ساحة لدعم الأعمال الموجّهة لطلاب التاريخ /جامعة منتوري/ قسنطينة

تجدون في المنتدى وثائق تاريخية مهمة للباحثين ومن كان في حاجة الى وثائق او مصادر او مراجع عليه ان يشعرنا بذلك وان يسجل طلبه هنا في المنتدى
هامّ : لقد قمنا بإصلاح الخلل وأزلنا الحجب، تستطيعون الدخول بأمان، مرحبا بالجميع
أعزائي الطلبة/ يمكنكم الاطلاع على نتائجكم النهائية + بطاقة التقييم وتحميلها .... ماعليكم إلا الذهاب إلى صفحة النتائج أدناه
بحلول السنة الجديدة 2016 نتمنى لطلبتنا عاما سعيدا مليئا بالجدّ والنشاط ... تتحقق فيه طموحاتهم وتكلّل بالنجاح أعمالهم

    مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 397
    تاريخ التسجيل : 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الإثنين أغسطس 29, 2011 10:16 am

    حسين1492 كتب:شكرا جزيلا أستاذي الكريم ، أنا دوما في انتظار جديدك ، وخاصة باللغة الفرنسية ،أتمنهى أن تعينني بمقالات عن دور الطريق الغربي حيث مضارب صنهاجة في التجارة العابرة للصحراء في التاريخ القديم من أجل الانطلاق منها في تتبع التحولات الطارئة على أهمية الطريق الغربي و المؤثرات التي تتداخل لترجيحه على الطريقين الأوسط و الشرقي أو تراجعه ، شكرا مرة أخرى ، رمضان كريم،

    يمكنك الاستفادة من هذا المقال الهامّ ، اقرأه جيّدا ......

    http://www.4shared.com/document/BwPal1Sh/Ethnique_Maure.html

    بالتوفيق

    حسين1492

    المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 20/11/2010

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف حسين1492 في الإثنين نوفمبر 07, 2011 2:17 pm

    الأستاذ الكريم الدكتور محمد العربي عقون بداية عيد سعيد و كل عام و أنت بخير ، أود هنا أن أشكرك جزيل الشكر على تنبيهي الى دراسات الدكتور حماه الله ولد السالم لقد استفذت منه كثيرا خاصة و أنه يعتمد على مخطوطات موريطانية نادرة و يقدم تحليلا تاريخيا قيما ، و أتمنى أن تضع هذا الموضوع دائما في دائرة اهتمامانك،و دمت لنا مرشدا و موجها و ناصحا كما كنت لناأستاذاو مربيا

    Admin
    Admin

    المساهمات : 397
    تاريخ التسجيل : 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد ديسمبر 25, 2011 5:26 pm

