون إلى احتفالات شعبية مهمة بقيت على مدى تاريخهم.

    لكن أهم ما يلفت النظر أن التفاعل الحقيقي بين المغاربة والمصريين, كان في الفترات التي أعقبت العصر الفاطمي, لأن الوجود البشري المغربي الكثيف أثناء العصر الفاطمي مهّد السبيل إلى أن تكون مصر مستقرًا ومقامًا للكثيرين من المغاربة من عامة الناس ومن كبارهم على السواء. وكانت رحلة الحج من أهم الروافد التي تصب بالمغاربة في نهر الحياة المصرية, كما كانت الظروف السياسية المعاكسة تصب بأعداد كبيرة منهم في اتجاه مصر.

    وإذا كان التراث الشعبي المصري الأدبي قد تجاهل الدولة الفاطمية, فإن الثقافة الشعبية المادية حفظت لنا الكثير من مفردات العادات والتقاليد المصرية في العصر الفاطمي. وهو ما يعني, في التحليل الأخير, أن التفاعلات على مستوى العلاقات بين الناس العاديين هي التي تبقى, وهي التي تحدد مدى قوة هذه العلاقات أو ضعفها. فقد كانت العلاقة بين مصر والمغرب الإسلامي قائمة منذ العصور القديمة, وكانت مصر قاعدة لحركة الفتوح الإسلامي في بلاد المغرب الإسلامي, كما كان أبناء هذه المناطق يفدون إلى مصر قبل العصر الفاطمي, ولكن هذا العصر هو الذي فتح الباب أمام الوجود الكثيف للمغاربة في مصر, ومن بعدها صار الوجود المغربي من سمات المجتمعات الحضرية في المدن المصرية, لاسيما الإسكندرية, وطنطا والقاهرة.

    فهل كان يمكن أن نفهم طبيعة علاقات التفاعل المتبادل بين المصريين والمغاربة في قراءة رسمية للتاريخ? وهل كان يمكن أن نفهم طبيعة هذه العلاقة إذا ركنا إلى القراءة الشعبية للتاريخ دون غيرها? إن نموذج العلاقة الجدلية بين المغاربة والمصريين في عصر الدولة الفاطمية يؤكد أن مصادر الدراسات التاريخية يجب أن تتضمن الموروث الشعبي إلى جانب المصادر التاريخية الأخرى.


    قاسم عبده قاسم

    Pièces jointes (4)
    map_fatmin.jpg
    51 Ko Afficher Télécharger
    pic02c.gif
    15 Ko Afficher Télécharger
    images (74).jpg
    10 Ko Afficher Télécharger
    28429269.gif
    111 Ko Afficher Télécharger

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 22, 2017 1:02 pm