    نماذج من التواصل الحضاري بين شمال أفريقيا والصحراء الكبرى

    يحاول هذا الموضوع التطرق لنماذج من التواصل الحضاري الذي كان موجوداً بين شمال أفريقيا والصحراء الكبرى خلال عصور ما قبل التاريخ ، باعتبارهما منطقتين جغرافيتين تكملان بعضهما ، انطلاقاً من متابعة التغيرات المناخية التي عرفتها المنطقتان ، والتحركات البشرية التي صاحبتها ، ثم التعرض للمخلفات الأثرية التي تبرز التواصل والتأثير المتبادل المنطقتين . ولإبراز هذه العلاقات وهذا التواصل نقترح التعرض من خلال هذا العرض مناقشة ثلاث نقط محورية :ـ
    1 ـ الصحراء الكبرى وتطورها المناخي وخاصة خلال الأدوار الجليدية. 2 ـ شمال أفريقيا وسماتها الجغرافية الأساسية.
    1 ـ بعض نماذج ومظاهر العلاقات بين المنطقتين وتطورها خلال عصور ما قبل التاريخ انطلاقاً من البدايات الأولى وإلى غاية توصل الإنسان إلى الزراعة وتربية الماشية.
    1 ـ الصحراء الكبرى وتطورها المناخي
    تعتبر الصحراء الكبرى في أفريقيا حالياً منطقة قاحلة مقفرة تغطي جزءاً كبيراً من وسط أفريقيا وشمالها وتكاد تمثل حاجزاً طبيعياً بين شمال أفريقيا ووسطها . وتمتد الصحراء الكبرى من الغرب إلى الشرق أي من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر ، على طول 3000 كلم . ومن الشمال إلى الجنوب أي من البحر الأبيض المتوسط إلى بداية المناطق الاستوائية ، على طول 1500 كلم . ويحدد الباحث ميلبورن (M.MILBURN ) مساحتها في حوالي تسعة ملايين كلم2 1 .بينما يحددها العالم هوكو (HUGOT ) في أربعة ملايين ونصف مليون كلم2 2 . والصحراء تعبير نباتي ، تعني افتقار الإقليم للحياة النباتية والحيوانية ولكن هذا لا يعني الفقر التام ، إذ مما لا شك فيه أن هناك حياة نباتية وحيوانية في الصحراء.
    على الرغم من أن الصحراء الكبرى تعد من أكبر الصحاري في العالم ، إلا أنها لم تكن على ما هي عليه الآن ، إذ كانت إلى غاية حوالي 6000 ق . م وربما إلى بعد ذلك ، عبارة عن أرض رطبة تعرف الأمطار الكافية وتعج بالحياة النباتية والحيوانية والبشرية.
    ولهذا فقد أنكب العديد من الباحثين على دراسة هذا التحول المناخي الذي عرفه العالم بما فيه الصحراء وشمال أفريقيا ، منهم : كاطون ، طومسيون ، وكوتيي ، وهوكو ، وقوفري وغيرهم ، لرصد مراحل هذا التطور المناخي والحقائق المرتبطة به . كما أن أبحاثهم ودراساتهم وتساؤلاتهم ، فتحت آفاقاً جديدة لمتابعة التأثيرات المتبادلة بين الصحراء وشمال أفريقيا وتحديد نوعية العلاقات التي كانت قائمة بين المنطقتين. ومن المسلم به أن قضية العلاقات والتأثيرات المتبادلة بين الصحراء وشمال أفريقيا وتحديد نوعية العلاقات التي كانت قائمة بين المنطقتين. ومن المسلم به أن قضية العلاقات والتأثيرات المتبادلة بين شمال أفريقيا والصحراء ، كانت ترتبط ارتباطاً كبيراً بالتغييرات المناخية التي كانت تعتبر العامل المتحكم في الاستقرارات من ناحية ، وفي التحركات البشرية أخرى ، منذ بداية ظهور الإنسان في أواخر حقبة البليوسين وبداية حقبة البلايستوسين.
    كما أنه مما لا شك فيه أن أقل زيادة في الجفاف في مساحات الصحراء الكبرى ، كانت تتسبب في القيام بتحركات ونزوحات بشرية نحو المناطق التي تتوفر فيها سبل الحياة ، وخاصة الماء والأشجار المثمرة والحيوانات ، مما يتسبب في إحداث تغييرات اجتماعية وسياسية بعيدة المدى في الجهات التي يتم الانتقال إليها . ونزوح الناس وهجرتهم من الصحراء ، تتسبب في زيادة قحولتها وتمدد في إطالة عمر المراحل الجافة ، إلى حد أن تصبح طرق القوافل والمسالك القديمة غير مجدية ، بينما في المقابل يساهمون في كتابة فصول جديدة يضيفونها إلى المناطق التي استقروا بها حديثاً.
    1 ـ 1 التغييرات المناخية والأدوار الجليدية
    تثبت الأبحاث العلمية أن الكتل الجليدية القارية الموجودة في القطبين الشمالي والجنوبي والتي تبلغ مساحتها حالياً حوالي خمسة عشرة مليون كلم2 ،تضخم حجمها بدرجة كبيرة ، في عصور ما قبل التاريخ، ولاسيما خلال الأدوار الجليدية ، فزحفت على مساحات شاسعة من الأراضي وغطت أجزاء هامة من تجارتي أوروبا وأمريكا .
    وقد تكررت هذه الظاهرة ، على الأقل ، أربع مرات خلال المليون سنة الأخيرة من عصور ما قبل التاريخ وهي المعروفة بالأدوار الجليدية :ـ
    دور جليد كونز (Gunz ) ما بين 600000 و 540000 سنة ق .م
    دور جليد مندل (Mindel ) ما بين 480000 و 430000 سنة ق .م
    دور جليد ريس (Riss ) ما بين 240000 و 180000 سنة ق .م
    دور جليد قورم (Wurm ) ما بين 120000 و 10000 سنة ق .م[1]
    وقد كان يفصل بين كل دور جليدي وآخر فترات بين جليدية دفيئة هي التي تعود فيها الصحراء إلى حالة الجفاف. ونذكر على سبيل المثال أنه في حدود 20000 سنة ق.م بلغت كتل الجليد أقصى زحفها إذ بلغت المساحة المغطاة حوالي أثنين وأربعين مليون كلم2 ، أي ما يقارب ثلاث مرات المساحة التي يغطيها الجليد الآن. وفي الفترات التي ترتفع فيها درجة الحرارة تتقلص كتل الجليد بشكل كبير نتيجة لذوبان أجزاء منها . وقد كان لزحف الجليد وتراجعه تأثيرات هامة على الوسط الطبيعي منها :ـ
    1ـ1 ـ1 انخفاض درجات الحرارة : عم البرد القارص والرياح الثلجية شمال أوروبا وشمال أمريكا وتواجدت فيها الأصناف الحيوانية المعروفة بتأقلمها مع المناخ الجليدي كالماموث والكركدن ذي الغطاء الصوفي والرنة والدب . كما عاشت في المناطق المتاخمة للبحر الأبيض المتوسط أصناف من الطيور القطبية كالبطريق.
    1ـ 1 ـ 2 انخفاض مستوى البحار : لم تعد الدورة المائية تستكمل دورتها بسبب البرد القارس المصاحب لانخفاض درجة الحرارة . مما تسبب في عدم ذوبان الجليد . وقد حدثت هذه العملية عدة مرات تبعاً للدورات الجليدية ، واستمرت آلاف السنين ، مما أدى إلى تراجع كبير في مستوى البحار والمحيطات . تجاوز أحياناً أكثر من مائة كلم . وعلى سبيل المثال فقط فإن مدينتي قابس وصفاقس التونسيتين الواقعتين الآن على الشاطئ مباشرة ، كانتا تبعدان عنه بحوالي 100 كلم ما بين 13000 و 15000 سنة ق.م . كما يعتقد أنه كان هناك برزخ يربط بين أوروبا وأفريقيا عن طريق صقلية عبر الوطن القبلي في تونس ، وعن طريق مضيق جبل طارق في المغرب.
    1 ـ 1 ـ 3 غمر البحار لليابسة : عند ذوبان الجليد وتراجع جزء منه يرتفع منسوب الماء في البحار والمحيطات فتغمر أجزاء شاسعة من اليابسة وقد حدثت هذه العملية أربع مرات على الأقل ودامت آلاف السنين ، وتركت شواهد مادية دالة على ذلك. وتفيد الأبحاث المناخية أن هناك علاقة وطيدة بين زحف الجليد في أوروبا وأمريكيا وتنقل المرتفعات الجوية التي تتحكم في مناخ المناطق المدارية وشبه المدارية ، مما يؤكد أن مناخ الصحراء خلال عصور ما قبل التاريخ مر بفترات رطبة ممطرة تتخللها فترات من الجفاف والجدب.
    1 ـ 1 ـ 4 شواهد التغيرات : ومن الشواهد التي تؤكد هذه التغيرات التي عرفتها الصحراء ، الفرشات والمسطحات المائية كالبحيرات ومجاري الأنهار والآثار الحضارية للإنسان في الصحراء.
    1 ـ 1 ـ 4 ـ1 ففيما يتعلق بالفرشات والمسطحات الضخمة بالصحراء ، فمن المعروف أنه يتواجد في شمال الصحراء فرشات مائية ضخمة تغذي العيون العديدة التي تسقي واحات تونس والجزائر وليبيا ، وهي عبارة عن خزانات طبيعية تجمعت فيها كميات هائلة من المياه في الفترات الرطبة والممطرة والتي عرفتها الصحراء خلال عصور ما قبل التاريخ ، والموازنة للأدوار الجليدية الأوروبية.
    وتدل الدراسات الحديثة على أن ماء هذه الموائد المائية تضخم نتيجة ارتفاع مستوى الأمطار الساقطة على الصحراء ، فارتفع مستواها وأصبح قريباً من سطح الأرض . ويؤكد تحول شط الجريد في جنوب تونس ، مثلا ، إلى بحيرة شاسعة كانت تعيش على ضفافها مجموعات بشرية عديدة تتغذى على صيد الحيوانات . وتفيد التحاليل المعملية أن شط الجريد الواقع جنوب تونس كان قد تحول إلى بحيرة في مناسبتين : الأولى حوالي 140000 سنة ق.م ، أي بعد نهاية دور جليد ريس وبداية الفترة الفاصلة بين دور جليد ريس ودور قورم . والثانية حوالي 90000 سنة ق.م ، أي خلال الربع الأول من دور جليد قورم.
    1 ـ 1 ـ 4 ـ 2 وبالنسبة للبحيرات واتساع مجالها وتقلصه حسب التغيرات المناخية ، فتعتبر بحيرة التشاد من أضخم المسطحات المائية في أفريقيا . إذ يمكن اعتبارها بحراً داخلياً ضخماً ، يتراوح عمقها بين 3 و 7 أمتار حسب الفصول وحسب مستوى التساقطات . بينما خلال عصور ما قبل التاريخ ، عرفت هذه البحيرة تضخماً في حجمها ، وذلك فيما بين 40000 و 20000 سنة ق.م ، أي خلال المرحلة الأخيرة من دور جليد قورم ؛ بلغ ست عشرة مرة المساحة الحالية ، صاحبة تجاوز العمق إلى خمسين متراً . إلا أنه خلال الفترة المتراوحة ما بين 20000 و 10000 سنة ق.م ، بدأت مساحتها تتقلص بشكل ملحوظ نتيجة حلول فترة من الجفاف ، فكادت تضمحل وأصبح سطحها ميدانياً شاسعاً تنتقل فوقه كثبان الرمال . ولا تزال مساحتها تتراجع إلى يومنا هذا.
    1 ـ1 ـ4 ـ3 وإذا عدنا إلى تأثير تغير المناخ على مجاري الأنهار ، فنلاحظ أنه خلال توفر المناخ المطير في الصحراء ، تتسع مجاري الأنهار نتيجة لارتفاع منسوب المياه فتعم الخصوبة وتنتشر الخضرة ؛ ولكن إذا حل الجفاف يتقلص منسوب الماء في المجاري وتقل قوة سيرة فيتحول إلى عدة مجاري ، وإلى مستنقعات لا تقوى على التحرك . وتستقر الكثبان الرملية بالتدريج في مجراه إلى أن توقف مسيرته كما حدث لعدد من الأنهار في الصحراء التي نلاحظ أوديتها الواسعة ومجاريها الجافة.
    1 ـ 1 ـ 4 ـ 4 أما الآثار الحضارية الشاهدة على رطوبة مناخ الصحراء خلال الأدوار الجليدية والتي استوطنها الإنسان خلال عصور ما قبل التاريخ ، وترك فيها عدداً هاماً من الآثار المتمثلة على الخصوص ، في الأدوات الحجرية ومواطن إقامته وبقايا حيوانية وبشرية التي توجد الآن في مناطق جافة وقاحلة . فقد عثر في هذه المواطن على مجموعات من عظام الحيوانات كالفهد ، والفيل ، والكركدن ، والتمساح وأسماك البحيرات والأنهار ، وأفراس النهر ، والزرافات ؛ هذا علاوة على الحلزون المائي الذي كان يعيش في المسطحات المائية التي كانت تتواجد في الصحراء . وفي موقع تيهوذين بجنوب الصحراء الجزائرية التي زارها كوتيي (E.F Gautier ) وريكاس (Reygasse ) سنة 1932 تم العثور على صناعة حجرية مختلطة بحيوانات الكركدن ، والفيل ، وفرس البحر ، والبقريات والجاموس ، والخنزير ذي القرنين وحمار الوحش والتمساح ، والغزال الخ… . وبجانب هذه البقايا الحيوانية عثر في مناطق متعددة من الصحراء على مجموعات هامة من الرسوم والنقوش الصخرية التي تمثل مشاهد من الحياة اليومية لإنسان تلك المرحلة بجانب قطعان من الحيوانات المتنوعة ، بعضها انقرض ، وبعضها انتقل إلى مكان آخر والبعض الآخر لا يزال موجوداً.
    كل هذه المعطيات والشواهد تعبر بصفة واضحة وجلية عن وضع مناخي ممطر ورطب مناسب لحياة الإنسان والحيوان والنبات ، يختلف تماماً عن المناخ الحالي ، مما دفع ببعض الباحثين إلى الاعتقاد في أن الجذور الأولى لحضارة الإنسان خلال عصور ما قبل التاريخ في شمال أفريقيا بوجه عام ، ترجع في الحقيقة إلى جهود الإنسان الصحراوي في ذلك الوقت.
    كيف ذلك ؟
    إن التغيرات المناخية التي عرفتها الصحراء الكبرى يبلغ عددها لحد الآن أربعة ، تفصل بينها دورات جافة وحارة ، وإنه خلال هذه التغيرات التي عرفتها المليون سنة الأخيرة من حياة الإنسان ، الذي عاش في الصحراء ، كان مضطراً لمغادرتها والنزوح إلى المناطق المجاورة ، تبعاً للظروف المناخية ، بحثاً عن الكلا والمرعى والماء .
    وانتقاله إلى المناطق الجديدة وخاصة شمال أفريقيا كان يتم بالطبع بالجسد والفكر والحضارة .إذ أنه ينتقل بكل تراثه وتراكماته الحضارية التي يستعين بها للتأقلم مع الظروف الطبيعية الجديدة ، وهذا ما ساعده على الإسهام في التطور الحضاري للمنطقة الجديدة التي نزح إليها .وبهذه الطريقة فإن النازح الجديد من الصحراء يكون قد ساهم في تطور المنطقة الجديدة التي استقر بها.
    وعملية النزوح هذه ، تكون قد تمت على الأقل أربع مرات ، واتجهت إلى المناطق التي تتوفر على الماء والقوت والكلإ وهذا ما جعل بعض الباحثين ، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً ، يميلون إلى القول ، بأن الصحراء كان لها دور كبير في تعمير شمال أفريقيا بالإنسان أولاً ، وبالتطورات الحضارية التي تلت هذا التعمير والتي عرفتها المنطقة ثانياً ، والمتمثلة خاصة في الصناعات الحجرية التي صنعها واستعملها ، وفي الفنون الصخرية التي أبدعها ، وفي تربية الماشية والزراعة التي توصل إليها .
    2. شمال أفريقيا وسماتها الجغرافية الأساسية
    ونعني بها المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي غرباً إلى البحر الأحمر شرقاً ومن البحر الأبيض المتوسط شمالاً إلى الصحراء الكبرى جنوباً .وهي تبدو على شكل جزيرة أو شبه جزيرة إذا استثنينا ممر شبه جزيرة سيناء في أقصى الشمال الشرقي .
    وهي السمة التي جعلت إنسان هذه المنطقة الواسعة يعيش ، على ما يبدو ، في مجال معين شبه معزول ، تفاعل مع بيئة هذا المجال دون ضغوط خارجية كبيرة مما أدى إلى تكوين عقلية متميزة خاصة بهذه المنطقة .
    وتتميز هذه المنطقة بثلاثة عناصر أساسية ساهمت في تكوين خلفية ذهنية متشابها بين أبناء هذه المنطقة منها :ـ
    2 ـ 1 وجود سلسلة جبال الأطلس التي تمتد على طول شمال أفريقيا بمثابة الهيكل العظمي لها . وعلى الرغم من أن هذه الجبال ، قد تبدو ، في بعض الأحيان ، كحواجز ، إلا أنها تمثل أحد العناصر الأساسية لشخصية هذه المنطقة ، والمؤثرة فيها باعتبارها المصدر الأساسي للمياه.
    2ـ 2 الصحراء الكبرى التي تمتد جنوباً تعتبر استمراراً لشمال أفريقيا وجزءاً منها ، بل وعمقها الاستراتيجي . لعبت ، عبر مختلف مراحل التاريخ ، دوراً كبيراً في تهيئ بعض الظروف الملائمة لتطور شمال أفريقيا وتوحيدها . وكان للتغيرات المناخية التي عرفتها الصحراء أثر كبير في تكوين العنصر البشري لشمال أفريقيا . إذ كانت المناطق الصحراوية عبارة عن خزان للإنسان الذي كانت تقذفه خلال فترات الجفاف ، بعد تراجع الأدوار الجليدية ، وتدفعه إلى الشمال بالدرجة الأولى . وبذلك لعبت الصحراء دوراً كبيراً في تعمير شمال أفريقيا[2] .
    2 ـ 3 شواطئ شمال أفريقيا الممتدة على طول آلاف الكيلومترات من نهر السنغال على المحيط الأطلسي غرباً إلى قناة السويس وسواحل البحر الأحمر شرقاً مروراً بالبحر الأبيض المتوسط . ولم تستعمل هذه الشواطئ فقط لصيد الأسماك ولكن استعملت كثغور وبوابات تواصل بين شمال أفريقيا وعالم البحر الأبيض المتوسط ، وما صاحب هذا التواصل من تأثير متبادل ساهم في تكوين إرهاصات الخلفية الثقافية المشتركة لإنسان هذه المنطقة.
    3. نماذج من العلاقات بين الصحراء وشمال أفريقيا
    تتمثل هذه العلاقات ، على الخصوص ، في التشابه الموجود ، بل وأحياناً التطابق التام بين الأدوات الحجرية التي تم استخراجها في عدد من المواقع الما قبل التاريخية بالصحراء وشمال أفريقيا ، انطلاقاً من أقدم الأدوات إلى أحدثها ، مما يوحي بأن البشر صانعو هذه الأدوات في هذه المناطق ينتمون إلى جذور مشتركة أو على الأقل إلى منابع ثقافية واحدة أو متشابهة .
    وهذا يعني أن هناك اتجاه إلى الاعتقاد في أن الجذور الأولى للإنسان وحضاراته المختلفة في شمال أفريقيا بوجه عام ، ترجع في جزء كبير منها إلى الإنسان في الصحراء وجهوده.
    فما هي المراحل التطورية التي عرفها العنصر البشري في هاتين المنطقتين ؟3 ـ 1 العنصر البشري : لقد كشفت الأبحاث الأثرية والتنقيبات العلمية أن الصحراء وشمال أفريقيا عرفت استقرار الإنسان بها منذ البدايات الأولى لظهور الإنسان ـ مما يؤكد عراقة هاتين المنطقتين في قدم استقرار الإنسان بهما . لكن قبل التعرض النماذج البشرية ومكانتها في سلم التطور البشري يبدو أنه من الأفضل التعرض ولو بإيجاز للمراحل التطورية الكبرى للإنسان بصورة عامة ، والتي على أساسها يمكن وضع إنسان الصحراء وشمال أفريقيا في المكان الملائم من سلم التطور البشري.
    وتنقسم ، عادة ، مراحل التطور البشري إلى أربع مراحل:
    3 ـ 1 ـ 1 مرحلة الأوسترالوبيتيك (Australopithecus ) أو الإنسان القردي الجنوبي ، موطنه الرئيسي لحد الآن شرق وجنوب أفريقيا . وتعود أقدم بقاياه إلى أكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون سنة . ومن أشهر نماذجه الهيكل البشري لوسي (Lucy )[3] .
    3 ـ 1 ـ 2 مرحلة الإنسان المنتصب القامة (Homo Erectus ) الذي عاش على الأرض ما بين مليون ونصف مليون ومائتي ألف سنة ق.م .وقد تم العثور عليه في شرق أفريقيا وشمال أفريقيا والصحراء والصين وأندونيسيا (خريطة رقم 1 )[4] .
    3 ـ 1 ـ 3 مرحلة إنسان النياندرطال ( Neandertal ) ، عثر عليه لأول مرة في ألمانيا ثم في كل البلدان الأوروبية . ولذلك فيبدو أنه عمر أوروبا بالدرجة الأولى ما بين 20000 و 35000 سنة ق.م. ولا يوجد له أي أثر في شمال أفريقيا والصحراء[5].
    3 ـ 1 ـ 4 الإنسان العاقل العاقل (Homo Sapiens Sapiens ): ظهر منذ حوالي 100000 سنة ق.م. وهو الذي يعمر العالم اليوم ، وإليه تنتمي كل شعوب الأرض [6]. وإذا حاولنا تتبع هذه المراحل التطورية في الصحراء وشمال أفريقيا فماذا سنلاحظ؟
    3 ـ 1 ـ 5 إن المرحلة الأولى المتمثلة في الأوسترالوبيتيك لم يعثر على أي بقايا لها في الصحراء وشمال أفريقيا تبعاً للأبحاث والتنقيبات الأثرية التي أجريت لحد الآن . ولكن في المقابل ، تم العثور على الأدوات الحجرية التي استعملها الأسترالوبيتيك والتي وجدت بجانبه في شرق أفريقيا ، وجدت في شمال أفريقيا والصحراء مما يوحي بوجوده في المنطقتين الأخيرتين إلا أن التحريات والأبحاث الأثرية لم تصل إليه بعد.
    3 ـ 1 ـ 6 أما فيما يتعلق بالمرحلة التطورية الثانية والمتمثلة في الإنسان المنتصب القامة فقد عثر في شمال أفريقيا والصحراء على العديد من نماذجه ، مما يؤكد عراقة هذا الإنسان في المنطقتين وقدم تعميره لهما . وتعود أقدم هذه البقايا إلى حوالي مليون سنة وهو إنسان سيدي عبد الرحمن الثاني الذي استخرج سنة 1996 . ويليه في القدم إنسان التشاد (Tchadanthrope ) وهو إنسان عتيق كذلك اكتشفه الباحث الفرنسي إيف كوبنس (Y. Coppens) سنة 1961 في التكوينات الرسوبية لصحراء جوارب . كما عثر على نماذج أخرى من هذا الإنسان في الدار البيضاء والرباط وسلا بالمغرب وباليكاو بالجزائر ، وقد أطلق عليه اسم محلي هو الأطلانثروب (Atlanthrope ) . والملاحظ في العصر الحجري القديم الأسفل أن البقايا البشرية للأطلانثروب نادرة في تونس وليبيا والصحراء وموريتانيا ومنعدمة في مصر ، ويفسر هذا على أنه راجع على ما يبدو ، إلى قلة التنقيبات والأبحاث الأثرية المرتبطة بإنسان هذه الفترة . إلا أنه في المقابل يلاحظ توفر الأدوات الحجرية التي استعملها هذا الإنسان والتي تغطي كل أفريقيا والصحراء ، مما دفع الباحثين إلى القول أن إنسان الأطلانثروب عاش في كل شمال أفريقيا والصحراء وليس فقط في المغرب والجزائر.
    3 ـ 1 ـ 7 وإذا انتقلنا إلى المرحلة التطورية الثالثة والمتمثلة في أوروبا بإنسان النياندرطال ، فإن الصحراء وشمال أفريقيا لا يتضمنان أي أثر لهذا النموذج البشري . إلا أنه في المقابل يلاحظ استمرارية وجود الإنسان في ليبيا شرقاً إلى المغرب غرباً والصحراء جنوباً . وهذا النموذج البشري الشمال الأفريقي الصحراوي يعتبره الباحثون تطوراً محلياً للإنسان المنتصب القامة وصلة وصل بينه وبين الإنسان العاقل . وهذا يعني أنه لا وجود للنياندرطال الأوروبي في الصحراء وشمال أفريقيا . وخير مثال لهذا النموذج المحلي إنسان جبل أيغود في المغرب وإنسان هوافطيح في ليبيا . ففيما يتعلق بالبقايا البشرية العائدة لجبل أيغود والذي سبق للباحث الفرنسي كوبنس أن أجرى دراسات على بقاياه وحدد زمنه بحوالي سبعين ألف سنة قبل الميلاد ، وأكد عدم انتمائه إلى فصيلة النياندرطال كما سبق للأستاذ أينوشي أن أعلنه عند اكتشافه لهذه البقايا سنة 1962 [7]. إلا أن الباحث المغربي الشاب بن نصر أكد بعد إعادته لدراسة هذه البقايا أنها تعود إلى أكثر من 130000 سنة ق.م بل وربما أقدم بذلك بكثير.
    ومن خصائص إنسان جبل أيغود أنه يجمع بين بعض سمات الإنسان المنتصب القامة وسمات الإنسان العاقل العاقل مما يؤكد أنه يمثل مرحلة تطورية انتقالية نحو الإنسان الحالي أي أنه عبارة عن صلة وصل أو الحلقة الفاصلة بين الإنسان المنتصب القامة والإنسان العاقل العاقل . وهذه الميزة التطورية لا نجدها إلا في المغرب فقط مما جعل منه أحد مراكز الاهتمام الأساسية لدراسة تطور النوع البشري . والغريب أن كل بقايا هذا الإنسان عثر عليها في داخل الكهوف مما يعني أنه كان يعيش زمن الدور الجليدي الأخير ” قورم ” .
    3 ـ 1 ـ 8 وآخر مرحلة في التطور يتعلق بالإنسان العاقل العاقل الذي عثر على بقاياه في كل من شمال أفريقيا والصحراء . وهو الإنسان صانع الحضارة العاطرية والحضارة الوهرانية والحضارة القفصية.
    ويبدو أنه مع نهاية المرحلة الطويلة للعصر الحجري القديم بأقسامه الثلاثة ، ونهاية الأدوار الجليدية ، وبداية الجفاف في الصحراء الكبرى ، بدأت تفد على أرض شمال أفريقيا موجات بشرية جديدة ، قدم أغلبها من الصحراء ، اختلطت بالسكان الأصليين وامتزجت فيهم وساهمت معهم في تكوين الفرشة السكانية للمنطقة . وعليه فالعنصر البشري في شمال أفريقيا يكون قد التأم انطلاقاً من العناصر البشرية الأصلية التي عثر على بعض نماذج بقاياها في العديد من المواقع الأثرية ، إضافة إلى العناصر البشرية القادمة من الصحراء الكبرى بالدرجة الأولى ومن الشرق أحيانا.
    3 ـ 2 العلاقات البشرية بين شمال أفريقيا والصحراء : من خلال مراجعة أولية لما خلفه إنسان العصور ألما قبل التاريخية في الصحراء وشمال أفريقيا ،اتضح أن أغلب هذه المخلفات تتشابه على طول وعرض المنطقتين ، بل وأحياناً تتطابق ، مما يوحي ببروز البدايات والإرهاصات الأولى لوحدة ذهنية وحضارية في المنطقتين وتتمثل بعض مظاهر العلاقات في العناصر التالية :
    3 ـ 2 ـ 1 الصناعات الحجرية : لقد عاش إنسان المنطقتين خلال عصور ما قبل التاريخ عيشة تتلاءم والظروف البيئية المحيطة به ، واضطر للتأقلم معها ، وصنع منها أدواته الحجرية والعضمية والخشبية التي يحتاجها . وقد عرفت هذه الأدوات تطوراً في تقنيات صنعها تبعاً لتطور الإنسان الذهني وتفاعله معتغيراه . ومن أقدم هذه الأدوات الحجرية التي استعملها الإنسان بصورة عامة وإنسان الصحراء وشمال أفريقيا بصورة عامة وإنسان الصحراء وشمال أفريقيا بصورة خاصة هي المعروفة لدى الباحثين باسم حضارة الحصاة أو الحصى المشذب أو المعدل.
    3ـ 2 ـ 1 ـ 1 حضارة الحصاة أو الحصاة المشذبة ( pebble – culture, le galet amenage ) : وهي أدوات حجرية بدائية مصنوعة من الحصاة يرجع تاريخها إلى ما يزيد على مليونين ونصف مليون سنة [8] وذلك باستعماله طريقة البوثاسيوم اركون (KA ) على بعض الأدوات المحتوية على مواد بركانية . أقدم هذه الأدوات الحصوية استخرج من منطقة حوض نهر الأومو باثيوبيا . وتتمثل في حصاة دائرية الشكل تنزع منها شظية واحدة أو عدة شظايا ، مما يجعل جزءاً من الحصاة حداً قاطعاً . وقد استعمل الإنسان هذه الأداة الحجرية مدة طويلة من الزمن تجاوزت المليون ونصف سنة . وعلى الرغم من أنه لم يعثر لحد الآن على بقايا الإنسان صانع هذه الأداة في شمال أفريقيا والصحراء والذي يعتبر أقدم الأنواع البشرية البائدة والذي اكتشف آخر نموذج له سنة 1972 في أولدوقاي ، فإنه يجوز لنا ، انطلاقاً من العثور على هذه الأدوات الحصوية في العديد من مواقع الصحراء وشمال أفريقيا القول بأن الإنسان صانع هذه الأدوات كان موجوداً في هاتين المنطقتين . فقد تم العثور على الحصاة المشذبة في المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر والصحراء مما يدفعنا إلى القول بوجود علاقات حضارية وبشرية منذ البدايات الأولى للإنسان بين هاتين المنطقتين . ويمكن أن نعتبر هذا مؤشراً إلى إمكانية وجود خلفية ذهنية مشتركة أو متقاربة ومتشابهة بين سكان المنطقتين ، حدثت على ما يبدو نتيجة تفاعل الإنسان مع بيئة متشابهة مما جعل نتيجة التفاعل بين البيئة والإنسان عبارة عن منتوج حضاري متقارب أو متشابه. وقد عرفت حضارة الحصاة تطوراً تدريجياً في شكلها وفي طريقة صناعتها إلى أن أصبحت منذ مليون سنة تقريباً على شكل فاس يدوية سميت بذات الوجهين أو الحضارة الأشولية.
    3 ـ 2 ـ 2 ذات الوجهين (Bifaces ) : وهي أدوات حجرية تعتبر أكثر تطوراً من الحصاة المشذبة ، كما أنها كانت في الأصل حصاة نزعت منها شطايا عديدة بطريقة أكسبتها وجهين متشابهين إلى أن أصبح لها شكل كمثري . وقد تم العثور على هذه الأدوات في كثير من المواقع بشمال أفريقيا والصحراء . وتمتد الفترة التي غطتها هذه الصناعة من مليون سنة إلى حوالي مائة ألف سنة قبل الميلاد مع نهاية العصر الحجري القديم الأدنى[9] .
    وإن وجود هذه الأدوات الحجرية بوفرة في المنطقتين دليل آخر على وجود تبادل للتأثيرات الحضارية واستمرار للعلاقات الحضارية والبشرية بين الصحراء وشمال أفريقيا في هذه المراحل العتيقة من ما قبل التاريخ.
    ومع انتهاء العصر الحجري القديم الأدنى ، وبداية بزوغ الإنسان العاقل العاقل ، عرفت تقنيات صناعة الحجر تطوراً كبيراً تميز بتنوع وتعدد الأدوات الحجرية ، وبكونها أصبحت أكثر دقة نظراً لسيطرة الإنسان على تقنيات وأساليب صنع أدواته الحجرية . ومن أهم هذه التقنيات.
    3 ـ 2 ـ 3 القالوازية الموسترية : التي تتميز فؤوسها اليدوية ذات الوجهين بتقلص حجمها إذ أخذت الأدوات الكبيرة تتلاشى ، تاركة مكانها لأدوات أصغر حجماً ، وأكثر تنوعاً مثل المكاشط(Racloirs ) والمثاقب (pointes ) والشفرات والسكاكين(les lames)[10] وقد عرفت شمال أفريقيا هذه الصناعة في العصر الحجري القديم الأوسط إلا أن مواقعها قليلة إذا ما قورنت بمواقع الفترات الأخرى . وتعود قلة وجود هذه التقنية إلى بروز تقنية صناعية جديدة ابتكرها إنسان الشمال الأفريقي ،وغطت كل شمال أفريقيا والصحراء من المحيط الأطلسي غرباً إلى البحر الأحمر شرقاً ، ومن البحر الأبيض المتوسط شمالاً إلى التخوم الجنوبية للصحراء الكبرى جنوباً . تسمى هذه التقنية الصناعية بالحضارة العاطرية .
    3 ـ 2 ـ 4 الحضارة العاطرية : سميت بهذا الاسم نسبة إلى بئر العاطر (Bir Alater ) الواقع شرق الجزائر والذي وجدت به ودرست فيه أدوات هذه الصناعة لأول مرة . وأول من تأكد أنها تقنية حضارية محلية هو الباحث الفرنسي ريكاس (Reygasse ) الذي وصفها سنة 1922 في دراسته التي نشرتها الجمعية الفرنسية لتقدم العلوم [11].
    أما قبل هذا التاريخ ، فإنه رغم العثور على نماذج من هذه الأدوات في مواقع متعددة بشمال أفريقيا والصحراء ، إلا أن الباحثين الفرنسيين كانوا يطلقون عليها تسميات غامضة ، كما يحصل مع كل اكتشاف أثري يبرز شخصية المنطقة وإسهامها في الحضارة الإنسانية ؛ من هذه التسميات نيوليتي بربري (Neolithique berbere ) الذي أطلقه عليها الفرنسي بالاري (pallary ) سنة 1909 [12]. ويحتل العاطري ، في الوقت الراهن من البحث الأثري في شمال أفريقيا والصحراء ، المكانة التي يحتلها الموستيري خارج المنطقتين . أما تسلسله الزمني ، فقد أثبتت التنقيبات الأثرية الطبقية ، أنها تأتي بعد الموستيري في الزمن ، بل وفي غالب الأحيان تحتل مكانته ، وأنها بالإضافة إلى ذلك سابقة العصر الحجري القديم الأعلى .
    ورغم الصعوبة في تحديد المركز الذي نشأت فيه هذه الحضارة لأول مرة ومنه انطلقت إلى باقي المراكز ، إلا أن المواقع وتركيزها على الساحل الغربي في المغرب ، واستمرار انتشارها في ليبيا ومصر ، وتوجهها توجها قوياً نحو الجنوب في الصحراء ، إلى أن تتوقف بصفة عامة على ضفاف ما تبقى من البحيرات في الصحراء الجنوبية كبحيرة تشاد[13]. يجعل من هذا التركيز في المغرب وتدرج قلة المراكز كلما اتجهنا إلى الشرق إلى غاية مصر تجعلنا نفترض أن مهد هذه الصناعة كانت في المغرب الحالي ، ومنه انتشر في باقي شمال أفريقيا والصحراء . وهذا يعني أن هذه الصناعة فرضت وجودها في كلا المنطقتين ؛ وأن العلاقات الحضارية هذه المرة ،كان اتجاهها غريباً ـ شرقياً وغربياً وجنوبياً وشرقياً ، أي أن الصناعة العاطرية كانت المحرك الأساسي القوي التأثير في هذه المرحلة ، مما يجعلنا نميل إلى القول بأن إرهاصات ما يمكن أن نسميه الوحدة الحضارية بين شمال أفريقيا من جهة والصحراء من جهة أخرى تعود إلى هذه المرحلة.
    وقد طرح نقاش حول طريقة وصول هذه الحضارة إلى الصحراء.ويقدم الباحث هوكو افتراضاً ينطلق من أن التعمير العاطري للصحراء بدأ منذ حوالي 30000 سنة ق.م حين اتجهت موجات الإنسان ، صاحبة الحضارة العاطرية ، من بلدان شمال أفريقيا نحو الصحراء ، وانتشرت شمال الصحراء . واستقر أخيراً العاطري في المستوى الثالث على ضفاف البحيرات الجنوبية ووصل إلى المرحلة النهائية السابقة على العصر الحجري الحديث[14].ويعتمد هوكو في هذا الافتراض على التشابه الكبير بين الأدوات النهائية في موقعي مغارة العالية بطنجة في المغرب ودار السلطان قرب الرباط فات الرسوبيةضاً ، العائدين إلى حوالي 25000 سنة ق.م من جهة وأدوات المستوى الثالث على ضفاف البحيرات الجنوبية بالصحراء وعدم وجود بها صناعة ما قبل تاريخية أخرى بين الحضارة العاطرية والعصر الحجري الحديث من جهة أخرى.
    وتتميز أدوات الصناعة العاطرية بكونها أدوات حجرية خاصة نابعة من تقنية صناعة ذات الوجهين التي استخرج منها رؤوس السهام والنصال الطويلة والمكاشط وأدوات مذنبة على شكل رأس يسهل استعمالها .
    وقد عثر على إنسان صانع هذه الحضارة في مواقع متعددة في المغرب منها كهف دار السلطان سنة 1975 وكهف تمارة في نفس السنة كذلك. ويبدو من خلال الدراسات الأثرية أن الحضارة العاطرية [15]بدأت منذ حوالي 45000 سنة ق.م . واستمر وجودها إلى حوالي 20000 سنة ق.م لتخلفها الحضارة الوهرانية.
    3 ـ 2 ـ 5 الحضارة الوهرانية أو الايبيروموروسية : إلى وقت قريب كان يعتقد أن هناك فراغ حضاري أو هوة (Hiatus ) اركيولوجية تفصل بين الحضارة العاطرية والحضارة الوهرانية . ولكن التنقيبات الأثرية التي أجراها الباحث الفرنسي القس روش (l`Abbe Roche ) في مغارة الحمام بتافوغالت بشرق المغرب ، أثبتت أن المستويين الأثريين 17 و 18 ، من مستويات المغارة والواقعين في أسفل الطبقات الأثرية يمثلان الحضارة العاطرية وبداية الحضارة الوهرانية في المستويات العليا انطلاقاً من المستوى 16 [16] (شكل رقم 3) . وهذا ما يعني عدم وجود أية هوة بين الحضارتين العاطرية والوهرانية وأن هناك استمرارية واتصال بين الحضارتين .وليس من المستبعد أن يكون للحضارة العاطرية أثر في الحضارة الوهرانية.
    تتميز الحضارة الوهرانية بأنها حضارة ساحلية تنتشر في شمال أفريقيا من المغرب غرباً إلى ليبيا شرقاً ، عكس الحضارة القفصية التي كانت حضارة داخلية أي قارية . وأول من سماها بالاري (Pallary )[17]الذي أطلق عليها اسم الحضارة الايبيروموروسية معتقداً أنها صناعة قادمة من شبه جزيرة إيبيريا . ولكن اتضح فيما بعد أن هذه الحضارة لا علاقة لها إطلاقاً بإيبيريا وأنها حضارة محلية صرفة ، وأعقب ذلك تحريات ودراسات وحفريات قام بها الباحث الفرنسي قوفري سنة 1932 في مواقع بالجزائر على الخصوص ، جعله يطلق عليها اسم الحضارة الوهرانية[18].
    وأهم سمات الحضارة الوهرانية صغر أوداتها الحجرية ، ولا سيما النصال الصغيرة ذات الشكل الهلالي والمكاشط المستديرة وبعض الأدوات المستعملة لسحق الألوان بجانب أدوات من العظام المصقولة المهندمة.
    يحدد الباحث الفرنسي القس روس تاريخ هذه الحضارة باستعمال الكربون C 14 (شكل رقم 4) ، ما بين 100 21 = 400 و800 10/400 من الآن [19]. بينما يحدد تاريخها ماكبرني في ليبيا ما بين 14000 ق.م و 10000 ق.م. وهذا يعني أن الحضارة الوهرانية في غرب شمال أفريقيا أقدم منه في شرقها . فهل هذه التقديرات المقارنة تسمح لنا بافتراض الأصل في المغرب ، منها اتجهت بالتدريج إلى الشرق حتى وصلت إلى ليبيا ؟ هذا مع العلم أنه لحد الآن ، لم يعثر على أي شيء يشير إلى وجود هذه الحضارة في الصحراء . فهل هي حضارة مغربية صرفة ولا وجود لها في الصحراء أم أنها توجد بها ولكن معاول المنقبين لم تصل إليها بعد ؟ على كل ، وحسب التحريات والتنقيبات التي أجريت لحد الآن في الصحراء لا تشير إلى وجود هذه الحضارة في الصحراء عكس الحضارة السابقة العاطرية . فهل هي بداية انتقال للعلاقات بين الصحراء وشمال أفريقيا من علاقات عمومية إلى علاقات أفقية ، أي من علاقات شمال ـ جنوب وجنوب ـ شمال إلى علاقات غرب ـ شرق وغرب جنوب شرق . أي أن العلاقات التي كانت صحراوية شمال أفريقية في البداية انتقلت في عهد الحضارة العاطرية إلى علاقات شمال أفريقية صحراوية ثم أصبحت في عهد الحضارة الوهرانية علاقة بين مناطق شمال أفريقية فقط لتضيف فيما بعد ، في عهد الحضارة القفصية بحيث لن تتجاوز بعض المواقع في جنوب تونس وشرق الجزائر .
    3 ـ 2 ـ 6 الحضارة القفصية : ويلي من الناحية الكرونولوجية الحضارة الوهرانية ، الحضارة القفصية . وهذه الحضارة بدورها كان قد أطلق عليها في بداية اكتشافها سنة 1909 بالحضارة والصناعة الجيتولية (Industrie getule ) . لكن التشابه بين أدوات هذه الصناعة وأدوات الأدوار الأولى من العصر الحجري القديم الأعلى في أوروبا وخاصة الحضارة الأوريكنسية (Aurignacien ) ، دفع الباحثين إلى المزيد من التحري والتقصي وإعادة النظر في المكتشفات الأثرية ، قام بها كوبير [20] (Gobert ) وقوفري ( Vaufry )[21] .وقد ألقيا أضواء جديدة على الموضوع وخاصة بعد استخراجهم للأدوات الدقيقة باستعمال الغربال مما يوضح أن الإنسان القفصي كان يستعمل أدوات دقيقة شبيهة بالأدوات الميكروليثية التي تميز العصر الحجري الوسيط (Mesolithique ) . مما دفع بكوبير وقوفري إلى إرجاع هذه الصناعة إلى العصر الحجري الوسيط .إذا أضفنا إلى هذا أن مواقعها سطحية والكثير منها على هيئة تلال مكونة من تكديس الرماد وفضلات الطعام التي تركها الإنسان القفصي والمتكونة أساساً من الحلزون ، مما جعل الباحثين يطلقون عليها الرماديات أو الحلزونيات (Les escargotieres ).
    ومن ميزات الحضارة القفصية أنها أقل انتشاراً في المكان والزمان ،إذ لم تتجاوز المناطق الداخلية بتونس ، وخاصة جهتي قفصة وتبسة . كما تمتد إلى شرق الجزائر وخاصة جهة سطيف وقسنطينة ولا تتعدى في الغرب جهة تيارت . ولم يعثر على أي أثر لهذه الحضارة لحد الآن في المغرب والصحراء . لكن يبدو أنه عثر على ما يشبه هذه الصناعة في الواحات المصرية وجنوب مصر وشمال السودان .أما من الناحية الزمنية ، فقد أثبتت التحاليل المخبرية باستعمال الكربون C 14 أن الحضارة القفصية ظهرت بعد الحضارة الوهرانية ولم تعمر إلا مدة قصيرة نسبياً تتراوح ما بين منتصف الألف السابع والألف الرابع قبل الميلاد (6450 ق.م + 400 – 3050 ق.م + 100 )[22].
    3 ـ 3 تربية الماشية والزراعة ، كان إلى وقت قريب يربط اكتشاف الزراعة ودخول المغرب العصور التاريخية بقدوم الفينيقيين ؛ إلا أن الأبحاث الأثرية الأخيرة والدراسات المنصبة على هذين الموضوعين أكدت أن ممارسة تربية الماشية والزراعة كان معروفاً لدى سكان شمال أفريقيا ، وربما لدى أبناء الصحراء كذلك ، منذ فترات قديمة.
    فهل يمكن تحديد تاريخ ظهور الزراعة في بلدان شمال أفريقيا والصحراء وما هي الدلائل أو المؤشرات التي تدل على وجودها ؟
    إن أول صعوبة تعترضنا تتمثل في عدم توفرنا على مادة علمية كافية لمعالجة أصول الزراعة ، هذا فضلاً على أن ما هو متوفر كتبه أغلبه أجانب انطلاقاً من أفكار مسبقة ترتكز على أن كل الإبداعات الحضارية التي عرفتها شمال أفريقيا جاءتها من الخارج . بل وهناك من هؤلاء الباحثين من يرى بما أن الزراعة مرتبطة بالعصر الحجري الحديث ، وبما أننا لا نعرف جيداً متى بدأ هذه العصر ومتى انتهى [23] فإن هذا يطرح صعوبات كبيرة في التعرف على أصول الزراعة فيها [24] ويذهب كامبس (Camps ) بعيداً إلى حد أنه يذكر بما أن ممارسة الزراعة تعتبر من أهم سمات العصر الحجري الحديث التي همت الشرق الأدنى وأوروبا فإنه لا يمكن الأخذ من معرفة منطقة شمال أفريقيا [25]. هذه بعض أمثلة من مواقف الباحثين الأجانب من معرفة منطقة شمال أفريقيا بالزراعة ، فهل يمكن اعتبارها أحكاماً نهائياً ؟ وكيف يعقل أن تعرف جهة في شمال أفريقيا ، وهي مصر ، الزراعة ولا تعرفها جهات قريبة من نفس المنطقة؟
    لذلك لفتح المزيد من الآفاق حول هذا الموضوع يبدو أنه من الأفضل العودة إلى دراسة بعض المستخرجات الأثرية التي تم العثور عليها في بعض المواقع التي يبدو أن لها علاقة بالعصر الحجري الحديث وبإرهاصات الزراعة . من هذه المستخرجات مستخرجات مواقع الحضارة الوهرانية والحضارة القفصية والريف الشرقي .
    ففيما يتعلق بالحضارة الوهرانية فقد تم العثور على الكرات الحجرية المثقوبة (Les boules de pierre perforees ) الصغيرة الحجم التي تستعمل كثقالة (poids ) للعصا الحفارة (Le baton a Fouir ) في موقعين وهرانيين بالجزائر تمراحت ورأس سيكيلي [26]. ويتحدث كامبس عن هذه الأداة قائلاً :” إن هذه الأداة جد معروفة بأفريقيا وخصوصاً عند شعب البوشمن وأيضاً بإثيوبيا وأنها تستعمل لغرض تهيئة الأرض وتنعيمها لدى الذين يزاولون زراعة فقيرة [27].
    أما بالنسبة للحضارة القفصية ، فقد عثر في بعض طبقاتها الأثرية على نوع من المناجل (Les faucilles ) والكرات الحجرية المثقوبة (Les boules de pierre perfor – ees ) والمدقات (Les molettes ) وأداة الحصاد ( le lustre des moissons )[28].ومع كل هذا ، فإن كامبس يتحفظ بخصوص الأدوات القفصية التي يبدو أن لها علاقة بالزراعة ويؤكد على عدم وجود زراعة لدى القفصيين [29]، مشيراً في نفس الوقت إلى أن أول أداة يمكن ربطها بالزراعة هي الشفرة (La lame ) ، والتي عادة ما تعرف بأداة الحصاد (le lustre des moissons )، والتي استخرجت من بعض الطبقات الأثرية القفصية . ومع ذلك فإن كامبس ، ورغم تأكيده بارتباط أداة الحصاد هذه بالزراعة إلا أنه يقول بأنه لا يجب الاعتقاد بأن أداة الحصاد هذه قد استعملت في الزراعة . بل يمكن أن يكون قد استخدمت في قطع سيقان نباتات غير صالحة للأكل ، ولكن لها منافع كثيرة ، كالقصب الذي كان يستعمل كثيراً في صنع الفخاخ [30].
    وكأني بكامبس يعمل ما في وسعه من أجل نفي وجود أي إسهام حضاري لأبناء هذه المنطقة ، رغم وجود بعض المؤشرات الموحية بذلك .فوجود الأدوات الزراعية في بعض المواقع الأثرية هي ليست دليلاً كافياً ، في نظر كامبس ، بل يمكن اعتبارها محاولة التوجه نحو زراعية فعلية . وبما أن التحديد الزمني لرماديات الحضارة القفصية تتزامن والعصر الحجري الحديث في البحر الأبيض المتوسط ، فإن كامبس ، يرجح أن القفصيين يمكن أن يكونوا قد مارسوا القطف بطريقة انتقائية مكنتهم من حفظ ما جمعوه . ويمكن اعتبار هذه العملية ، حسب كامبس دائماً ، أو خطوة نحو زراعة حقيقية [31] .
    والجدير بالإشارة هنا ، أن الباحث ريكاس تحدث عن نوع من المعاول (Pics ) عثر عليها جنوب قسنطينة بالجزائر ، أطلق عليها اسم المحروكاتي [32] الذي يظهر أن له ارتباط وثيق بالزراعة ، هو نوع من المعاول الصوانية المنحوتة وغير المصقولة . ويفترض ريكاس أن هذه الصناعة ذات أصول أفريقية وأن تأثيرها وصل إلى أوربا بطرق يجهلها . وقد وجدت هذه الأداة الزراعية أيضاً في جهة الحوز مما جعل الباحث رودريك (Rodrigue ) يرجح أن هذه الأداة استعملت كأداة للحرث؛وهذا يعني قيام الزراعة بالمغرب قبل ظهور المحراث [33] .
    ومن المؤشرات الأخرى التي تميل كفة معروفة إنسان العصر الحجري الحديث في شمال أفريقيا للزراعة وممارسته لها ، هو ما استخرجته البعثة الأثرية العلمية المغربية الألمانية التي نقبت في شرق جبال الريف بالمغرب وأقامت معرضاً لمستخرجاتها الأثرية بالمتحف الأثري بالرباط من 6 يونيو 1988 أثبتت من خلاله ظهور الفلاحين الأوائل بهذه الجهة منذ حوالي 9000 سنة بجانب مربي الماشية والصناع الأوائل للفخار . وفي حوار مع الباحثين المغاربة المشاركين في هذه البعثة العلمية أشار إلى عثوره على حيوان يبدو أنه مستأنس في موقع إيفري الباورد قرب قرية صاكة بإقليم الناظور.
    وإذا أضفنا إلى هذه المؤشرات الواضحة ، النقوش والرسوم الصخرية الموجودة في جبال الأطلس وجنوب المغرب والجزائر وليبيا ، وفي الصحراء الكبرى ؛ التي تجسد مشاهد من أنشطة سكان هذه المناطق ومن ضمنها نقوش خاصة بعملية الحرث أشهرها نقش غريب ايكيس الذي درسه مالوم (Malhomme ) ونشره في مجلة ” ليبيكا ” سنة 1953[34] .
    ويبدو أن الصحراء عرفت الزراعة منذ فترات قديمة ، ومما يؤكد ذلك ، العثور على غبار الطلع في موقعي منيات وأمكني بالصحراء الجزائرية . وقد تم التحديد التاريخي لزمن بعض الأدوات الحجرية بغبار الطلع لبعض المزروعات في موقع منيات بـ 3450 ق.م . أما موقع أمكني فقد تم العثور فيه على الفخار وقطعتي رحى وعشر مدقات (Molettes ) بجانب غبار الطلع. وهذا ما جعل كامبس يغير موقفه ويؤيد إمكانية ممارسة الزراعة في أمكني بالألف الثامن ق.م[35].
    وعليه ، يبدو من خلال ما تقدم ، أن الزراعة عرفتها المناطق الصحراوية ومناطق شمال أفريقيا في وقت متقارب تقريباً نظراً لعثور الباحثين على بعض الأدوات الزراعية في هذه المناطق كلها ، مما يؤكد تشابه التطور في كل من الصحراء وشمال أفريقيا . وهذا يعني وجود عناصر ثقافية مشتركة بين الصحراء وشمال أفريقيا.
    ومع ذلك ، فإن هذه الافتراضات ليست نهائية ؛ أن تسمح الدراسات والأبحاث الأثرية الجارية حول هذا الموضوع في عدد من الجهات في شمال أفريقيا والصحراء على كشف النقاب عن حقبة مهمة من حقب تاريخ العلاقات بين شمال أفريقيا والصحراء.
    من خلال النماذج المقدمة يتضح أن الصحراء وشمال أفريقيا كانت تربطهما علاقات مسترسلة طيلة عصور ما قبل التاريخ ، تساير الظروف المناخية والتغيرات التي تعرفها ، مما جعل الإنتاج الحضاري في المنطقتين يكون متشابهاً فيغالب الأحيان سواء كان مصدره الصحراء أو شمال أفريقيا.
    د. مصطفى أعشي
    جامعة محمد الخامس / الرباط
    معهد الدراسات الأفريقية

    Admin
    Admin

    المساهمات : 397
    تاريخ التسجيل : 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء ديسمبر 27, 2011 10:53 pm

    *العلاقات الفكرية بين المغرب والسودان الغربي*

    *
    *

    *مسالك التواصل***

    *2 - 1 التجارة***

    *تشهد النقوش الصخرية المتناثرة في أجزاء مختلفة من الصحراء (منها صور عربات
    تجرها خيول) على حجم العلاقات التجارية فيما بين إفريقيا المدارية وحضارات حوض
    البحر المتوسط قبل العصر الإسلامي، كما تدلنا على آثار الطرق السّالكة فيما
    بين ضفتي الصحراء وقتئذ. وأهمها الطريق المنطلق من وادي درعة والمتجه نحو دلتا
    نهر النيجر، مرورا بمنطقة آدرار الموريتانية، ثم طريق الصحراء الوسطى، الذي
    يأخذنا من الجنوب التونسي وخليج سيرت، ويمر عبر مرتفعات الهـگـار إلى أن ينتهي
    إلى كوكو (= گـاو: **Gao** ) في الحوض الأوسط لنهر النيجر.***

    *واللافت للنظر أن المسلمين الأوائل في علاقاتهم ببلاد السودان(2) اعتمدوا نفس
    المحاور المنوه بها، مما ساهم في تطوّرها. ونتيجة لذلك، ازدادت حيوية المراكز
    الحضرية الواقعة في محطاتها النهائية، مثل غانة وگـاو، اللتين شكلتا مهاد قيام
    دولتين سودانيتين بالمنطقة، مما أمّن الوضع السياسي المحلي، وأتاح بالتالي
    إمكانيات كبرى لاستقطاب تجار بلاد المغرب.***

    *وتؤكد العديد من المؤشرات الدالة، أنه منذ وصول الإسلام إلى شمال إفريقيا،
    كانت للمغاربة مساهمة فعالة في التجارة الصحراوية. وفي هذا الإطار، ليس من
    قبيل الصدفة أن يستقر الخوارج الصفريون منذ منتصف القرن 8م بتافللت، حيث
    أنشأوا مدينة سجلماسة، التي ازدهرت بما توفر لها من ثمار النخيل ومواد فلاحية،
    فأصبحت طيلة ثمانية قرون قبلة التجار المقبلين على اجتياز الصحراء بغاية
    التعامل مع أهل بلاد السودان.***

    *2 - 2 مركز سجلماسة***

    *ويبدو أن المراكز أو المدن المسيّجة بالأسوار إلى جانب عدد من الأسواق
    النشيطة، التي ظهرت على امتداد حوض وادي درعة الغني بمواده الفلاحية، خاصة
    منها الثمور بأنواعه، شكلت دعامة اقتصادية قوية لسجلماسة؛ وبذلك باتت هي
    الأخرى، عبارة عن مستودع للسلع الرائجة في التجارة الصحراوية مما أهّلها لأن
    تستقطب القوافل المغربية، في انتظار انطلاقها نحو بلاد السودان.***

    *2 - 3 مركز تلمسان***

    *وعلى الجهة الشرقية الشمالية من سجلماسة، نشأت تلمسان على أنقاض المدينة
    الرومانية القديمة پـوماريا( **Pommaria** )، وشكلت بدورها قاعدة تجارية على
    غاية من الأهمية، حيث كان ينطلق منها: المسلك التجاري القاصد منطقة الحوض
    الأوسط لنهر النيجر، مرورا بواحات گـورارة وتوات. ثم المسلك المغذي للمراكز
    التجارية بحوض البحر الأبيض المتوسط خاصة منها ألميريا بالأندلس، فضلا عن
    المسلك الغربي المتوجه نحو مكناسة مرورا بفاس.***

    *ويسود الاعتقاد أن جملة هذه المسالك التجارية الرابطة ما بين ضفتي الصحراء،
    لم تشهد تطورا متوازيا ومتزامنا، وإنما كانت البداية مع الطريق المنطلق من
    سجلماسة ووادي درعة في اتجاه آدرار، والذي ينتهي عند أودغشت الواقعة حاليا في
    تـگداوست الموريتانية. وانطلاقا من أودغشت في اتجاه الجنوب الشرقي، نجد الطريق
    الذي يصلها بعاصمة غانة القديمة على بعد ستة أيام، كما يصلها بما يوجد خلفها
    من أراضي خصبة على ضفاف نهر السنغال.***

    *ومما سجّله الجغرافي والمؤرخ اليعقوبي حوالي عام 890م عن أحوال هذا المسلك،
    قوله:" ومن سجلماسة لمن سلك متوجها إلى القبلة يريد أ رض السودان من سائر بطون
    السودان يسير في مفازة وصحراء مقدار خمسين رحلة ثم يلقاه قوم يقال لهم أنبية
    من صنهاجة في صحراء ليس لهم قرار شأنهم كلهم أن يتلثموا بعمائمهم سنة فيهم ولا
    يلبسون قمصانا إنما يتشحون بثيابهم ومعاشهم من الإبل ليس لهم زرع ولا طعام ثم
    يصير إلى بلد يقال له غسط [= أودغشت] وهو واد ٍ عامر فيه المنازل وفيه ملك لهم
    لا دين له ولا شريعة يغزو بلاد السودان وممالكهم كثيرة."(3)***

    *وبعد منتصف القرن 11م بقليل، سيمدنا الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري بوصف
    دقيق لمجمل الطرق والمسالك التجارية العابرة للصحراء، كما سيحدثنا عن الظروف
    السياسية والاقتصادية لبلاد الصحراء والساحل وما وراءها من المجالات
    السودانية.(4)***

    *2 - 4 مركز تنبكت***

    *وفي خضم التطورات التي عرفتها التجارة الصحراوية خلال القرن 13م، برز مسلك
    جديد يربط ما بين سجلماسة ومملحة تغازة في قلب الصحراء، وينتهي جنوبا عند واحة
    ولاتة، بوابة إمبراطورية مالي الناشئة وقتئذ.(5) وقد كانت المدينة شعلة من
    العلم، زارها واستقر بها عدد من الفقهاء والعلماء بغاية التدريس وترسيخ الدعوة
    الإسلامية. وأثناء زيارة ابن بطوطة لمالي عام 1352، توقف رحالتنا
    بولاتة[=إيولاتن]، وخلّف لنا وصفا لمظاهر الحياة الإسلامية بها، أكد فيه وجود
    قاض بالمدينة.(6) وقد تطورت تلك المظاهر بشكل لافت، مما أهل ولاتة لأن تصبح
    مركزا مشعا لدراسة العلوم الإسلامية في القرون اللاحقة، وهذا ما كشف عنه كل من
    عبد الرحمن السعدي خلال القرن 17م، وابن بنان البرتلي عند نهاية القرن 18م.(7)*
    **

    *وعند نهاية القرن 14م، أخذت مدينة تنبكت تشهد تطورا ملحوظا بفعل اتصالها
    المباشر مع بلاد المغرب، وذلك من خلال المسلكين اللذين يشدانها إلى كل من
    تلمسان وسجلماسة. (Coolوقد أقام بها ابن بطوطة مدة قصيرة إبان عودته للمغرب، ثم
    انصرف منها إلى گـاو (= كوكو)، فتكدا الغنية بمناجم النحاس، حيث يصدر منها إلى
    برنو وبلاد حوس الواقعتين حاليا في نيجيريا. ويظهر أن أهل تكدا من التجار
    المتمرّسين، حيث كانت لهم علاقات تجارية وثيقة مع مصر، وليبيا(فزان وغدامس)،
    وتونس، وتوات، فضلا عن مدن المغرب.***

    *2 - 5 علاقات المغرب بالأقاليم الشمالية من نيجيريا***

    *ويستفاد من الشهادات الأوروبية، أن علاقات المغرب لم تقتصر على ما تقدم من
    أقطار إفريقيا جنوبي الصحراء، بل طالت خلال القرن 16م، وربما قبل ذلك بقليل،
    حتى الأقاليم الشمالية من نيجيريا الحالية، مثل كنو وكاتسينا(= كشن). وهذا ما
    يؤكده المؤلف البندقي جيوفاني لورونزو بناء على معلومات حصل عليها (عام 1575م)
    من تاجر أوروبي عاش بكنو مدة. ومفاد الشهادة أن "كنو تعدّ بجانب فاس والقاهرة
    من أهم مدن إفريقيا، حتى إن الزائر لها ـ حسب المغاربة ـ لا يعدم بها أي شيء
    يطلبه، وهي تـقـع على رأس مثلث قاعدته فاس والقاهرة، وتبعد عنهما بنفس
    المسافة، إذ يلزمنا شهرين منها لبلوغ إحدى المدينتين".(9)***

    *وعلى إثر اضطراب طريق الركب الحجي المغربي التقليدي، بسبب الصراعات الحادة ما
    بين العثمانيين والقوى الأوروبية في حوض البحر الأبيض المتوسط خلال النصف
    الأول من القرن 16، أصبحت بلاد حوس محطة توقف للحجاج المغاربة بعد عودتهم من
    الحجاز، وكانت لبعضهم جولات علمية بكنو ونواحيها. وبسبب ما رآه المغاربة من
    تهافت الناس هنالك على العلم، ومبالغتهم في عطاءاتهم في سبيل تحصيله، فضّل
    بعضهم الاستقرار بالمنطقة سنوات عديدة برسم التدريس.***

    *3 - الصراعات وسُبل تدبيرها الدبلوماسية***

    *على الرغم من النجاحات الباهرة والسريعة التي حققها الإسلام في توسعاته
    وفتوحاته الأولى بشمال إفريقيا، لم يقيض لأي جيش عربي اختراق الصحراء عموديا.
    وتدلنا الإشارات المقتضبة الواردة في كتابات مؤرخي الفتوح الإسلامية الأولى
    (مثل البلاذري وابن عبد الحكم)، أن التحركات العسكرية الإسلامية بالصحراء،
    (10)إنما كانت بغرض ضمان تعامل تجاري سلمي يؤمن سبل الحصول على الذهب السوداني.
    ***

    *وباعتبار هذا المعطى التاريخي، ظلت بلاد السودان(=إفريقيا الغربية) خلال
    القرون الإسلامية الأولى، بمنأى عن أي عملية عسكرية، مما حرم المنطقة من
    التعرُّب أو التّعريب. على أن الإسلام واللغة العربية، سيصلان للمنطقة عبر
    قنوات أخرى، تمثلت أساسا في نشاط التجار والدعاة المسلمين، الذين كانوا
    يرتادون بلاد السودان انطلاقا من مراكز الضفة الشمالية للصحراء، كما تمثلت
    لاحقا في نشاط الجالية المغاربية التي استقرت بالمنطقة بدعوة من الملوك
    السودان الوثنيين. لنترك جانبا هذه القضية على أن تكون لنا عودة إليها،
    ولنتابع ما نحن بصدده.***

    * *

    *- 1 في عهد المرابطين***

    *تذكر المصنفات التاريخية المغربية، أن مجال صحراء صنهاجة اللثام شهد انطلاق
    حركة دينية خلال القرن 11م، عُرفت في المصادر بالحركة المرابطية، وحققت نجاحا
    دينيا وسياسيا كبيرين، مما جعلها تبسط نفوذها الديني والسياسي على المغرب
    والأندلس، فضلا عن معاقلها الصحراوية. وبذلك أقامت امبراطوية مالكية المذهب،
    كان لها نفوذ سياسي قوي في الجناح الغربي من العالم الإسلامي.***

    *وقد كانت للحركة المرابطية منذ بدايتها علاقات وثيقة بالسودان المجاورين لهم
    من جهة الجنوب. واتسمت علاقات الطرفين بتعاون تجاري وسياسي عز نظيره، مما سمح
    بتدفق التأثيرات الإسلامية جنوبا. ونتيجة لذلك انتصر المذهب المالكي ببلاد
    السودان على حساب دوائر التأثير الخارجية سواء في صيغتها الصفرية أو الإباضية،
    التي كان لها السّبق في عملية نشر الإسلام ببلاد السودان منذ القرن الهجري
    الثاني(8م).***

    *واللافت للنظر بهذا الشأن، أن زعماء الحركة لم يعتمدوا ركن الجهاد سبيلا في
    نشر الإسلام المالكي ببلاد السودان، وإنما اقتصر عملهم على الدعوة بالكلمة
    الطيبة، الأمر الذي ترك آثارا عميقة في نفوس السودان، مما عزّز مكانة الإسلام
    والمسلمين بينهم. ومهما قيل عن الغزو المرابطي لمملكة غانة، فإن الدراسة
    النقدية الدقيقة للمواد المصدرية المتوفرة، تحفزنا على الشك في هذا الغزو
    المزعوم.(11)***

    *وفي إطار هذه العلاقات السلمية، رحبت مملكة غانة بالمسلمين المقيمين بين
    ظهرانيها، وأكثر من ذلك، كان ملك غانة الوثني يستعين بهم في تدبير شؤون الحكم،
    ويقلدهم المناصب العليا في بلده. وارتقت العلاقات الرسمية بين الطرفين إلى
    مستويات رفيعة، حيث يذكر صاحب الاستبصار أنه وقف على رسالة من ملك غانة موجهة
    ليوسف بن تاشفين (1062-1106م)، خاطبه فيها بأمير أغمات، مما يحمل على الظن بأن
    الرسالة وصلت قبل بناء مراكش عام 1070م.(12)***

    *إن المكانة المعتبرة للإسلام والمسلمين في مملكة غانة، لا تشكل حالة
    استثنائية، بل لها ما يماثلها من النماذج الدالة في دول وممالك إفريقيا جنوبي
    الصحراء. فقد كانت مملكة الأشانتي الوثنية، تستعين بخبرات المسلمين في تدبير
    شؤون الحكم الرشيد، وكذلك فعل ملوك أيو ( **Oyo** : بنيجيريا الغربية) خلال
    القرن 14م. ونجد امتدادات لهذه السلوكات حتى لدى الممالك المسيحية بشرق
    إفريقيا، فقد كان الإمبراطور تيودور عاهل الحبشة يوظف في بلاطه كتّابا من
    العرب المسلمين بغاية إنشاء المراسلات التي استوجبتها علاقاته مع كل من مصر
    وحكام الأقاليم التابعة لها جنوبا إلى الخرطوم، وكذلك مع ملكة إنجلترا
    فيكتوريا.(1 ***

    *3 - 2 في عهد الموحدين***

    *وعلى غرار المرابطين، استمرت العلاقات المغربية السودانية على عهد الموحدين،
    يشهد على ذلك الرسالة التي أرسلها والي سجلماسة (في مطلع القرن 13م) لملك غانة
    بشأن تيسير ظروف التجارة ما بين المملكتين، ونصها كما احتفظ به المؤرخ
    التلمساني أحمد المقري:" نحن نتجاور بالإحسان وإن تخالفنا في الأديان، ونتفق
    على السيرة المرضية، ونتألف على الرفق بالرعية، ومعلوم أن العدل من لوازم
    الملوك في حكم السياسة الفاضلة، والجور لا تعانيه إلاّ النفوس الشريرة
    الجاهلة. فقد بلغنا احتباس مساكين التجار ومنعهم من التصرف فيما هم بصدده.
    وتردد الجلاّبة إلى البلد مفيد لسكانها ومعين على التمكّن من استيطانها، ولو
    شئنا لاحتبسنا من في جهتنا من أهل تلك الناحية، لكن لا نتصوب فعله، ولا ينبغي
    لنا أن ننهي عن خلق ونأتي مثله والسلام".(14)***

    *ولعل في هذه العلاقات الطيبة التي جمعت المغرب ببلاد السودان وقتئذ، ما حفز
    البلاط الموحدي على استقطاب أحد أدباء مملكة كانم (الواقعة على الحافة
    الشمالية لبحيرة التشاد)، الأديب أبي إسحاق إبراهيم بن يعقوب الكانمي، الذي
    دخل يوما على الخليفة الموحدي يعقوب المنصور، فأنشده مادحا:***

    *أزَالَ حِجَاَبه عنِّي وعَـيْنِي **** تراه من المَهَاَبَةِ في حِجَابِ***

    *وقَـرَّبَني تَـفَضُّـلُه ولكن **** بَعُدْتُ مَهَابَةً عند اقْتِرابـي(15)***

    *الهوامش:***

    *(1) - نلفت نظر القارئ، أن البحاثة الأستاذ جان هنويك يحيل مرارا على الترجمة
    الفرنسية للشهادات والمقتطفات المصدرية المعتمدة لديه، والتي أوردها جوزيف
    كيوك في مدونته المشهورة. و سنردّ الشهادات المصدرية لأصلها العربي مع الإشارة
    لصفحات الترجمة الفرنسية في المدونة المذكورة:***

    *- **Joseph Cuoq, Recueil des sources Arabes concernant l’Afrique
    Occidental du 8 au 16esiècle (BILAD AL-SUDAN). Paris, CNRS, 2 éd, 19 7 5. p
    48** . [ المترجم ]***

    *(2) - تمتد حدود بلاد السودان أو بلاد التكرور من المحيط الأطلنتي(في جزئه
    السنغامبي) غربا إلى حواشي بحيرة التشاد شرقا، فيما تنتصب الحدود العمودية بين
    الضفة الجنوبية للصحراء الكبرى ومقدمة نطاق الغابات الاستوائية. وحسب
    الإحداثيات المعاصرة، تنحصر بلاد السودان فيما بين خط عرض 11 و17 شمالا. وإلى
    جانب الاصطلاحين الأصِـيلين المنوه بهما، يروج في الدراسات الأكاديمية وغيرها،
    عدد آخر من الاصطلاحات الحديثة التي تؤدي تقريبا نفس المعنى والدلالة، وهي:
    السودان الغربي، وإفريقيا الغربية، والسودان النيجيري، والسنغامبيا بمفهومها
    الواسع كما وظفه بوبكر باري في دراساته. [ المترجم]***

    *(3) - اليعقوبي، كتاب البلدان، ص. 360. ومدونة كيوك، ص 48.***

    * *

    *(4) - أبو عبيد البكري ، كتاب المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، وهو الجزء
    الخامس من المسالك والممالك. باريس: ميزونوف 1965. حققه وترجمه للفرنسية:
    دوسلان. صص156-183. ومدونة كيوك: صص 82-109. كما ينظر: - **V. Monteil,
    «Al-Bakrî (Cordoue 1068) : Routier de l’Afrique blanche et noire», Bull. de
    l’I. F. A. N., XXX (1968), 39-116**.***

    *(5) - توجد ولاتة حاليا في أقصى الجنوب الشرقي لموريتانيا.***

    *(6) - توفر مدينة سودانية على قاض وقتئذ (القرن 14م)، يعد مؤشرا قويا على مدى
    رسوخ وتطور التجربة الإسلامية بها.***

    *(7) - عبد الرحمن السعدي، تاريخ السودان باريس: ميزونوف، ط. **II **، **1981**.
    تحقيق وترجمة للفرنسية: هوداس وبنوة. ابن بنان البرتلي، فتح الشكور في معرفة
    علماء التكرور . بيروت: دار الغرب لإسلامي1981. تحقيق: إبراهيم الكتاني ومحمد
    حجي.***

    *(Cool - تنبكت ? تلمسان عبر توات وگورارة /تنبكت ? سجلماسة ومدن حوض وادي درعة
    عبر مملحة تغازة.***

    *(9) - « **Can ò est une destrois villes de l’Afrique, les autres étant Fès
    et le Caire, dont les Mauresdisent qu’il n’y a chose au monde que l’on n’y
    trouve. Elle est placée sur untriangle à égale distance de Fès et du Caire,
    chacune d’elle étant distantel’une de l’autre de deux mois de route».Voir
    in D. Lange et S. Berthoud, L’intérieur de l’Afrique Occidentale d’après
    Giovanni Lorenzo Anania (XVIesiècle), Cahier d’histoire mondiale, XIV
    (1972), 339**.***

    *(10) - إشارة للفتوحات الإسلامية الأولى التي قادها عقبة بن نافع الفهري
    ببلاد المغرب فيما بين عامي 50 و62 من الهجرة (670-681م). [ المترجم]***

    *(11) - **D. Conrad et H. Fisher, «The conquest that never was: Ghanaand
    the Almoravids, 1076: I. The Arabic sources », History in Africa, IX
    (1982), 21-59**.***

    *(12) - مجهول، كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، الدار البيضاء: دار النشر
    المغربية، 1985. نشر وتعليق: سعد زغلول عبد الحميد، ص 219 . ومدونة كيوك، ص
    177.***

    *(13) - **Voir Sven Rubenson (avec la collaboration de Getatchew Haileet
    John Hunwick), Acta Aethiopica I :Correspondence and Treaties, 1800-1854,
    Northwestern University Press / Addis Ababa University Press, 1987**.***

    *(14) - أحمد المقري، نفح الطيب. بيروت 1968. المجلد الثالث، ص 105.***

    *(15)- أخذا عن الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. الدرالبيضاء،
    1955. ج.5، ص 103.*

    **

    * منقول*

    حسين1492

    المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 20/11/2010

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف حسين1492 في الأربعاء ديسمبر 28, 2011 1:17 pm

    شكراجزيلا أستادنا الكريم

    Admin
    Admin

    المساهمات : 397
    تاريخ التسجيل : 18/11/2009

    وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي

    مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء مارس 06, 2012 10:46 pm

    حركة الإصلاح المالكي بالمغرب ودور
    وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي خلالها



    الدكتور المهدي بن محمد السعيدي
    كلية الآداب والعلوم الإنسانية
    جامعة ابن زهر - أﮔﺎدير



    مقدمة

    صدرت بحوث كثيرة ودراسات متعددة عن المذهب المالكي بالمغرب وأصوله وأسباب نشأته، وتعرضت الدراسات الكثيرة لأدوار المذهب المالكي ورجالاته في تاريخ المغرب منذ القديم وحتى العصر الحديث، وأهمية ما قام به علماء المالكية في الغرب الإسلامي من جهود لترسيخ السنة النبوية الشريفة ممثلة في مذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، ومن التصدي للنحل الضالة والمذاهب المنحرفة، وما نتج عن جهادهم من توحيد المغرب عقيدة وفقهاً، وقد شملت هذه الحركة مراكز علمية ومدارس منوعة وأعلاماً عظاماً أسهم كل واحد بنصيبه في إقامة هذا البناء العقدي العلمي الاجتماعي الذي ورثناه عن أسلافنا رحمهم الله، ومن هؤلاء العلماء الذين كان لهم فضل عظيم على بلاد المغرب الشيخ العلامة المجاهد وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي الذي أسهم في نشر العلم والمعرفة وخدمة المجتمع وتوجيهه نحو الأفضل، وذلك من خلال المعطيات الضئيلة المتوفرة حول حياته وأعماله العلمية.




    1 - حركة الإصلاح المالكي في الغرب الإسلامي

    شهد المغرب الإسلامي في القرون الإسلامية الأولى حركة دائبة للتمكين للدين الإسلامي في المجتمع والفكر والثقافة، وربط المسلمين بالعقيدة السمحة واجتثاث جذور الوثنية والانحراف العقدي من نفوسهم الفطرية، وقد عمل الفقهاء والعلماء لأجل هذا الهدف اعتماد على منهجين:

    أ - منهج نشر السنة النبوية ممثلة في الفقه المالكي المعبر عن ارتباط المسلمين بدينهم ووحي ربهم وسنة نبيهم من خلال التزام الأوامر ومفارقة النواهي والبحث عن حلول المستجدات والنوازل في اجتهادات الفقهاء السالفين وما بني عليها من فتاوى المتأخرين ملتزمين بأصول الاستنباط والاقتداء بالأيمة الأعلام للمذهب المالكي من الذين وضحوا أصوله وطبقوا مبادئه في استنباط الأحكام الشرعية الموافقة لأحوال المسلمين المجيبة عن تطلعاتهم الاجتماعية والفكرية، والرد على المذاهب الفقهية المنافسة التي تقدم الرأي على النص كما ردوا على القدرية والمعتزلة([1])، وقد تزعم هذه الحركة العلمية المباركة أئمة كبار وأعلام عظام برزوا في مدرستين عظيمتي التأثير هما:

    - مدرسة القيروان وضع أسسها الإمام عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي المشهور بسحنون (160-240 ﻫ)([2]) مؤلف المدونة الكبرى التي أخذها عنه طلبة كثيرون تخرجوا به وصنفوا حولها شروحاً وتعاليق، مثل ولده محم بن سحنون (ت. 255 ﻫ)([3]) ويحيى بن عمر (ت. 289 ﻫ)([4]) وعنهم أخذ علماء آخرون من أبرزهم ابن أبي زيد القيرواني مؤلف الرسالة.

    - مدرسة الأندلس أسسها الإمام يحيى بن يحيى الليثي المصمودي (152-234 ﻫ)([5]) وانتشر تأثيرها بفضل جهاده في التعليم والتربية فصدر عنه طلبة كثيرون نشروا علمه وفقهه، من أبرزهم محمد بن وضاح، وزياد بن محمد المعروف بشبطون، وإبراهيم بن قاسم بن هلال.. وغيرهم كثير.

    وقد انتشر بفضل هذين العالمين الكبيرين للسنة النبوية صيت عظيم كما رفعا لواء المذهب المالكي وعملا به ومكّنا له في تعليمهما وما كان لهما من الحظوة والجاه في مجمعيهما، وجعلا كل ذلك في خدمة سنة النبي r.



    ب - منهج مقاومة المذاهب المنحرفة التي كان الغرب الإسلامي حافلاً بها كالخوارج والروافض والبرغواطيين خاصة في المغرب بسبب ضعف السلطة المركزية وبروز الإمارات المستقلة المتناحرة، وقد توسل الفقهاء بكل وسيلة من المقاطعة والمقاومة السلبية والمناظرة العلمية والسجال الفكري والمناجزة العسكرية([6])، واستطاعوا أن ينصروا السنة في صراعها مع البدع والضلالات، فضيق الأمويون بالأندلس على العبيديين خوفاً من أن يمتد نفوذهم إلى الجزيرة إلى أن ضعف أمرهم واندحروا بإفريقية، ثم قضى المرابطون على النحل المتعددة بالمغرب وجمعوا كلمته على السنة([7])، وذلك بفضل المالكية التي كانت «العقل الذي عصم أهل المغرب من شرور الفتنة في عصر كادت ريح الشر تعصف بالمجتمع، صمدت المالكية للخارجية فأتت عليها، وصارعت المعتزلة، وانتصرت على العبيديين، وحفظت على المجتمع وحدته وقوته، وسلمته للأجيال التالية سليماً معافى، ومصداق ذلك ما رواه الرحالة ابن جبير حين قال: إنه لا إسلام إلا ببلاد المغرب لأنهم على جادة واضحة وما سوى ذلك بهذه الجهات الشرقية فأهواء وبدع وفرق أو شيع إلا من عصم الله عز وجل من أهلها»([8]).



    2 - دور التعليم في نشر مبادئ الإصلاح

    لا شك أن التعليم وسيلة ترسيخ الأفكار ودحض الشبهات وتقويم المجتمع وإزالة الانحرافات منه، ولتحقيق ذلك اعتمد فقهاء المالكية في الغرب الإسلامي على التعليم بأنواعه، فهناك:

    - التعليم العام أو الشعبي والمقصود منه الاتصال بعامة الناس وتعليمهم شؤون الدين وأسس العقيدة والمعاملات، حتى يكونوا على السبيل القويمة، ويتجنبوا الانحراف والضياع، وقد آتى هذا النوع من التعليم أكله فمكَّن العلماء من حماية عموم الناس من الانحرافات العقدية وصيانتهم من الانسياق مع مبادئها الضالة، ولم يكن ذلك بسبب مجالس الوعظ والتذكير فحسب، وإنما لأن فقهاء المالكية في ذلك العصر المبكر مثلوا النموذج المتألق للمسلم الصحيح الإيمان الزاهد الورع، الساعي لخير جماعته المضحي في سبيل مبادئه، وقد ورث فقهاء المالكية ذلك كله من الإمام مالك رضي الله عنه الذي كان لهم أسوة في الخلق القويم والورع والزهد والصدع بالحق، فكان لهؤلاء الفقهاء مواقف حازمة من الانحراف والضلال، تسنموا بفضلها مكانة مرموقة في نفوس الناس وصاروا عندهم في «مرتبة الزعماء الذين يدافعون عن الضعفاء والمغلوبين، ويعارضون الحكام في سبيل إعلاء الحق، ويستشهدون في سبيل عقيدتهم، فآمنوا بزعامتهم»([9]).

    - التعليم المتخصص الموجه للناشئة من الشباب اليافع في المساجد والرباطات، والذي يهدف إلى توفير المعرفة والتكوين العلمي للأجيال الجديدة، حتى تستطيع - على اختلاف مؤهلاتها - الوفاء بحاجات المجتمع العلمية والمعرفية وضمان استمرار العلم الشرعي المرتبط بالسنة النبوية الشريفة، وتصديه للنوازل والمشاكل، وهكذا تسلسل العلم وبرز العلماء يأخذ كل جيل منهم عن السابق لينقل المعرفة إلى اللاحق، فكان التعليم الشغل الشاغل لعلماء المغرب الإسلامي الكبار وما من أحد منهم إلا وأنفق حياته في تكوين الأجيال الجديدة وتثقيفها.

    لقد صار التعليم والتكوين من أعظم المهام التي اشتغل بها علماء الغرب الإسلامي، لأنهم كانوا يؤمنون بأهمية التعليم وكونه من مراتب العبادة السامية وكانوا واعين بأهميته وضرورته للحفاظ على أمن المجتمع وعقيدته وتضامنه، ولعل مما يدل على هذه العناية الفائقة بروز التأليف حول أساليب التربية والتكوين ومناهجهما، فنجد في إفريقية محمد بن سحنون (256 ﻫ) وعلي بن محمد بن خلف المعافري القابسي (324-403 ﻫ) يهتمان بالموضوع ويبسطان فيه القول تنظيراً وتطبيقاً واستيحاء من سنة النبي r وسيرته العطرة، مما يشير إلى سعي دائب للنجاح في التعليم وبلوغ الهدف في تكوين المسلم الصالح المصلح([10]).

    وتحفل كتب التراجم بأخبار العلماء العاملين الذين كونوا الأجيال وخرجوا العلماء وقادوا الفكر والمجتمع في تلك المرحلة نذكر منهم:



    · جبلة بن حمود الصدفي (ت. 299 ﻫ) الذي قام في وجه العبيديين وتصدى لأعوانهم ومن ناصرهم، بالعداء والمقاطعة وسار خلفه الناس متبعين ما يشير به([11]).

    · سعيد بن محمد الغساني المشهور بابن الحداد (ت. 302 ﻫ) العالم الزاهد الذي نافح عن العقيدة والدين بمناظراته ورده شبهات المنحرفين وإفحامهم، فكان ذلك سبب تثبيت الناس على عقيدتهم وصبرهم على الأذى والضرر([12]).

    · عبد الملك بن حبيب السلمي الإلبيري (ت. 238 ﻫ) فقيه الأندلس وعالمها، درس عليه الجم الغفير من الطلبة وتخرجوا به([13]).

    · محمد بن وضاح بن بزيع المرواني (287 ﻫ) العالم المحدث المحتسب في نشر العلم، أخذ عنه جمّ غفير من علماء الأندلس وقضاته وفقهائه([14]).

    هؤلاء العلماء نماذج لمن أفنوا أعمارهم في التدريس وأخلصوا فيه جهودهم لله فآتت أكلها فصاروا علماء وفقهاء جمعوا بين الفقه والصلاح والتربية والمعرفة، وكانوا سبباً في تسلسل العلم في الأجيال اللاحقة مرفوقاً بالعمل والإصلاح والإحسان فيهما معاً، فبرز علماء آخرون في القرنين الرابع والخامس لا يقلون مكانة عمن سبقهم، بل أضافوا إلى سلفهم الماجد جداً وجهاداً في التعليم العلمي والإصلاح الاجتماعي المؤسس على رؤية عقدية فقهية حصيفة، نذكر منهم عبد الرحمان بن عبد الله القيرواني وخلف بن عمر الحناط وعلي بن محمد المعافري القابسي ومحمد بن سعدون الباجي وقاسم بن أصبغ البياني ومحمد بن عمر بن لبابة، وغيرهم من العلماء الذين اشتغلوا بالتدريس عقوداً طويلة، وعنهم اخذ علماء الغرب الإسلامي وتأثر بهم فقهاء المغرب وتأثروا خطاهم في إصلاح المجتمع وتوحيد الأمة ونفي الانحراف في العقيدة والشذوذ في المذاهب الفقهية([15]).

    اعتمد فقهاء المالكية التعليم والتكوين في حركتهم الإصلاحية سواء لنشر مذهبهم وترسيخ أسسه في المجتمع أو لمحاربة الفرق الضالة مثل الروافض والخوارج وغيرهم، وحينما نأخذ مثال ابن أبي زيد القيرواني وعمله في مجال التعليم بالقيروان، نجده قد خرج مئات من الطلبة نبغ منهم عشرات الفطاحل الكبار الذين انتشروا في بقاع الغرب الإسلامي لترسيخ الإسلام وعقيدته السمحة([16])، فعن ابن أبي زيد أخذ أبو عمران الفاسي([17]) شيخ وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي الذي نقل معارفه إلى طلبته وتلاميذه فوصلت بهم حركة الإصلاح منتهاها بقيام دولة المرابطين على يد عبد الله بن ياسين التمنارتي.

    3 - وﮔﺎﮒ بن زلو وحركة الإصلاح المالكي

    نشأت التقاليد العلمية الفقهية المالكية بالشرق وانتقلت إلى إفريقية والأندلس حيث تأسست مدرستان عريقتان للفقه المالكي، نبع منهما فقهاء الغرب الإسلامي العظام ونهلوا أسس الإصلاح الاجتماعي المؤسس على العقيدة الصحيحة والاجتهاد الفقهي في ربط المجتمع بالشرع ورد الناس إلى سبيل الحق والوقوف في وجه الظلم والجور، وقد تأثر المغاربة بهاتين المدرستين في تلك المرحلة الصعبة من تاريخهم المتميزة بعدة سمات، نذكر منها:

    - الاضطراب السياسي، بسبب الفوضى والانقسام وانعدام سلطة مركزية قوية تحكم البلاد وتصلح أحوالها، فصار مجالاً للصراع بين المذاهب المختلفة وساحة للنِّزَال بين القوة العبيدية في إفريقية والقوة الأموية في الأندلس.

    - الفوضى العقدية، فقد تسربت إلى المغرب المذاهب المشرقية المنحرفة وبرز الخوارج والروافض كما نشأت نحل ضالة من أمثال البورغواطيين، وكان لكل مذهب سند شعبي وسياسي يقيم أوده ويناصره.

    ولما رأى علماء المغرب ما كانت عليه بلادهم طمحوا إلى إصلاح أوضاعها خاصة بعد انتصار المالكية في إفريقية على العبيديين، واستمرار منهج أهل السنة والجماعة في الأندلس، فعملوا على تنسيق جهودهم والاعتماد على التعليم والتربية لتغيير المجتمع عبر تذكير عامة الناس ووعظهم وتكوين أجيال جديدة من العلماء المستنيرين بسنة النبي r وهديه، ومن هؤلاء العلماء القائمين بهذه الأمانة في هذه المرحلة وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي.



    أ - من هو وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي

    ينتسب إلى قبيلة لمطة التي كنت مستقرة على وادي نول لمطة في منطقة أيت باعمران الحالية([18])، قال صاحب "الاستبصار": «ومن بلاد السوس مدينة نول لمطة، وهي مدينة كبيرة في أول الصحراء على نهر كبير يصب في البحر المحيط، ومن مدينة نول إلى وادي درعة نحو 3 مراحل. وإنما سميت نول لمطة لأن قبيلة لمطة يسكنونها وما وراءها وهي آخر بلاد السوس»([19]).

    ينتمي الشيخ وﮔﺎﮒ إلى الشرفاء الأدارسة حسب ما يدل على ذلك مشجر أنساب أسرته الوارد في "المعسول"([20])، واسمه محمد([21]) غير أنه اشتهر بلقبه (وﮔﺎﮒ) المكون من واو النسبة وكلمة (أﮔﺎﮒ) ومعناه الفقيه العليم بالقرآن والفقه - حسب ما ورد في معجم شارل دوفوكو([22]) - فيكون معنى لقبه ابن العالم أو ابن الفقيه([23])، ولا نعرف على وجه التحديد تاريخ ميلاده ولكننا نرجح أن يكون قد ولد فيما بين سنتي 350 و360 للهجرة، وكان والده طبقاً لتفسير لقبه عالماً فقيهاً، فيكون ناشئاً في أسرة علمية مما ساعده على التفرغ للدراسة والتعلم، فحفظ القرآن الكريم ودرس مبادئ العلوم ثم بدأ رحلته العلمية، والغالب أنه درس بمراكز العلم في منطقته، ثم انتقل إلى الحواضر المغربية، فهل يكون درس بفاس وتعرف هناك على أبي عمران الفاسي قبل أن ينفيه منها بنو أبي العافية المكناسيون لَمّا قام فيهم آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر؟([24]).

    رحل وﮔﺎﮒ إلى القيروان وهناك لقي عبد الله بن أبي زيد القيرواني المتوفى سنة 386 ﻫ ودرس عليه كما أشار إلى ذلك صالح بن أبي صالح في كتاب "القبلة"([25])، ثم لازم تلميذه أبا عمران الفاسي حتى تخرج عليه، ولا يبعد أن يكون درس على علماء آخرين بالقيروان ممن كانوا يملأونها علماً وفضلاً، وبعد أن اكتفى من الأخذ عاد أدراجه إلى المغرب للمشاركة في التربية والتعليم بمعية طائفة من زملائه في الدراسة، وقد توفي مخلفاً ثلاثة من الأبناء الذكور هم: ياسين ويحيى وأبو علي([26])، كما تخرج على يديه جمّ غفير من الطلبة.

    ب - شهادة أبي عمران الفاسي في تلميذه وﮔﺎﮒ

    لا شك أن إسهام الشيخ وﮔﺎﮒ في إقامة دولة المرابطين بفضل إرسال تلميذه عبد الله بن ياسين إلى الصحراء أسهم في إبراز شخصيته والتعريف بها فكم من العلماء الذين تخرجوا قبله وبعده على شيوخ القيروان والأندلس، قد طواهم النسيان ولم نعد نعرف عنهم شيئاً أو لا تذكر المصادر أسماءهم، وبسبب ارتباط الشيخ وﮔﺎﮒ بدولة المرابطين وصلتنا شهادة أستاذه الفاسي فيه حينما أشار على الأمير الكدالي بأن يقصده في رباطه بواد نفيس ليستشيره في أمر إرسال أحد الفقهاء معه إلى الصحراء، ونص الشهادة كما نقلتها المصادر التاريخية:

    «إنني أعرف ببلاد نفيس من أرض المصامدة فقيهاً حاذقاً تقياً ورعاً لقيني وأخذ عني علماً كثيراً، وعرفت ذلك منه، واسمه وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي من أهل السوس الأقصى وهو الآن يتعبد ويدرس العلم ويدعو الناس إلى الخير في رباط هنالك، وله تلامذة جمة يقرؤون عليه العلم»([27]).

    وهذه الشهادة تبرز مكانة وﮔﺎﮒ عند شيخه ومقدار تحصيله العلمي، وسماته الْخُلقية، فقد وصفه شيخه الفاسي بـ:

    — العلم الكثير: والمقصود به العلوم التي أخذها وﮔﺎﮒ عن شيخه الفاسي، والتي درسها هو كذلك عن شيوخه بالقيروان وبغداد، مثل الفقه والحديث والأصول واللغة العربية، ولا ريب أن الشيخ وﮔﺎﮒ قد حصّل منها ما جعله يوصف بالعلم الكثير.

    — الحذق: وهو المهارة وحسن الفهم والتصرف، فالشيخ وﮔﺎﮒ لم يأخذ العلم حفظاً وفهماً فحسب بل أخذه تطبيقاً ومهارة في العمل به، فجمع إلى العلم العمل وإلى حسن فهم النوازل واستنباط الأحكام تَنْزِيل المعرفة على الواقع ومخاطبة الناس على قدر عقولهم، وهي كلها صفات تدل على مهارته وفهمه.

    — التقوى: وهو الخوف من الله تعالى ومراقبته في كل شيء، وهو أساس التعلم الذي تصح به النية ويستقيم العلم ويصلح العمل وتثمر الجهود.

    — الورع: وهو الاحتراز للدين وتوقي الشبهات ومعاملة الناس بالإحسان إليهم الصبر على أذاهم، وتَنْزيه النفس عن الأطماع وتجنب تسخير الدين لنيل الدنيا، ولا أدل على ذلك مما أورده صاحب "التشوف" على لسانه حينما قصده المصامدة يلتمسون دعاءه، قال: «فذهبوا إلى وجاج بن زلو اللمطي وهو بالسوس، فلما وصلوه، قال لهم ما جاء بكم؟ فقالوا له: قحطنا وجئناك لتدعو الله لنا أن يسقينا، فقال لهم: إنما مثلكم كمثل قوم أبصروا جبح نحل فظنوا أن فيه عسلاً، ولكن انزلوا عندي فإنكم أضياف».

    — ملازمة العبادة: وهي سمة لازمت فقهاء ذلك العهد فكان الصلاح ملازماً للعلم، والعبادة قرينة التدريس والتربية، ومن يطالع تراجم العلماء بالغرب الإسلامي آنذاك يجدهم مجدين في علمهم وعبادتهم ناصحين ورعين، ساعين إلى تطبيق ما تعلموا وتحقيق النموذج والقدوة الصالحة التي يتأسى بها مجتمعهم([28]).

    — تدريس العلم: أي التعليم المتخصص الذي يستهدف نقل المعارف والعلوم اللغوية والشرعية النافعة، إلى الطلبة الشباب الناشئين مسددة بالتربية الخلقية الرامية إلى جعل العلم أساساً للعمل، وبناء الشخصية المسلمة السليمة من آفات النفس وأمراضها.

    — دعوة الناس إلى الخير: وهو التعليم العام الذي يقصد حماية عامة الناس ممن لا يملكون المعرفة العلمية الرصينة، من النحل والضلالات والبدع بتعليمهم أسس العقيدة والعبادات وحثهم على التزام المعاملة الحسنة والخلق الحميد، بالوعظ والإرشاد في المساجد والمجاميع والأسواق والملتقيات...

    — ملازمة الرباط: بوادي نفيس أولاً ثم بأﮔﻠﻮ ثانياً، والرباط أصلاً مكان للجهاد ومراقبة العدو، يجتمع فيه المقاتلون استعداداً لمجابهة العدو إن هاجمهم أو نزل بأرضهم، وقد توسعت وظيفته فصار مكاناً يخلو به العباد والزهاد ويجتمع فيه طلبة العلم ويقصده عامة الناس للاستفتاء والمشورة الفقهية ولطلب المساعدة الاجتماعية وللتظلم وطلب الحقوق، ويقوم فيه الشيخ العالم بدور الناصح والمعلم والمربي والساعي في الخير بين الناس([29]).

    — كثرة الطلبة: حيث وصفهم أبو عمران الفاسي بالجم الغفير، مما يدل على نجاح الشيخ وﮔﺎﮒ في عمله التعليمي، وتوفقه في مساعيه لاستقطاب الطلبة وتكوينهم وتربيتهم، وكذلك مساندة مجتمعه له في مهامه التعليمية بتموين هؤلاء الطلبة والقيام بمعيشتهم، ولا ريب أن ذلك كله مؤسس على ما للشيخ وﮔﺎﮒ من سمعة طيبة وتقوى وورع مما جعله يحظى بالتقدير والاحترام. وكانت النتيجة أن تخرج به طلبة كثيرون انتشروا في بلاد المغرب وجنوبه على وجه الخصوص وعمروا مساجده بالعلم والتربية، ولا تسعفنا المصادر إلا في معرفة أسماء قلة قليلة منهم مثل أبنائه الثلاثة ياسين ويحيى وأبا علي ثم عبد الله بن ياسين التمنارتي وأبا القاسم بن عذري الفقيه، ولا شك أن كثيراً من الفقهاء الذين كان عبد الله بن ياسين يتصل بهم بجبال جزولة فيرسل إليهم أعشار قبائل لمتونة من زملائه في الدراسة بنفيس أو ممن أخذوا بأﮔﻠﻮ.

    إن هذه الصفات المجتمعة التي وصف بها الشيخ وﮔﺎﮒ تبرز قدره ومكانته العلمية وسماته النفسية والتربوية، كما تظهر مكانته بين الناس وأنه كان مقبولاً مسموع الكلمة مجاب الدعوة، ولا شك أن قبائل المصامدة التي كانت تزوره وتستقي بدعائه قد خبرت ذلك منه عندما كان عندها بنفيس.

    ج - أعماله التعليمية

    عاد وﮔﺎﮒ بن زلو إلى المغرب بعد أن امتلأ علماً وفضلاً، ونوى العمل مع زملائه لإصلاح المجتمع المغربي بنشر السنة النبوية ومحاربة النحل الضالة، وقد مر عمله بمرحلتين الاستقرار بنفيس ثم الانتقال إلى أﮔﻠﻮ دون أن نغفل إشارة ابن خلدون إلى أنه كان بسجلماسة([30]):

    — الاستقرار بمنطقة نفيس - كما وردت الإشارة إلى ذلك في كلام أبي عمران الفاسي - للتربية والتعليم والإسهام في محاربة البورغواطيين، وقد اختلف المؤرخون في تحديد المقصود من (نفيس) هل هي قرية ملكوس التي ذكرها البكري([31]) أو مدينة نفيس([32])، أو رباط على وادي نفيس في منطقة قليلة العمران([33]). كما اختلفوا في مكان نزوله أولاً هل هو نفيس أم أﮔﻠﻮ التي بها قبره الآن؟ قال محمد المختار السوسي معلقاً على ذلك: «ذكر هناك أن مسكنه في نفيس وقد أثار هذا مشكلاً اليوم. لأن (نفيسا) هو واد مشرف على (مراكش) ومحل قبر وﮔﺎﮒ يوجد في (أﮔﻠﻮ بضواحي (تيزنيت) على سيف البحر. ويؤيد أن مسكنه كان بعيداً من وادي (نفيس) ما في هذه الحكاية من الرحلة إليه([34]). ثم طول الرجوع إلى سكنى الراحلين في (نفيس)»([35]).

    وإذا عرضنا الواقع الحالي لوجود قبر وﮔﺎﮒ بن زلو بأﮔﻠﻮ قرب تزنيت وما ورد في المصادر التاريخية عن نزوله بنفيس أمكننا أن نقرر - بناء على ما ذكر من سفر المصامدة لزيارته والاستسقاء به - أن وﮔﺎﮒ نزل أولاً بنفيس قرب أغمات وريكة، ولبث بها مدة طويلة خالط أهلها فعرفوا فضله وعلمه وأخلاقه، ثم انتقل إلى أﮔﻠﻮ لسبب دعاه إلى ذلك، ولم تنقطع صلة المصامدة به بل كانوا يزورونه.

    ومما يؤيد هذا أن صاحب كتاب "القبلة"([36]) يذكر اجتماع طلبة ابن أبي زيد القيرواني بمنطقة أغمات وريكة لقتال البورغواطيين، ذاكراً وجود وﮔﺎﮒ بن زلو بينهم، قال: «ثم يلي ذلك المساجد التي بناها تلامذة أبي محمد (يقصد القيرواني) لأنهم جعلهم الله سبباً لإطفاء فتنة برغواطة الذين قاموا بالمغرب نحو ثلاثمائة سنة، لأن أول قيامهم في حدود خمسين ومائة من الهجرة إلى قريب من أربعمائة.. فلما وصل تلامذة أبي محمد أخذوا يقتلون كفار برغواطة وذلك لأنهم أشاروا إلى أبي محمد في ذلك فقال لهم إن كانت لكم بهم مقدرة فجاهدوهم وقدموا منكم أكثركم قبيلة، وقالوا: داود بن إيملول الصنهاجي، ثم يليه يحيى بن ويدفا الصادي من بلاد هسكورة، ثم يعلى بن مصلين الرجراجي، فكانت تلامذته من المصامدة الثلاثة المذكورين مع تونارت بن تيدي الرجراجي والولي بن يرزﻳﮕﻦ المرماري وواجاج بن زلو اللمطي وعبد الله بن أبي تاليلت اﻟژودي ويرزﻳﮕﻦ بن علي اﻟژودي ومحمد بن طاووس الهزميري الرجراجي وآخرين، من أهل أغمات وغيرهم ممن لم تعرف أسماؤهم، فقدموا داود بن يملول حتى قتل، ثم يحيى بن ويدفا حتى قتل، ثم ابنه حتى مات، فقدموا يعلى بن ﻣژلين وهو الذي بنى مسجد شاكر..»([37]).

    وقد أشار الأستاذ أحمد توفيق في تحقيق كتاب "التشوف" للزيات إلى أن طلبة ابن أبي زيد القيرواني كانوا تحت إمرة الشيخ أبي محمد عبد الله بن تايسييت([38])، في حين أن مؤلف كتاب "القبلة" ذكرهم بصفة طلبة أبي محمد فظن المحقق أن المقصود هو أبو محمد بن تيسييت بينما يشير صاحب كتاب "القبلة" على أن المقصود هو أبو محمد بن أبي زيد القيرواني صاحب كتاب "النوادر"، قال: «وإلى تلك الجهة بنى تلاميذ أبي محمد مساجدهم لأنهم حملوا عن أبي محمد ما ذكر في "النوادر.." ثم رجع عنه إلى ما ذكره في كتاب "مجمع الأصول.." إلى أن قال: وذكر أبو الطيب عبد المنعم أن ابن أبي زيد رجع عما ذكر في "النوادر.."»([39]).

    فالمقصود إذن أبو محمد القيرواني مؤلف "النوادر" و"مجمع الأصول" وصاحب "الرسالة"، أما ابن تيسييت فيذكره صاحب كتاب "القبلة" ناقلاً عنه تحديد تاريخ بناء بعض مساجد أغمات فحسب، دون إشارة إلى زعامته الجهاد، ورد في النص: «أخبرنا أبو محمد عبد الله بن تيسييت وكاتبه قاضي أغمات وريكة أن مسجد أغمات وريكة بناها أميرها وطاس بن كردوس من بني أمية سنة خمس وأربعين ومائتين»([40]).

    لقد اجتمع طلبة أبي محمد القيرواني بمنطقة أغمات التي كانت مجالاً لنفوذ البورغواطيين وقاموا بتنسيق الجهود العلمية التعليمية والعسكرية الجهادية فتوزعوا على رباطات المنطقة لنشر المذهب السني ممثلاً في مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، فكان من نصيب وﮔﺎﮒ الاستقرار برباط نفيس متفرغاً للتدريس والتعليم، وهناك زاره يحيى بن إبراهيم اﻟﮕﺪالي سنة 430 ﻫ([41]) حاملاً رسالة الشيخ أبي عمران الفاسي التي تأمره بأن يرسل مع الأمير اللمتوني فقيهاً يعلم أهل الصحراء العقيدة السليمة وملازمة السنة النبوية ويردهم إلى طريق الخير والحق رداً جميلاً، ونص كتاب أبي عمران: «أما بعد إذا وصلك حامل كتابي هذا وهو يحيى بن إبراهيم اﻟﮕﺪالي فابعث معه من طلبتك من تثق بعلمه ودينه وورعه وحسن سياسته ليقرئهم القرآن، ويعلمهم شرائع الإسلام ويفقههم في دين الله، ولك وله الأجر العظيم، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً»([42]).

    ومن هناك انطلق عبد الله بن ياسين التمنارتي([43]) ليؤسس مشروع الإصلاح على أسس اجتماعية وسياسية قوية أنتجت دولة المرابطين.

    — الانتقال إلى أﮔﻠﻮ: انتقل الشيخ وﮔﺎﮒ - في تاريخ لا نعرفه بالضبط - إلى منطقة أﮔﻠﻮ الواقعة غرب مدينة تزنيت الحالية على بعد نحو 13 كلم، وهي منطقة ساحلية كانت بها عين ماء ثرارة، وبها مداشر، توجد بأحدها مدرسة وﮔﺎﮒ بن زلو([44]). ولا يبعد أن يكون الشيخ رحل إلى هناك بُعيد سفر تلميذه عبد الله بن ياسين إلى الصحراء سنة 430 ﻫ، وهناك استقر واشتغل بالتعليم والتربية والعبادة ونشر الخير حتى توفي سنة 445 ﻫ([45])، أما أسباب هذا الانتقال فمجهولة، والراجح أن ذلك كان لعدة أسباب، هي:

    — مواصلة محاربة المذاهب الضالة بسوس ممثلة في الشيعة البجلية بتارودانت والبورغواطيين بجبال جزولة ومنطقة ماسة([46])، وقد ذكر محمد المختار السوسي أن «البورغواطيين قد امتدوا حيناً إلى تلك الجهة حتى قيل إنهم وصلوا ماسة»([47]). كما ذكر صاحب "بيوتات فاس" أن عبد الله بن ياسين زحف على بلاد السوس لقتال أهلها من أهل الجبال التابعين لصالح بن طريف البورغواطي، قال: «فانهزم أهل السوس المتمسكون بما التمسه لهم صالح بن طريف، وقسم (يعني المرابطين من أتباعه) فيهم عبد الله بن ياسين سبيهم وأموالهم»([48]).

    — متابعة أعمال عبد الله بن ياسين عن قرب فمنطقة أﮔﻠﻮ أقرب إلى الصحراء من وادي نفيس، ومعلوم أنه كانت هناك مراسلات بين التمنارتي وشيخه اللمطي، فكان يستشيره ويرجع إليه في تدبير أموره بين اللمتونيين خاصة لما كثرت شكاواهم منه. بل إن البكري يورد رواية غريبة من أن اللمتونيين لَمّا خالفوا عبد الله بن ياسين طردوه فرجع إلى شيخه وﮔﺎﮒ الذي كاتبهم يشنع عليهم فعلهم وأمره بالرجوع إليهم، قال: «فعزلوه عن الرأي والمشورة، وقبضوا منه بيت مالهم، وطردوه وهدموا داره وانتهبوا ما فيها من أثاث وخرثى، فخرج مستخفياً من قبائل صنهاجة إلى أن أتى وجاج بن زلوى فقيه ملكوس، فعاتبهم وجاج على ما كان منهم إلى عبد الله، وأعلمهم أن من خلف أمر عبد الله فقد فارق الجماعة، وأن دمه هدر، وأمر عبد الله بالرجوع إليهم، فرجع..»([49]).

    ومهما يكن فإن التواصل بين الشيخ وﮔﺎﮒ وتلميذه الجزولي كان دائماً بالمراسلات وقد احتفظت المصادر التاريخية بواحدة منها تتضمن توضيح التمنارتي موقفه من شن الحروب على القبائل الخارجة عليه وتشدده في الحدود، بعد أن أنكر عليه شيخه ذلك، ورد في الرسالة: «أما إنكارك عليَّ ما فعلت، وندامتك على إرسالي فإنك أرسلتني إلى أمة كانت جاهلية.. وليس دأبهم إلا إغارات بعضهم على بعض، وقتل بعضهم بعضاً لا دية عندهم من الدماء ولا حرمة عندهم للحريم، ولا توقي بينهم في الأموال، فأخبرتهم بالمفروض عليهم والمسنون لهم والمحدود فيهم فمنهم من قبل واليته، ومن تولى أرديته، وما تجاوزت حكم الله ولا تعديته»([50]).

    ومن ناحية أخرى يذكر ابن خلدون في "تاريخه" أن وﮔﺎﮒ بن زلو هو الذي استدعى القبائل الصحراوية برئاسة تلميذه ابن ياسين للقدوم للجنوب المغربي وتغيير ما فيه من مناكر، قال: «ثم كتب إليهم وﮔﺎﮒ اللمطي بما نال المسلمين من العسف والجور من بني وانودين أمراء سجلماسة من مغراوة وحرضهم على تغيير أمرهم فخرجوا من الصحراء سنة خمس وأربعين وأربعمائة»([51]).

    — عودة الشيخ وﮔﺎﮒ إلى المناطق القريبة من مضارب قبيلته لمطة التي كانت مستقرة بأحواز وادي نون المعروف قديماً بنول لمطة، وهي القبيلة التي استجابت لدعوة المرابطين ودخلت طاعتهم ومكنتهم من ثلث أموالها بلا نزاع ولا حرب، فهل كان لانتماء وﮔﺎﮒ إلى هذه القبيلة علاقة بذلك، خاصة أنه توفي قبل أن يصل تلميذه إلى المنطقة، قال البكري: «ثم نهضوا إلى لمطة وسألوهم ثلث أموالهم ليطيب لهم بذلك الثلثان، وهكذا سن لهم عبد الله في الأموال المختلطة، فأجابوهم إلى ذلك ودخلوا معهم في دعوتهم »([52]).

    إن عمل الشيخ وﮔﺎﮒ بن زلو التعليمي والعلمي في رباطه بوادي نفيس ثم بمنطقة أﮔﻠﻮ مكنته من تحقيق الهدف الأساس الذي أسست عليه حركة الإصلاح المذهبي في القيروان والأندلس، وهو القضاء على الانحرافات والنحل الضالة، وتمثل ذلك في أمرين أساسيين:

    - معالجة الوضع القائم بالتصدي لهذه المذاهب والنحل من خلال حركة تعليمية اجتماعية ترمي إلى تربية العامة وتفقيههم ودعتهم وتذكيرهم وتثبيتهم على دينهم ومنعهم من الانسياق مع دعوات الانحراف والانقياد لدعاتها.

    - إعداد الأجيال الصاعدة وتكوينها على تغيير الواقع المنحرف الذي يعيشه المغرب آنذاك، سواء بالعمل العلمي التعليمي الدائم أو بالقوة العسكرية والدفاع المسلح.

    وقد أثمرت جهود الشيخ وﮔﺎﮒ بن زلو فخرج تلامذة مؤمنين بعقيدتهم ومذهبهم السني الصحيح مثل عبد الله بن ياسين الجزولي الذي حمل الدعوة إلى أعماق الصحراء، فأخرج القبائل الجاهلة المتناحرة مما كانت فيه من فتن مدلهمة، وحوّلها إلى موال للحركة الإصلاحية وعامل على دحر النحل والمذاهب الضالة، كما أسهم الطلبة الآخرون الذين انتشروا بالمغرب وجنوبه على وجه الخصوص في فسح المجال للمرابطين وقائدهم بتعاونهم معهم وحث الناس على التأسي بهم وعصيان الأمراء الظلمة ومحاربتهم، لذلك لم يكد تصل الجيوش المرابطية إلى جنوب المغرب حتى انضم إليها الناس لتغيير الواقع وهدم ما تبقى من بلاطات الجور والظلم والانحراف في سجلماسة وترودانت وماسة([53])، وتمكن المرابطون من السيطرة على المنطقة دون مقاومة تذكر، وما ذلك إلا بفضل جهود طلبة الشيخ وﮔﺎﮒ الذين نشأوا على فكرة الإصلاح وظاهروا حركة المرابطين ونشروا فضلها بين الناس، قبل أ تصل إلى المنطقة.

    فكان للشيخ وﮔﺎﮒ الفضل في نقل التقاليد العلمية وترسيخها بالجنوب المغربي بل في غرب إفريقيا كله، فقد فتح هناك أول مدرسة علمية بدار المرابطين بأﮔﻠﻮ، وتخرج على يديه جم غفير من الطلبة، أرسلهم شيخهم كما أرسل عبد الله بن ياسين إلى القبائل ومساجدها ورباطاتها، ليعلموا ويؤدبوا وينشروا الخير بين الناس، مثل أولاده خاصة ياسين المستقر بتارودانت بأيت صواب، وابن أخيه الذي كان اقترح عليه الذهاب مع الكدالي إلى الصحراء قبل ابن ياسين...، كون هؤلاء الفقهاء أساس الإصلاح الفكري والعقدي السني بمنطقة سوس، ومكّنوا لمذهب مالك المتميز بالشدة في الحق والصلابة في الدفاع عنه، حيث أعدوا البيئة المناسبة، وكانت تعوزهم القوة والقدرة لتغيير ما تشهده مناطقهم من تفكك وتشرذم فدعوا اللمتونيين إلى الجهاد بجنوب المغرب لتنظيفه مما فيه من ملل ونحل منحرفة وما فيه من مناكر وضلالات، وقد أدى زحف عبد الله بن ياسين بمعية المرابطين إلى إنهاء تلك المظاهر وتوحيد المنطقة ثم المغرب كله تحت لواء مذهب السنة والجماعة وتحكيم الشرع الرباني وتَنْزِيله على المجتمع، بضمان الحقوق وتكريس الواجبات، وتمكين المجتمع من الاستقرار والانشغال بالنهضة والتنمية، فكان ذلك إيذاناً بانطلاق عهد جديد مؤسس للشخصية المغربية ونبوغها الفكري والمعرفي.


    خاتمة

    من خلال ما مر نستخلص أن وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي - بالرغم من قلة ما نعرفه عنه، وندرة ما أوردته عنه المصادر التاريخية - كان له دور عظيم في تثبيت حركة الإصلاح المالكي في القرنين الرابع والخامس للهجرة، وقد تأتى له ذلك بفضل جهوده في التدريس والتعليم والدعوة العامة والوعظ والتذكير، وأثمرت جهوده فخرج تلميذه عبد الله بن ياسين الجزولي الذي نظم القبائل اللمتونية وجعل منها قوة إصلاحية ضاربة، مكنت من توحيد المغرب سياسياً في دولة واحدة مركزية قوية، وجمع كلمة المغاربة على مذهب الإمام مالك المعتز بالسنة والجماعة، فنعم المغرب بالأمن الاجتماعي والعقدي تفرغ المغاربة للتنمية الشاملة ولتأسيس شخصيتهم العلمية والفكرية المبنية على القيم الإسلامية السمحة واليت أتت أكلها في عهود الدول المتلاحقة منذ ذلك العهد إلى الآن، وما ذلك كله إلا بفضل الشيخ وﮔﺎﮒ.. يقول محمد المختار السوسي معلقاً على ترجمته المختصرة في المصادر وما نعت به في بعض المقيدات من كونه ولياً صاحب كرامات:

    «الذي عرف به وﮔﺎﮒ في التاريخ أنه أكبر عالم تحرير وفقيه ورع كما وصفه به شيخه أبو عمران، جدير بأن يكون تلميذاً متخرجاً بأبي عمران الفاسي المتخرج بالباقلاني في بغداد. وناهيك بمن يرتضي عبد الله بن ياسين أن يجثم بيه يديه بعدما أخذ عن فطالحة الأندلس في مفتتح القرن الخامس الهجري. وهل يجثم إلا بين يدي من ليس من دون أولئك الفطاحل؟ ثم إن تلك الهمة الفذة التي أسست مدرسة في جوف البادية، وملأها بالطلبة واستطاع أن يفتح قلوباً غلفا حتى يستطيع من عرض أبنائها فرد أحوذى أن يغامر في سبيل نشر الإسلام، فيصحر ثم لم يلبث إلا قليل حتى ساق بين يديه كل الصحراويين مؤمنين مغاوير فيستنقذون المغرب والجزائر والأندلس، في القرن الخامس، من براثين الاحتلال الإسباني الغاشم، فتلك هي الحياة التي يجب أن يعرف بها وﮔﺎﮒ وكفى بها مفخرة دائمة، وأحدوثة خالدة»([54]).



    ([1]) حسن أحمد محمود، قيام دولة المرابطين، دار الفكر العربي، القاهرة، د.ت، ص. 93.

    ([2]) راجع التعريف به ومصادرها في "رياض النفوس" لعبد الله بن محمد المالكي، تحقيق بشير البكوش ومحمد العروسي المطوي، دار الغرب الإسلامي، ط. 2، 1414/ 1994، ج 1، ص. 345.

    ([3]) القاضي عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تحقيق عبد القادر الصحراوي، منشورات وزارة الأوقاف، الرباط، 1983، ج 4، ص. 204.

    ([4]) ترجمته ومصادرها في رياض النفوس، ج 1، ص. 490.

    ([5]) تراجع ترجمته في ترتيب المدارك، للقاضي عياض، تحقيق عبد القادر الصحراوي، منشورات وزارة الأوقاف، الرباط، 1968، ج 3، ص. 379.

    ([6]) كانت لفقهاء القيروان على وجه الخصوص ملاحم عظيمة في مقارعة العبيديين ومحاربتهم دوَّن فصولاً منها القاضي عياض في كتابه "ترتيب المدارك"، في مواضع متفرقة منه، وفي معالم الإيمان في مواضع متفرقة منه. (انظر مثلاً ترجمة جبلة بن حمود، تحقيق محمد الأحمدي أبو النور ومحمد ماضور، مكتبة الخانجي والمكتبة العتيقة بتونس، ج 2، ص. 272).

    ([7]) حسن أحمد محمود، قيام دولة المرابطين، دار الفكر العربي، ص. 95.

    ([8]) المرجع نفسه، ص. 98.

    ([9]) قيام دولة المرابطين، مرجع سابق، صص. 98-99.

    ([10]) أنظر الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين، القابسي، تحقيق أحمد خالد، الشركة التونسية للتوزيع، ط. 1، 1986؛ وكتاب آداب المعلمين، لابن سحنون، تقديم وتحقيق محمود عبد المولى، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1969.

    ([11]) معالم الإيمان، ج 2، ص. 270.

    ([12]) المصدر نفسه، ص. 295 وما بعدها.

    ([13]) ترتيب المدارك، مصدر سابق، ج 4، ص. 122.

    ([14]) المصدر نفسه، ص. 435.

    ([15]) تراجع تراجم هؤلاء الأعلام في: "ترتيب المدارك" و"معالم السنن" و"رياض النفوس"...

    ([16]) تراجع ترجمته في ترتيب المدارك، مصدر سابق، ج 6، ص. 215.

    ([17]) أبو عمران الفاسي الغفجومي حافظ متفوق درس بالمغرب وبالقيروان والعراق والأندلس ثم عاد إلى فاس متفرغاً للتدريس حتى أخرج منها فاستقر بالقيروان وبقي بها إلى وفاته سنة 430 ﻫ وقد أخذ عنه جم غفير من الطلبة واستفادوا من علمه وأخلاقه (انظر ترجمته عند القاضي عياض، ترتيب المدارك، ج 7، ص. 243-252).

    ([18]) ذكر البكري مدينة نول فقال: «ومدينة نول آخر مدن الإسلام وهي في أول الصحراء ونهرها يصب في البحر المحيط»، (أنظر: المغرب في ذكر إفريقية والمغرب، صص. 161-162).

    ([19]) مجهول، الاستبصار في عجائب الأمصار، نشر وتعليق سعد زغلول عبد الحميد، دار الشؤون الثقافية العامة، العراق، (د.ت)، ص. 211.

    ([20]) ج 11، ص. 33.

    ([21]) كما ورد عند ابن خلدون في "تاريخه"، ج 6، ص. 182.

    ([22]) Charles de Foucault, Dictionnaire Touareg-Français, T. 1, p. 408.

    وقد طبع المعجم مصوراً بخط مؤلفه في أربعة أجزاء ضخام، وهو الآن في حكم النادر ومنه نسخة مجانية مصورة على الموقع التالي: http://d1.free.fr/getfile.p1?file=/0NZRhFd4

    ([23]) أنظر كذلك التشوف إلى رجال التصوف، ص. 89 هامش المحقق رقم 24. و:

    La langue berbère à travers l'onomastique médiévale: El-Bekri, Salem Chaker, Revue de l'Occident musulman et de la Méditerranée, année 1983, VoL. 35, p. 128.

    ويرى سالم شاكر أن اللفظة كانت سائدة بالأمازيغية المغربية ولكنها سرعان ما عوضت بكلمة الفقيه وبقي استعمال كلمة (أﮔﺎﮒ) عند الطوارق في شمال مالي.

    ([24]) بيوتات فاس الكبرى، شارك فيه ابن الأحمر، ص. 28، دار المنصور، الرباط، 1972.

    ([25]) وقد نقل ذلك العلامة محمد المنوني في مقاله: «المؤسسات التعليمية الأولى بسوس»، مجلة المناهل، العدد 34، ص. 36.

    ([26]) المعسول، ج 11، ص. 3.

    ([27]) ابن أبي زرع، الأنيس المطرب بروض القرطاس، ص. 123.

    ([28]) أنظر مثلاً التراجم التي ساقها المالكي في "رياض النفوس"، بجزأيه.

    ([29]) أنظر حول أدوار الرباطات: عبد الريم الشّبلي، «الأربطة والمرابطة بإفريقية من خلال النوازل المالكية (ق. 8-10 م)»، مجلة التاريخ العربي، العدد 25، شتاء 2003، ص. 195 تصدر عن الجمعية المغربية للمؤرخين، الرباط.

    ([30]) قال ابن خلدون: «كان منهم الفقيه وﮔﺎﮒ بن زيرك صاحب أبى عمران الفاسي وكان نزل سجلماسة ومن تلامذته كان عبد الله بن ياسين صاحب الدولة اللمتونية على ما مر»، كتاب "العبر"، ج 6، ص. 203.

    ([31]) أبو عبيد البكري، المغرب في ذكر إفريقية والمغرب، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، (د.ت)، ص. 165.

    ([32]) المصدر نفسه، ص. 153.

    ([33]) أنظر: التشوف للزيات، صص. 90-91 وهامش 28، وقارن بما في دور المرابطين في نشر الإسلام في غرب إفريقيا، عصمت عبد اللطيف دندش، دار الغرب الإسلامي، 1988، ص. 90.

    ([34]) يقصد الحكاية التي وردت في كتاب "التشوف" عن رحلة المصامدة إلى وﮔﺎﮒ يستسقون به، (أنظر: التشوف، ص. 89).

    ([35]) المعسول، ج 11، ص. 37.

    ([36]) رسالة صغيرة ألفها صالح بن أبي صالح عبد الحليم المصمودي، حول مسألة القبلة في المغرب، مخطوط الخزانة العامة رقم: 985 ق، وصدر بتحقيق المستشرقة الإسبانية مونيكا ريوس تحت عنوان "القبلة في الأندلس والمغرب الأقصى، في 61 صفحة للنص العربي، وطبع ضمن منشورات معهد "مياس فاليكروزة للتراث العلمي العربي بكلية الآداب ببرشلونة سنة 2000. غير أن هذه الطبعة مليئة بالتصحيفات، وأكثر ما وضعته المحققة في الهوامش هو الصحيح خاصة بالنسبة لأسماء الأعلام، ومرد ذلك إلى ضعف معرفتها بالعربية والأمازيغية - لغة أسماء الأعلام - على السواء وقلة معرفتها بالمجال الذي يعالجه المخطوط وهو علم الفقه. وأشكر بالمناسبة أخي الأستاذ أحمد بن محمد السعيدي على إتحافي بهذه النسخة المصورة من أستاذنا الدكتور محمد المغراوي حفظه الله بكلية الآداب بالرباط.

    ([37]) رسالة القبلة، المخطوط، ص 16 والمطبوع، صص. 45-46. وقد استخدمنا في كتابة أسماء الأعلام ما يردها إلى نطقها الأصلي الأمازيغي مثل اﻟﮕﺎف واﻟژاي (الزاي المفخمة).

    ([38]) التشوف، مصدر سابق، ص. 89 هامش: 24.

    ([39]) رسالة القبلة، ص. 47.

    ([40]) المصدر نفسه، ص. 44.

    ([41]) الأنيس المطرب بروض القرطاس، ص. 123.

    ([42]) الاستقصا، مصدر سابق، ج 2، ص. 6.

    ([43]) نسبة إلى تمنارت وهي منطقة بها عدة قرى في جنوب المغرب وقد وردت مصحفة بتاماناوت في "المغرب..." للبكري، ص. 165. ونقل ذلك التصحيف عدد من الباحثين الذين لا يعرفون المنطقة ولا أعلامها، (أنظر مثلاً: دور المرابطين في نشر الإسلام في غرب إفريقيا، عصمت دندش،
    ص. 62)، وأعجب لتأويل المؤلفة اسم قبيلة جزولة (إﻳﮕﻮزولن) الموجودة في جبال سوس إلى ﮔﺪالة (إﻳﮕﺪالن) الموجودة في الصحراء، (وراجع تعريف عبد الله بن ياسين عند المختار السوسي في "المعسول"، ج 11، ص. 39).

    ([44]) معاينة شخصية وزيارات متعددة للمكان المذكور فيما بين سنتي 1992 و2009.

    ([45]) لم يشر أي مصدر إلى تاريخ وفاة العلامة وﮔﺎﮒ، إلا ما كان من الأستاذ محمد بن عبد الله الروداني الذي ذكر في تحقيقه كتاب "إيليغ قديماً وحديثاً، أنه توفي في هذا التاريخ دون ذكر المصدر، (أنظر: ص. 7، المطبعة الملكية 1966).

    ([46]) المدارس العلمية العتيقة بالمغرب وإشعاعها العلمي والأدبي، المدرسة الإلغية بسوس نموذجاً، المهدي بن محمد السعيدي، منشورات وزارة الأوقاف، الرباط، 2006، ص. 26.

    ([47]) محمد المختار السوسي، ص. 16.

    ([48]) ص. 29، ولعل قائلاً يقول إن اسم سوس في هذه المرحلة الوسيطة كان يطلق على رقعة واسعة من بلاد المغرب غير أن مراجعة نص ما ورد في بيوتات فاس يظهر أن المقصود السوس الأقصى بدليل حديث المؤلف عن فتح بلاد السوس والزحف إلى درعة وسجلماسة ثم المصامدة وهزميرة وهيلانة ووريكة وأغمات.

    ([49]) المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، ص. 166، ونرى هنا أن الشيخ وﮔﺎﮒ ما زال مقيماً بملكوس لما رجع إليه عبد الله بن ياسين، ومن هنا نعرف أنه تأخر في الانتقال إلى أﮔﻠﻮ..

    ([50]) النويري، نيل الأرب، ص. 22.

    ([51]) كتاب العبر، مصدر سابق، ج 6، ص. 183.

    ([52]) المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، مصدر سابق، ص. 166.

    ([53]) المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، مصدر سابق، ص. 166 وما بعدها.

    ([54]) المعسول، مصدر سابق، ج 11، ص. 38.

    Admin
    Admin

    المساهمات : 397
    تاريخ التسجيل : 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء أبريل 17, 2012 5:22 pm

    *الأصول الفكرية لدولة المرابطين..**وآثارها الصحراوية** *

    * *

    *تقديم*

    *يرمي هذا العمل إلى استبيان ملامح القاعدة الفكرية التي على أساسها قامت دعوة
    المرابطين في صحراء صنهاجة خلال القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي.
    وبذلك فإن هذه المراجعة تندرج في سياق المساهمة في إحياء تاريخ الحقبة
    المرابطية، الذي لا يزال بحاجة إلى دراسات معمقة تقدم معطياته بوجهها الحقيقي،
    لا سيما وأن بعض دارسي هذه الحقبة قد حاولوا إبقاء التاريخ الثقافي المرابطي
    وشواهده غميسة أو هامشية. ومن ذلك زعمهم أن هؤلاء الظواعن الصحراويين قد قضوا
    على رونق الحضارة الزاهر في الأندلس وأعدموا الذِّمَاء الباقي من الثقافة في
    المغرب([1]). وهو مردود منطقياً وتاريخياً.*

    *لكن هناك أعمالاً لها قيمتها التي لا تنكر، أنجزت حول المرابطين، لكنها مع ما
    تحوزه من دقة معرفية، لم تتناول بشمولية دور العامل الفكري في تاريخ الحركة.
    وقد يكون هذا القصور راجعاً إلى اعتبارات منهجية بحتة فرضت نفسها على مُنْجزي
    تلك الأعمال، كضرورة تركيزهم على قضايا بعينها([2])، أو لاندراج إسهاماتهم ضمن
    حقول أخرى غير تاريخ الذهنيات([3]).*

    *وبالرغم من ذلك فإن هناك قراءات بارزة حاولت وضع الحركة في سياقها الفكري -
    الإصلاحي، حيث لفتت الانتباه إلى منْزلة الحركة المرابطية من المد السني
    الأشعري الذي ساد المشرق إبان صعود الحركة، كما أكدت على دور قادة هذا المدّ
    في التهيئة للدعوة المرابطية، معتبرة بذلك عبد الله بن ياسين وسلفه من
    الفقهاء، جزءاً من شبكة الدعاة السنيين العباسيين الذين حاولوا الالتفاف حول
    الحركات الباطنية وذلك بتطويقها من الشرق والغرب الإسلاميين.*

    *ونحن نقبل هذا الطرح في خطوطه العريضة لكنه يظل مثغوراً ما لم يُفهم الدور
    الذي قامت به المدرسة الأشعرية في التمهيد لعملية توحيدية حاسمة كتلك التي قام
    بها ابن ياسين وأمدها ومهّد لها فقهاء المالكية في الغرب الإسلامي، دون أن
    يعني ذلك أي حضور بارز للأشعرية في التّديُّن المرابطي.*

    *والمعروف نشر المرابطين للإسلام السني في الصحراء والمناطق التي افتتحوها، لكن
    المتفحص لهذه الوحدة العقدية يلاحظ غياب دور واضح فيها للأشعرية، رغم أن هذه
    الأخيرة كانت من مشمولات الخطاب الفكري المرابطي، من حيث وجود الأفكار
    الأشعرية لدى كبار العلماء المشارقة وبعض المغاربة ممن كانوا شيوخاً لسلاسل
    فقهاء المشروع المرابطي. وكذلك بالنظر إلى مقتضيات الظرف التاريخي التي جعلت
    الحركة المرابطية جزءاً من حركة المدّ السني المعنية.*

    *ومن هنا ينبغي التساؤل عما إذا كان المحمول السياسي للأشعرية ممثلاً في
    الشرعية العباسية هو وحده الذي انتقل إلى الفضاء الفكري الممهّد للحركة؟ وما
    هي الظرفية المركبة التي اكتنفت علاقة الأشعرية بالفقهاء في المغرب الإسلامي
    ثم الإسلام المرابطي.*

    *وهل يتعلق الأمر بكون الدعوة المرابطية لم تكن أبداً إلا مشروعاً مالكياً
    خاصاً بهموم الفقهاء في المغرب الأقصى؟*

    *أم أن حقل الدعوة المرابطية وخصوصيته كانت هي العوامل الحاسمة في عملية
    الاختيارات الفكرية الكبرى للحركة المرابطية؟*

    *إنه للإجابة عن مختلف هذه الأسئلة، يقتضي الأمر الحديث عن طبيعة الإسلام
    الصنهاجي بوصفه المجال الذي غيرت فيه دعوة الحق ومنه انطلقت فاتحة وموحدة.*

    * *

    *خصوصية حقل الدعوة المرابطية*

    *يبدو أن صنهاجة الصحراء قد تعرفوا على الإسلام لأول مرة بعد اصطدامهم بحملات
    الفتح العربي، وهو الاصطدام الذي مس بشكل خاص المجموعات الصنهاجية الأكثر
    تغلغلاً في السوس الأقصى([4])، إلا أن هذه العملية لم تؤدّ إلى أسلمة
    المغزوِّين لأن المصادر تحدثت بعد ذلك عن سرايا عربية ظلت تنطلق من السوس في
    اتجاه الصحراء وافترض أنها وصلت إلى حدود نهر السنغال([5]).*

    *والمفهوم أن هذه العمليات الحربية الخاطفة كانت موجهة ضد الاتحاد الصنهاجي
    الذي يقوده أمراء عشيرة "أنْبيتا" اللمتونية، والذي استمر مسيطراً على أودغست
    306 ﻫ/ 918 م([6])، حيث أنه بعد انفراط هذا التحالف لم تشر المصادر إلى حملات
    أخرى على المنطقة. فهل يتعلق الأمر بحصول سكان الصحراء آنذاك على درجة من
    الأسلمة كافية لحمايتهم من بطش الفاتحين؟*

    *نحسب أن الأمر كان كذلك وإلا لما ذكر الإخباريون أن صنهاجة في تلك الفترة
    كانوا على السنة مجاهدون للسودان، وأن رئيس حلفهم عبد الله بن تفاوت كان «من
    أهل الفضل والدين والحج والجهاد»([7]).*

    *إلا أن هذا الإسلام «السني» و«الجهاد» ضد مشركي السودان قد لا يعني تعميق
    الأسلمة بين الصنهاجيين بدليل سطحية إسلامهم التي كشف عنها بدءاً أمر
    المرابطين. بل إن قصارى ما يمكن فهمه من تلك «السنية» هو تميز الإسلام الصنهاجي
    على ما يجاوره من الدوائر الدينية والمذهبية المنتشرة آنذاك حول الصحراء، ومن
    هنا لم ينسب الصنهاجيون إلى أي من تلك الفرق والمذهب، وبذا لم يصنفوا ضمن
    الكتابات التي أشارت إليهم إلا في عداد أهل السنة([8]).*

    *ولكن هل كانت هذه الخصوصية التي اتسم بها إسلام صنهاجة الأول، عاملاً حاسماً
    من بين المؤثرات الهامة الأخرى، في الاختيارات الفكرية للحركة المرابطية؟ أو
    بتعبير آخر هل إن سنية المرابطين كانت مرتبطة بحقل الدعوة الأول؟ بحيث ما كان
    لهذا الحقل أن يتقبل أسلمة لا تستجيب لخصوصيته التاريخية "العقدية" التي ميزته
    عن الدوائر المذهبية المحيطة به؟*

    *إن الباحثين([9]) يربطون بين المشروع المرابطي وعملية المد السني التي بدأها
    الأشاعرة على مستوى المشرق، أي أنهم يعتبرون الحركة المرابطية عملية تطويق من
    الغرب للمذهب الإسماعيلي استكمالاً للدور الذي قام به السلاجقة شرقاً،
    وبالتالي فإن رحلة زعيم صنهاجة الصحراء يحيى بن إبراهيم الكدالي إلى الحج كانت
    قد تأثرت بهذا المد السني، خصوصاً وأن موسم الحج غالباً ما يكون مرتعاً خصباً
    للفرق الإسلامية التي تتلقف فيه حجاج الآفاق لتنشر بينهم مبادئها وآرائها([10]).
    فمن غير المستبعد أن يكون الدعاة السنيون (في مكة؟ في المدينة؟ في القيروان؟)
    هم الذين بادروا بالاتصال بيحيى بن إبراهيم وعرضوا عليه مرشداً ومربياً ليعرف
    قومه على شؤون الإسلام وأحكامه([11])، أو لعلهم أحالوا الأمير الصنهاجي إلى
    قادة المالكية في القيروان لقربهم من بلاده نسبياً، ولدرايتهم بشؤون الغرب
    الإسلامي([12])، ومن هنا يصبح داعنة المرابطين الأول عبد الله بن ياسين
    وخلفاؤه وأشياخهم مندرجين في سلسلة من الدعاة السنيين العباسيين([13]).*

    *إننا نقبل مثل هذه الطروحات لكنها مع ذلك تظل قائمة ما لم يفهم الدور الذي
    لعبته الأشعرية في التمهيد للحركة المرابطية أو بمعنى آخر ما لم تفهم صلة
    الأشاعرة بالمشرق بشبكة الفقهاء المالكيين التي نظرت لحركة المرابطين، أو
    بمعنى آخر أي بكلمة واحدة قياس منْزِلة العقد الأشعري من المشروع الفكري
    المرابطي عموماً.*

    * *

    *البعد الأشعري للحركة المرابطية*

    * أولاً يجب التذكير بموقف المالكية عموماً من علم الكلام ومن العقائد التي
    تستخدمه لإكمال «معقولية» أنساقها الفكرية.*

    *لقد كانت العقيدة السلفية التي يرأس القائلين بها الإمام مالك وباقي الأئمة
    الأربعة «عقيدة خالية من أساليب علم الكلام وأهله، تقرر العقائد بدءاً ولا
    تعالجها عقلاً»([14]). أما بناء الخطاب «الكلامي» الأشعري من عقيدة أهل السنة،
    التي أصبحت تجمع بين عقيدة أهل السلف وآراء الأشاعرة، فقد تَمّ مع أبي الحسن
    علي بن إسماعيل الأشعري الذي كان متكلماً معتزلياً ثم تحول إلى عقيدة السلف
    ولكنه حمل معه آراءه الكلامية فحاول بناء عقد سني وسطي بين رأي أهل الحديث
    والأثر "السلف" الدعاية إلى التزام حرفية النصوص وتجنب استعمال العقل، وموقف
    الاعتزال الداعي إلى جعل العقل رائداً مما جعل مذهب الأشعري على حد رأي
    الباحثين([15]) يعكس تيارين فكريين متعارضين ظلاً متعايشين في مذهبه. ومن هنا
    إبهامية المذهب الأشعري وازدواجيته، ومن هنا أيضاً ذلك الموقف الحذر إن لم نقل
    المعارض الذي يوجبه به هذا العقد في الأوساط السنية، فابن الجوزي، وهو من
    الحنابلة المتأخرين ذهب إلى اعتبار الأشعري أحد المسؤولين عن «تلبيس العقائد»
    حيث يقول: «إن الأشعري ظل على مذهب المعتزلة زمناً طويلاً ثم تركه، وأتى
    بمقالة خبط بها عقائد الناس»([16])، وهذا ما يفسر الخصومة الشهيرة بين
    الحنابلة والأشاعرة في بغداد.*

    *أما المالكيون فقد كان موقفهم متشدداً في رفض علم الكلام أسوة بالإمام مالك
    الذي حارب علم الكلام بشدة، خصوصاً في مسألة الصفات وعلاقتها بالذات. كما كان
    يرفض الرد العقلي على البدع، لأنه في رأيه رد بدعة ببدعة. وتظهر سلفية عقيدة
    مالك في أنه كان([17]) يغلب التنْزِيه في الصفات، ويأمر بأن بفهم الآيات
    المتحدثة عن الصفات (كما جاءت) لا بمعنى إجرائها على ظاهر النص فحسب، بل
    ويشترط أن لا يؤدي ذلك إلى مشابهة الله بالمخلوقين([18])، إلا أن النفس
    الأشعري مع ذلك قد تسرب إلى آراء وكتابات فقهاء المالكية بالقيروان خصوصاً
    إبان ظهور شيخ الأشاعرة ببغداد أبي بكر الباقلاني (ت. 404 ﻫ/ 1013 م) ([19]) الذي
    انتشرت آراؤه وكتبه وتوزع أتباعه في أمصار الإسلام، وكان من أعظم المتصلين به
    من بين المالكيين في القيروان المنظر الأول للمشروع المرابطي الفقيه أبو عمران
    الفاسي (ت. 420 ﻫ/ 1028 م) فهل انتقلت الأشعرية عبر هذا الفقيه إلى فقهاء
    المشروع المرابطي؟ أم إن هناك خصوصية في مستوى التلقي المعرفي بين المعنيين
    إلى جانب عوامل خاصة بحقل الدعوة الأول حالت دون حضور قوي للأشعرية في الإسلام
    المرابطي في الصحراء والمغرب؟*

    * *

    *خصوصية التلقي المعرفي*

    *لقد اعتمدت الدعاية السنية على الأشعرية كخطاب سني وسطي، إذ لم يكن لعقيدة
    السلف أن تقاوم، في نظر أصحاب هذا المشروع، الحركات الباطنية وفرق الزندقة
    المتشعبة بالموروث العقلاني الفلسفي والآراء والأفكار الغامضة لحضارة ما قبل
    الإسلام. غير أن الأشاعرة قد عرفوا نهضتهم البارزة بشكل خاص على يد القاضي
    الباقلاني الذي كان ظهوره بالغ الحسن الأشعري فتصدر للإمامة في طريقته فهذبها
    ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار([20]) فضلاً عن أنه
    كان مالكي المذهب بل إنه قد «انتهت إليه رئاسة المالكية في وقته»([21])، وقد
    نشر الباقلاني تلاميذه في الأقطار من أجل الدفاع عن الأشعرية([22])، فهل انتقلت
    الأشعرية ومحمولها السياسي إلى فكر الفاسي فنقلها هو بدوره إلى أتباعه؟ إن
    الفاسي كان يعلن التزامه بالشرعية العباسية ويدافع عنه([23])، ولعل هذا هو ما
    انتقل إليه من المحمول السياسي لذلك التأثير الأشعري، أما عن علاقته بالأشعرية
    فإن الفاسي كان أولاً قد شد الرحال من بلده فاس إلى القيروان وبها تفقه بأبي
    الحسن القابسي([24])، ورغم أن القابسي لم يكن تلميذاً للباقلاني لكنه من طبقته
    حيث توفيا في نفس السنة (3-404) واشتركا في بعض التلاميذ. لكن الذي لا شك فيه
    هو أن القابسي قد اطلع على أشعرية الباقلاني وأفاد منها، فقد كانت له رحلة إلى
    المشرق([25])، غير أنه من الواضح أن القابسي لم يكن يلقن تلاميذه غير آراء
    مالك في العقيدة والتي هي في الأساس «عقيدة أهل السلف»([26])، كما لم يؤثر عن
    صنهاجة الصحراء أنهم اتصلوا بهذا الفقيه عبر استفتاءات وأسئلة موجهة إليه
    تماثل تلك التي كانت تصله من تجار القيروان والغرب الإسلامي ممن كانوا ينتشرون
    في الصحراء، خصوصاً في مدن تادمكه وأوداغست([27]). ومن هنا لم يتعرف أبو عمران
    على الأشعرية من خلال القابسي ولكنه إن كان قد عرفها فمن طريق المالكية وشيخه
    الباقلاني، فقد شد أبو عمران الرحلة إلى المغرب وعندما وصل إلى بغداد اجتذبته
    حلقات فقه العلوم([28])، وللوهلة الأولى يجب التأكيد على أن الفاسي لم يدرس
    حسب رأي عياض السبتي على الباقلاني غير علم الأصول([29])، إلا أن عملية التلقي
    هذه قد تركت في نفس الفاسي أثراً عميقاً جعلته يتحدث عنها قائلاً إن شيخه
    الباقلاني «سيف أهل السنة في زمانه، وإمام متكلمي أهل الحق في وقتنا (...) وقد
    رحلت إلى بغداد وكنت قد تفقهت بالمغرب والأندلس عند أبي الحسن القابسي وأبي
    محمد الأصلي وكانا عالمين بالأصول فلما حضرت مجلس القاضي أبي بكر رأيت كلامه
    في الأصول والفقه والمؤالف والمخالف حقرت نفسي وقلت: لا أعلم من العلم شيئاً
    ورجعت عنده كالمبتدئ...»([30]). إن الفاسي هنا يتحدث عن آراء شيخه باعتبارها
    «طريقة أهل الحق» وهو مفهوم فضفاض لا يعبر عن اقتناعه بأراء الأشعرية، وذلك
    لأنه لم يدرسها ابتداء إلى جانب معارفه من الفقه والأصول التي رده الباقلاني
    فيها "كالمبتدئ" ثم إنه من المأثور عن الفاسي أنه وصل إلى بغداد وهو لا يحسن
    إقامة الدليل "الكلامي" على قضايا الشريعة([31])، اللهم إلا إذا كانت عودته
    إلى القيروان وما حسمه فيها من قضايا كانت تشوش عقائد العامة([32]) واقعاً
    يؤكد حصوله على زاد أشعري تلقاه في بغداد وأبقاه طي الكتمان جرياً على سنن
    اتخذه الباقلاني إزاء علوم "الأوائل"([33]). ومهما يكن الأمر فإن الفاسي لم
    يعلن "آراءه" الأشعرية في القيروان بل بقي ينشر مورث الأصول الذي تلقاه عن
    الباقلاني، وعلوم الحديث التي درسها على أبي ذر الهروي في مكة([34]). كما أنه
    لم يترك نصاً يفيد تأثره بالعقد الأشعري بل إن تآليفه قليلة نادرة أشهرها
    "كتاب التعاليق على المدونة" وهو مؤلف في فقه المالكية قليل التداول([35]).
    وحتى إذا كان الفاسي قد تعمق في الفقه الأشعري وآراء أهل الكلام فإن هذا
    الجانب من زاده العلمي لم ينشر بين تلاميذه خصوصاً وجاج بن زلوه الذي درس عليه
    داعية المرابطين عبد الله ابن ياسين، والظاهر أن أبا عمران الفاسي كان يؤثر في
    تلاميذه بكيفيات مختلفة تعاليمهم الفكرية ومشاغلهم الخاصة، لذا كان منهم من
    غلب عليه التأثر بالفقه ومنهم من تأثر بعلمه في العقيدة إلى جانب علمه في
    الفقه وعلى حسب ذلك كانت آثارهم ونتائجهم([36]). فلعل هذا التقليد وحده هو ما
    انتقل من الفاسي إلى وجاج ثم إلى ابن ياسين ومن هنا عمل هذا الأخير على إشاعة
    العقد السلفي في الصحراء ولم يستطع أن يخرج على ذلك السنن المالكي الصارم رغم
    أنه كان قد دخل الأندلس ودرس بها علوماً كثيرة وصف معها أن كان مشاركاً في بعض
    العلوم التي قد تكون زاداً من "علوم الأوائل([37]). ورغم أهمية هذه العوامل في
    الحد من انتشار الأشعرية بين فقهاء المرابطين الأول إلا أنها عوامل تظل متصلة
    بتقاليد المعرفة أي بالنسق الفكري وآلياته، وهي بذلك على أهميتها، تبقى غير
    حاسمة في الإجابة عن أسباب غياب الأشعرية في عملية الأسلمة المرابطية على
    مستوى صحراء "الملثمين".*

    * *

    *مستوى الحاجة الفكري*

    *إننا نحسب أن خصوصية الحق الذي نشطت فيه دعوة فقهاء المالكية بالقيروان ثم
    بالمغرب الأقصى والصحراء، هي الفيصل في عملية الاختيارات العقدية الأساسية
    للحركة المرابطية. إذ أن تبني أي نسق فكري أو سياسي من قبل دعوة أو حركة يظل
    مرتبطاً أشد الارتباط بمدى الحاجة إلى توظيف هذا النسق أو ذاك من أجل إنجاح
    المشروع المستهدف. ومن هنا كانت حاجة القوى السنية في المشرق إلى العقد
    الأشعري (الذي يحتفظ بقليل أو كثير من المشروعية السنية السلفية وتحذق أصحابه
    أساليب الحجاج والنظر) لمواجهة الخصوم الباطنيين المتسلحين بموروث الفكري
    الغنوصي والمانوي وآراء الملل والنحل المختلفة أي أن طبيعة التهديد قد حددت
    منذ البداية نوعية السلاح والأمر نفسه يصدق على محاولة الحركة الإسماعيلية في
    الغرب الإسلامي، حيث نجحوا سياسياً بفضل تركيزهم على الجانب التنظيمي السياسي
    واكتفائهم على مستوى الأفكار بنشر فكرة المهدوية بغية جمع الولاء القبلي
    البربري حول فكرة الدفاع عن حق آل البيت([38])، ولم يحاولوا نشر آراء
    الإسماعيلية في مستوياتها الباطنية في نفس المحيط البربري بين مجموعات لا
    تستطيع تقبل واستيعاب الأفكار الباطنية المعقدة إلا إذا تبلورت في شعارات تحرك
    العواطف، ومن هنا فإن طبيعة الحقل الذي واجهته كل الدعوات ضمن الإطار الإسلامي
    ونوعية الخصوم كانت هي العوامل الأساسية التي بلورت نوعية الخطاب الذي تستلزمه
    كل دعوة وحركة. ونفتقد أن تلك الخصوصيات وغيرها من الظروف هي التي وعاها
    المالكيون في إفريقية ومنهم انتقلت إلى دعاة المرابطين الأول فساهمت بذلك في
    اختياراتهم الفكرية الأساسية فضلاً عن تأثير حقل الدعوة في الصحراء وظرفيتها
    السياسية في المغرب وطبيعة القائمين بالدعوة نفسها كل ذلك ساهم في نفس عملية
    الاختيار، ذلك لأننا إذا لم ننطلق من هذا المنحنى لا نستطيع سوى تقديم إجابة
    عائمة عن الأسباب التي جعلت ابن ياسين يتنكب المنهج الأشعري بل وأساليب علم
    الكلام من أساسها، ويولي وجهة شرط المالكية النصانية وآرائها التي تلائم الوسط
    البدوي الذي ينوي بعض الدعوة من أعماقه، إننا يمكن أن نرجع هذا التوجه
    وخصوصيته الدعوية إلى مستويين اثنين:*

    * *

    *أولاً: الخصوصية النسقية للمالكية: تتمثل هذه الخصوصية في التقليد العلمي
    المأثور عن مالك بن أنس والقاضي برفض «الرد العقلي على أهل البدع لأنه في رأيه
    رد بدعة ببدعة، ويرى ضرورة الرد عليها بالنقل»([39]). ولذا فإنه إذا جاء بعض
    أهل الأهواء كان يقول: «أما أنا فعلى بينة من ربي وأما أنت فشاك فاذهب إلى شاك
    مثلك فخاصمه»([40]). وهو تقليد ازداد صلابة على يد فقهاء الغرب الإسلامي سواء
    منهم أولئك الذين تلقى عنهم ابن ياسين فقه المالكية أو غيرهم من "الأعلام"
    الذين يندرج هو نفسه في سلكهم وقد تدعم هذا المنحى واشتد أثره في فكر ابن
    ياسين عندما خبر بنفسه طبيعة المناوئين لدعوته في صحراء الملثمين.*

    *ثانياً: محدودية عنصر الخصوم: لنفترض أن العقد الأشعري وما يصطنعه أصحابه من
    أساليب الحجاج والنظر كانت جلية واضحة في خطاب الدعوة المرابطي عند ابن ياسين،
    فضد من سيوظف هذا الأسلوب الفكري المجادل، وعنصر الخصوم الذي استدعى اصطناع
    مثل تلك الأساليب عنصر غير حاضر في صحراء الملثمين حضور يتأسس وجود أصحابه في
    إطار مشروع فكري إيديولوجي. ذلك أن صحراء الملثمين كانت تعرف بشكل خاص وجود
    نحل وديانات وفرق تتراوح بين الأديان السماوية والأفكار الوثنية إلى جانب
    المجموعات التي تعتنق آراء الفرق الإسلامية المبتدعة([41])، ولم يكن حضورها في
    المنطقة إلا حضوراً سياسياً واقتصادياً مما جعل مناوءتها ومصاوأتها من قبل
    المرابطين تغلب منازلة بالسيف والسنان لا بالقلم واللسان. ولعل هذه الخصوصية
    الدعوية هي التي جعلت بعض الباحثين يعتبر الدعوة المرابطية في الصحراء قد قامت
    بنشر الإسلام السني بدل مثيله الإباضي الذي كان قد انتشر في المنطقة على يد
    الدعاة الأباضيين الأول([42]).*

    *ويبقى السبب الحاسم في غياب الأشعرية من الفضاء المرابطي هو السبب الهيكلي
    المتمثل في عدم تقبل البدو الرحل للنّزعات الباطنية، والعقائد الموغلة في
    التجريد الذي تدق به عن أفهام "العامة". ناهيك عن أن حضور المتكلمين السنيين
    الأشاعرة المتمحضين لمعلم الكلام إلى الصحراء كان قليلاً وهو إلى ذلك ضئيل
    التأثير.*

    *ففي العهد المرابطي الأول وصل إلى الصحراء قادماً من أغمات المتكلم الأصولي
    أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي المرادي القيرواني (ت. 489 ﻫ)([43]) «وقد كان
    الحضرمي أول من أدخل علوم الاعتقادات إلى المغرب الأقصى»([44])، وبالتالي فإن
    حقل الأشعرية لم يكن أمامه معبداً بانتفاء وجودها ابتداء في المنطقة، ولذلك لم
    يؤثر عن الحضرمي أنه نشر في صحراء الملثمين آراءه في العقد الأشعري رغم أنه
    صاغ هذه الآراء ضمن أرجوزات مختصرة سهلة الحفظ([45])، وما دامت لم تبق لنا
    منها أثرة أو نماء يبني عليه المتأخرون فمعناه أن صاحبها لم يستطع إشاعتها في
    الأوساط الصحراوية، أو حاول ذلك، ولكنها كانت محاولة لم تؤت ثمارها لانتفاء
    الحاجة إليها أصلاً.*

    *ومن هنا يمكن تفسير كون شخ الأشعرية بأغمات أبا الحجاج موسى الكلبي الضرير
    كان آخر أئمة المغرب فيما أخذه عن الحضرمي من علوم الاعتقادات بالمغرب الأقصى(
    [46])، وبعده توارت الأشعرية إلى حين، وبذلك يمكننا اعتماد قولة العروي([47]) التي
    مؤداها أنه بعد استتباب أمر المرابطين حدث التخلي عن الكلام الأشعري رغم مقام
    الباقلاني؟ وهو سؤال نعتقد أنه في غير محله نظراً لكونه لا يفسر كيف يتم
    التخلي عن نسق فكري لم يتقبل منذ البداية أو يستخدم عملياً، ثم لأن الطابع
    المذهبي المالكي قد طغى منذ البداية على مشروع الحركة المرابطية فضلاً عن أن
    أهل الصحراء قد تقلبوا هذا المذهب وبسهولة تفسر نجاح دعوة المرابطين
    واستمرارها في المنطقة.*

    * *

    *البعد المالكي للحركة المرابطية*

    *يبدو أن العوامل التي أدت إلى ضمور الأشعرية في الإسلام المرابطي، كانت هي
    الفاعلة لتمكين المذهب المالكي في الصحراء، وفي القاعدة الفكرية للحركة
    المرابطية. فطبيعة المذهب المالكي من حيث جوهره، هي طبيعية قوامها الإبعاد عن
    أساليب أصحاب علم الكلام والمنطق أي عن الرأي. ومن هنا ذلك التقليد المالكي
    القائم على كراهة ما ليس تحته عمل من قضايا ومسائل الأحكام، بحيث أصبح المذهب
    المالكي «لا يقوم على الرأي والقياس بقدر ما يقوم على النص والنقل وعلى الأثر
    والرواية»([48])، ولعل هذا جمعيه هو الذي جعل المذهب المالكي يمثل الوجه الآخر
    لعقيدة السلف التي هي على الأرجح العقد الذي تقبله أهل الصحراء لبساطته
    ووضوحه. ولعل هذا الواقع هو ما عناه ابن خلدون حين قرر «إن البداوة كانت غالبة
    على أهل المغرب والأندلس أو من في حكمهم من أهل صحراء المغرب، ولم يكونوا
    يعانون الحضارة التي لأهل العراق فكانوا لأهل الحجاز أميل لمناسبة البداوة
    ولهذا لم يزل المذهب المالكي عندهم غضاً ولم يأخذه تنقيح الحضارة وتهذيبها كما
    وقع في غيره من المذاهب..»([49]).*

    *إن هذه الخصوصية التي امتاز بها المذهب المالكي على مستوى نسقه الفكري، هي ما
    نحسبه البريق الذي ذهب إليه جماعات صنهاجة الصحراء لكونهم بدواً رحلاً لا
    يستطيعون، كحالهم مع العقد الأشعري، تقبل الأنساق الفكرية التي تميل إلى
    التعقيد أو تتبنى الأساليب الاستدلالية المفضية إليه. ومن هنا كان
    الصنهاجيون يميلون
    دائماً إلى الأفكار التي تلائم حياتهم المتمثلة في زهد موغل في البساطة، وورع
    صارم يتمثل في صرامة الأحكام و"سد الذرائع"([50])، إلى جانب قدرة مشهورة على
    التكليف مع الواقع وما يطرحه بين الحين والآخر مثل إشكالات تستدعي انزياحاً
    مقابلاً لها على مستوى المدونة المالكية([51]).*

    *ولا ننسى أن ارتباط المشروع المرابطي بشبكة من الفقهاء المالكيين قد جعل
    الخطاب السياسي للحركة يتخذ وجهته المالكية منذ اللحظة الأولى، ناهيك عن أن
    قيام الدولة المرابطية قد مكن للمذهب المالكي بين "الرعية" بل وبين أهل الحكم
    أنفسهم. وتوقر هذا الأفق السياسي والإيديولوجي الداعم للمذهب المالكي يمكن
    فهمه بالاستئناس بقول لابن حزم([52]) مفاده أن مذهبين انتشرا في بدء أمرهما
    بالرياسة والسلطان وهما مذهب أبي حنيفة ومذهب مالك بن أنس، ويتأكد تلازم
    السياسي الديني في المجال السلطوي المرابطي وارتباط صحراء الملثمين بهما، من
    مراجعة فتويتن وردتا في "المعيار المغرب.."، كبراهما([53]) للفقيه ابن رشد([54]
    )، والصغرى([55]) للفقيه ابن حمدين([56])، وكلتاهما إجابة عن استفتائين وردا
    من مرابطي الصحراء بشأن الأموال المختلطة وكلها من المواشي التي خاطها المال
    المغصوب الناتج عن عملية السلب والنهب التي ظلت بعض قبائل المنطقة تعرفها،
    ربما قبل بدء أمر المرابطين، ومهما كان الطابع الفقهي للأسئلة وطبيعة الردود
    وملابساتها، فإن توجيهها إلى هذين الفقيهين يدل على نوع ما من الارتباط بالوجه
    الرسمي للمذهب المالكي، إذ إن المعنيين كانا من كبار قضاة الحكم المرابطي،
    فابن حمدين كان من أبرز متزعمي عملية الإحراق المشهورة لكتاب "الإحياء" لأبي
    حامد الغزالي([57])، أي أنه كان يتبنى علناً خطاب الدولة وعنه ينافح، أما ابن
    رشد فقد ظل من كبار فقهاء الحكم المرابطي، رغم أنه كان من الذين وقفوا من
    عملية "الإحراق" موقفاً صامتاً يفهم أنه كان "للإحياء" أكثر مما قد يكون عليه(
    [58])، إلا أنه ظل يحترم الشرعية المرابطية ويذكر رموزها بالتعظيم([59]).*

    *وإلى جانب هذا التعلق الصحراوي بالمذهب الرسمي للدولة و"ممثليه" لدى مركز
    الحكم، ترد إشارات هامة ضمن فتوى ابن رشد تؤكد حضور الوجه الآخر لعملية التعلق
    نفسه، وهو الوجه السياسي، فالفتوى الرشدية تشير إلى أن «الأموال المختلطة
    المشار إليها كانت تقدم منها الهدايا لأمير المسلمين ناصر الدين»([60])، وهو
    لقب أمراء المرابطين منذ عهد يوسف بن تاشفين (480-500 ﻫ/ 1087-1106)([61])،
    ناهيك عن أنها تصرح كذلك بوجود أمير مولي على الصحراء وقبائلها من قبل أمير
    المسلمين نفسه، الأمر الذي يؤكد أن المنطقة ظلت على تبعيتها القوية للسلطة
    المرابطية في مراكش، وجهازها الإيديولوجي المرابطي، على الأقل حتى عهد علي بن
    يوسف بن تاشفين (500-537 ﻫ/ 1102-1142)، ومن هنا يمكن تفسير الأسماء التي ترد
    في نصوص غميسة عن أمراء صنهاجيين في الصحراء بأنها تعني الولاة المعنيين من
    قبل الحكم، في مراكش على المنطقة([62])، ومن نفس السياق يمكن فهم نفس الأصداء
    التي تتردد ضمن الروايات المحلية المدونة في موريتانيا اليوم([63]). أما
    الفضاء الإيديولوجي المرابطي فلربما ظل موجوداً في الصحراء بحكم بقاء الحكم
    المالكي مسيطراً فيها، ثم بحكم التقليد الذي يذكر البكري أنه استمر بين
    الصنهاجيين، والذي يقضي بأنهم كانوا لا يقدمون للإمامة إلا من صلى خلف ابن
    ياسين([64]).*

    *ومهما كان دور هذه الملابسات في إبقاء المذهب المالكي الإطار الأمثل لإسلام
    الصحراويين وعلاقتهم بالمرابطين، فإن مستويات التلقي المعرفي وخصوصيات التلقي
    تظل هي الأساس في ترسيخ المالكية بين "طبقة الفقهاء المرابطين"، التي احتضنت
    منظري الحركة المرابطية ودعاتها الذين بعثوا المشروع التوحيدي المرابطي
    والمذهب المالكي في الصحراء.*

    * *

    *طبقة فقهاء المرابطين*

    *إن المتفحص لكتب التراجم يلاحظ اندراج أبي عمران الفاسي([65]) وتلاميذه ومن
    تخرجوا عليهم معاصري هؤلاء ضمن طبقة من الفقهاء موزعة على مجالات مدينية قبلية
    وساهمت بدرجة أو بأخرى في التهيئة للمشروع المرابطي ثم في إنجاحه فيما بعد.*

    *دراساته في فاس: رغم أن هذه المدينة كانت قد عرفت فئة من علماء المالكية
    المتمكنين أمثال أبي ميمونة دراس بن إسماعيل (ت. 375 ﻫ/ 968 م) والذي كان قد
    دخل الأندلس على عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر فرابط في ثغورها وهو لا يزال
    يطلب العلم([66])، ومن طبقته يرد اسم موسى بن يحيى الصدين (ت. 388 ﻫ) وأصله من
    فاس، وكان «كبير فقهاء بلده وشيخهم الشهير بوقته وبعده..»([67]). ورغم أن هذه
    الأسماء قد مهدت للمالكية في فاس، إلا أنها لا تنتمي للطبقة المعينة، لكن هناك
    جملة أسماء أخرى عاصرت الفاسي فاندرجت بذلك في سلك المالكية الممهدة للحركة
    المرابطية، بحكم الروابط التي جمعتها مع فقهاء اتصلوا بأبي عمران بطريق مباشر
    أو من وجوه معرفية غير مباشرة كالأسانيد وما شاكلها. ومن أبرز هذه الطبقة ترد
    الأسماء الآتية:*

    * *

    *- هناك الفقيه عثمان بن مالك و«زعيم فقهاء المغرب بوقته»، والمرجح أن أبا
    عمران قد درس على ابن مالك هذا، لأنه توفي سنة (444 ﻫ) ولأن فقهاء فاس قد
    أخذوا عنه على ما يذكر صاحب "المدارك"([68]).*

    *وقبل أن يرحل أبو عمران إلى القيروان أخذ عنه في فاس وجاج بن زلوه اللمطي (ت.
    445 ﻫ)([69]) وعلى هذا الأخير تتلمذ فقهاء جزولة.*

    *- جزوليون: من أشهر هؤلاء عبد الله بن ياسين الجزولي (ت. 451 ﻫ) وقد ولد في
    بلاد جزولة، بقرية تمنارت([70])، وقد أعمل الرحلة في شبابه إلى الأندلس وبها
    مكث سبع سنين «فحصل علوماً كثيرة، ثم عاد أدراجه ليدرس على شيخه وجاج في إطار
    المرابطين»([71]). وهناك الأخوان الجزوليان اللذان تتلمذا على وجاج أيضاً،
    وعاصرا ابن ياسين ولعلهما شاركا في الحركة المرابطية قبل وبعد وفاته،
    والمعنيان هما أبو القاسم وسليمان ابنا عذرا (عدو) الجزوليان والأول منهما كان
    من أصحاب وجاج بن زلوه اللمطي الفقيه «حسب القاضي عياض»([72]). أما الثاني فهو
    القائم بأمر المرابطين بعد عبد الله بن ياسين لكنه لم يمكث على رأس الحركة
    طويلاً إذ توفي سنة (452 ﻫ)([73]).*

    *- من المصامدة: من غير الجزوليين يرد اسم أيوب بن محمد([74]) الذي كان فقيه
    المصامدة لعهده، ووصف بأنه من أهل العلم، ويبدو أنه أعمل الرحلة إلى المشرق
    حيث لقي أبا عمران وغيره من شيوخ القرويين [القيروانيين]، حيث كان القيروان
    محطة تقليدية لطلاب الأندلس والمغرب المتجهين صوب المشرق([75]) من هذه الطبقة
    من المصامدة أيضاً، يعرف تومارت بن تيدي([76]) ووصف بأنه من الفقهاء الفضلاء
    ولعله أخذ عنه أبي عمران أو عن أحد تلاميذه، وذلك بحكم كون مفهوم الطبقة قد لا
    يعني مجرد التزامن بين انسحاب التراجم بل إن مشموله قد ينسحب على التقاليد
    العلمية ممثلة في الأسانيد أو التلمذة أو هذا بأجمعه([77]).*

    *- من صنهاجة الصحراء: لا تنسب المصادر إليهم من هذه الطبقة غير المسمى لمتاد
    بن نفير اللمتوني الذي كان من العباد الفقهاء المعروفين بين قبيلته، كما كان
    "المثل يضرب بفتياه" في بلاد الصحراء وتعظيم أمرها([78]). والمفهوم أنه كانت
    للمتاد هذا صلة بمدرسة أبي عمران أو بوجاج نفسه، وإلا لعارض ابن ياسين عندما
    حل ببني لمتونة([79])، فضلاً عن أنه هو الذي أفتى بقتل زعيم المغراويين في
    سجلماسة، جزاء قدره بالمرابطين، إذ لا يمكن أن يصدر هذه الفتوى، وفي عهد
    الحركة الأولى وعلى مسمع ومرأى من ابن ياسين، إلا فقيه ذو شأن علمي مكين تعضده
    صلة وطيدة، أيّاً كان شكلها، بفقيه الحركة أو بشيوخه.*

    *- أغماتيون: من تلاميذ الفاسي تذكر المصادر كلاًّ من عبد العزيز والتونسي
    الزاهد ومحمد بن صدين المتوفيين في سنة (486 ﻫ/ 1093 م) في أغمات، ولعلهما
    عرفا في نفس المدينة قاضي المرابطين بازكي المتكلم محمد بن الحسن الحضرمي (ت.
    489 ﻫ) والذي وصل إلى أغمات قادماً من القيروان([80]). وهنا ينبغي التساؤل عن
    طبيعة هذا لحضور المتزامن نسبياً بين المعنيين الذين للفاسي، إلا أن القدوم من
    نفس الوجهة وفي فترة زمنية لم يكن الفاسي قد توفي فيها([81])، أمور يمكن أن
    تؤكد وجود هذه التلمذة ومع ذلك فإن سند الحضرمي يبقى مشرقياً في معظمه
    باستثناء الأديب المغربي المعروف بالقصديري([82]). ومهما يكن من أمر فإننا
    نحسب تعثر أمر الحضرمي الذي تشير إليه المصادر، ربما كان راجعاً إلى الزاد
    العلمي العقدي الذي جاء به هذا المتكلم إلى المغرب في محيط مالكي يحمل إزاء
    هذا الجانب من المعرفة موقفاً أسلفنا إليه الإشارة، إلا وقد ابتغى إليها
    الوسيلة([83])، كما أن المصادر تشير إلى حضوره في سجلماسة ربما على عهد حكامها
    الزناتيين([84])، فهل يعني ذلك الترحال الدائب إلى أرباب السلطان، عملية بحث
    عن أفق سياسي يمكن لمشروع سياسي كان الحضرمي يحمله، إننا نعتقد أن الأمر كذلك
    وأن هذا المشروع قد يكون ذا صلة بآراء الفاسي الذي نشر تلاميذه في الغرب ومهد
    المرابطين، أو يكون الحضرمي متأثراً بمناخ المد السني الذي ساد المشرق منذ
    القرن الرابع ومعظم القرن الخامس الهجريين.*

    *وعلى العموم فإن ما يهمنا من هذه الأسماء هو ما لاحظناه من روابط علمية جمعت
    بينها، كما أن المعنيين كانوا ينتسبون إلى جل القبائل والمجالات التي ساندت
    حركة المرابطين في زحفها نحو الشمال فضلاً عن أن ابن ياسين كان مندرجاً في سلك
    المعنيين كما كان قد خبر أمور قبائلهم وجاس خلال ديارهم قبل الدعوة المرابطية
    وبعدها فهل كانت طبقة الفقهاء تلك هي الإطار المذهبي الأوسع الذي أفرز شبكة
    فقهاء المشروع المرابطي؟ وكيف تَمّ ذلك وما هي ملابساته؟ وإلى أي حد كانت آراء
    المعنيين حاضرة في المشروع التوحيدي الذي حبكه تلميذهم المحنك ابن ياسين؟.*

    *إننا نعتقد أن مشروع الحركة المرابطية تبلورت في ذهن ابن ياسين على مراحل
    وارتبط بقوة بتجارب الدعوة والجهاد التي قادها قبل وجاج وأبو عمران حيث تسربت
    آراء هؤلاء إلى "برنامج" الحركة المرابطية وأهدافها. فكيف تبلورت هذه "البرامج
    الجزئية"؟ وكيف تداخلت مجتمعة في ذهن ابن ياسين مع "برنامجه الخاص".*

    * *

    *1** **-** أبو عمران ومواجهة "المظالم" الزناتية*

    *لقد عرف عهد أبي عمران الفاسي استقلال بني مغراوة الزناتيين عن الأمويين سنة
    390 ﻫ/ 1000 م وبسطهم تدريجياً سيطرتهم بدءاً من فاس حتى سجلماسة وأغمات
    وتامدولت، وقد تَمّ ذلك في ظل صراعات مستمرة وفوضى سائدة جعلت الحياة اليومية
    لا تطاق وحالت دون أي نشاط اقتصادي طبيعي في عهعد الزناتيين([85])، ويبدو أن
    شيئاً ما في هذه الوضعية العامة قد استفز أبا عمران الفاسي، وربما أيضاً بعض
    فقهاء المنطقة، ودفعهم إلى التنديد بها وعارضتها علنياً، خصوصاً وأن الزناتيين
    لم كونوا خصوماً من الوجهة الدينية بحكم كونهم من أهل السنة في ذلك الوقت، بل
    أن منهم من كان مولع بجهاد برغواطة (...) يغزوهم في كل سنة مرتين فيقتل منهم
    ويسبي([86])، كما أن الأمراء الذين ثاروا على رعيتهم بشكل حاد وفظيع لم يكونوا
    هم المعاصرين للفاسي، إذ تولوا الإمارة بعد وفاته بعقدين على الأقل([87]). فما
    هي هذه الوضعية التي أدت إلى تفاقم الأوضاع في عهد الفاسي ودفعه إلى الصدام مع
    حكام فاس؟ إننا نعتقد أن سلسلة المجاعات التي بدأت من سنة 380 ﻫ واستمرت إلى
    462 ﻫ، هي التي جعلت الزناتيين ينتهكون حقوق رعاياهم ويستطيلون على أموالهم
    بشكل دفع الفاسي إلى إعلان الثورة ضدهم بدعوته إلى تغيير منكر (المظالم) وأمره
    بمعروف رد (الحقوق) إلى أصحابها ومن هنا اكتسبت دعوته منذ البداية طابعها
    السياسي فكيف تَمّ ذلك؟ إن المصادر لا تذكر سبباً لرحلة الفاسي إلى القيروان
    وحلوله بين فقهائها، سوى أنه رحل إلى المدينة ليتفقه بأبي الحسن القابسي (3-404
    ﻫ)([88]). لكن صاحب "بيوتات فاس" يمدنا برواية جديدة تفصح عن السبب الذي أزعج
    أبا عمران في موطنه الأصلي ودفعه إلى الهجرة عنه نهائياً وقطب الرواية يدور
    حول معارضة الفقيه قيام أهل قياس بإحداه «البدع والمظالم والمغارم وأخذهم
    أموال الناس بغير حق»([89]). وقد اتخذ هذا النهي بالطبع طريقة «الأمر بالمعروف
    والنهي عن المنكر وبسبب ذلك أخرجه من فاس الطغاة من أهلها العاملين بمغراوة..
    حيث أعانوا على ذلك ولاة أمورهم من بني العافية المكناسيين ومغراوة وبني يفرن
    وكلهم من زناتة من البربر حيث ولوا من ولوا [كذا في الأصل] من على مدينة فاس
    بعد الأدارسة من الظلم والجور ما لم يسمع بمثله...»([90]). ومن هناك فإن دعوة
    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عرف الفاسي كانت تتعلق بالتصدي للحكام
    الزناتيين ومظالمهم وما أحدثوه من المظالم وهذا البعد كان حاضراً وبجلاء ضمن
    "برنامج" حركة المرابطين ولذلك فإن البكري الذي عاصر بدء أمر الحركة بالمغرب
    قد عرف القبائل المرابطية من الصحراء بأنها «هي التي قامت بعد الأربعين
    والأربعمائة بدعوة الحق ورد المظالم وقطع المغارم»([91]) الأمر الذي يؤكد
    الروابط الوثيقة بين آراء الفقهاء المعنيين بالحركة المرابطية منذ أن كانت
    مشروعاً إلى أن أضحت حركة فدولة ومن هنا لا يمكن التعويل على الرأي القائل([92]
    ) بأن مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عرف أبي عمران هو ذلك التقليد
    الذي تلقاه عن شيخه القادسي والقاضي بالنهي عن اجتماع أهل الزهد والعبادة الذي
    كانوا يجمعون بين قراءة القرآن وحكاية قصص الصالحين وإنشاد الشعر وهي حلقات
    كرسها أو تغاضى عنها المغراويون من حكام فاس الذي كانوا يحاربون غيرها من
    التجمعات التي ربما مثلت خطراً على سلطتهم وإنما كانوا يسمحون بإنشاء الرابطات
    بغية الجهاد ضد النحلة البرغواطية ولو كان طابع دعوة الفاسي بهذا الشكل من
    المهادنة لما ظهر من خطاب لزعيم صنهاجة، الذي مر به قادماً من المشرق حرصه على
    التأكيد بضرورة قلب الأوضاع الصنهاجية من خلال ثورة إصلاحية لا تخلو من العنف.
    وهو ما يتضح من استبيان المحادثة التي جرت بين الفقيه القيرواني والأمير
    الصحراوي وذلك بالتشديد على جمل منها بعينها تحمل مضامين لا تخلو من نفس سياسي.
    *

    *فالسؤال عن بلد الكدالي وسيرته وما ينتحله قومه من المذاهب([93]) يبدو سعياً
    من الفاسي للتأكد من خصوصية حقل الدعوة المرتقبة من حيث خلوه من الدوائر
    المذهبية والنّزعات المناوئة للمذهب المالكي وبذا فإنه عندما تأكد من ذلك صرح
    أن الأمير الصحراوي كان «صحيح النية واليقين»([94]) أي لا صلة له بآراء الفرق
    المبتدعة أو غيرها من الدوائر ذات الخطاب السياسي الذي يعارضه الفاسي وأضرابه
    من فقهاء الغرب الإسلامي، ومن هنا كان أبو عمران منتظراً من محاوره بسط القول
    في معوقات القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر([95]) أي الثورة على
    الأوضاع السياسية والاقتصادية المهترئة أو جمع شمل قبائل صنهاجة المتحدة وقتها
    في حلف قوي يقود الكدالي نفسه، من أجل تحقيق مطالب الفاسي وتلاميذه بالمغرب
    الأقصى وكان تعليل أمير صنهاجة لأسباب عجز قومه عن القيام بالدعوة المطلوبة
    لضعف صلاتهم في الصحراء بمنابع الإسلام السني فلم يكن يصل إليهم «إلا معلمون
    لا ورع لهم ولا علم بالسنة»([96])، ولا يعني هذا النفي أن القادمين كانت
    بضاعتهم من العلم مزجاة، بقدر ما هو تأكيد على أن هؤلاء المعلمين ليسوا
    مالكيين أو غير سنيين حسب معايير الفاسي كما قد يعني الخطاب أن المعنيين ليسوا
    من أهل الدعوة والنهوض بأمورها بل هم ممن لا ورع له أو مدار حرفته على
    المتاجرة حصراً([97]).*

    *إن قراءتنا للألفاظ ومراميها في خطاب أبي عمران لشيخ صنهاجة ليست مجرد تمحل،
    بل هو تأكيد منا على أن مدلولها ينبئ عن مشروع جهادي إصلاحي كان أبو عمران
    يسعى إلى تحقيقه وهو ما تصرح به رواية "بيوتات فاس" بقولها «إن الفقيه الفاسي
    قد ندب الزعيم الصنهاجي إلى قتال برغواطة ببلاد السوس وقتال زناتة على ما صدر
    منهم من الظلم واستنْزال رأسائهم من الولاية»([98])، أي مواجهة التفكك المذهبي
    في المنطقة وتصحيح الأوضاع التي بسببها خرج الفاسي من موطنه مكرهاً، ونظراً
    لبعد الفاسي عن حقل التغيير فقد أحال الأمير الصحراوي إلى وجاج ابن زلوه
    اللمطي ليجد عنده بغيته، حيث كان اللمطي من أصحاب الرباطات المقامة للجهاد
    والتعليم فضلاً عن أنه كان تلميذاً للفاسي وأحد أبرز فقهاء المرابطين فكيف
    أسهم في بلورة "مساهمته" في الحركة المرابطية؟*

    * *

    *2** **-** اللمطي ومواجهة التفكك المذهبي*

    *انتمى وجاج قبل تلمذته للفاسي إلى نظام للمرابطة أسسه فقيه أغماتي يدي ابن
    تيسيت ولعل ذلك قد ترك في نفسه أثراً قوياً، فقد جاء في كتاب "القبلة" (مخطوط
    بالرباط) عند الحديث عن المساجد العتيقة أغمات ذكر «المساجد التي بنتها تلامذة
    أبي محمد بن عبد الله بن تيسيت لأنهم جعلهم الله سبباً لإطفاء فتنة برغواطة
    الذين قاموا بالمغرب سنة ثلاث مائة..»([99]). وتستطرد الرواية في القول إن
    تلاميذ هذا الفقيه الأغماتي قد أخذوا يقاتلون الكفار ولعله لم يحبذ أن تكون
    الأعمال انتحارية، وهو ما يتبين من تشاور التلاميذة مع شيخهم بشأن مجاهدة
    البرغواطيين([100]) حيث كانت إجابة الشيخ قصيرة: إن كانت لكم بهم مقدرة
    فجاهدوهم([101]).«ورغم ما يحمله هذا الجواب من شك في فترات هؤلاء المتحمسين
    إلا أن الشيخ قد انتدب للجهاد ثلاثة من تلاميذه منهم داوود بن يهلل الصنهاجي
    ويحيى بن ويدفا ويعلي بن مصلين وذلك حسب كثرة قبائل الموجهين للمعركة»([102]).
    ويذكر عن المنتدب اللثالث يعلي بن مصلين أنه كان ثالث ثلاثة انتدبهم شيخهم أبو
    محمد تيسيت بأغمات لقتال برغواطة وهو الذي بنى مسجد رباط شاكر وكان ذلك قرابة
    المائة الرابعة للهجرة([103]).*

    *أما وجاج بن زلوه اللمطي فيؤكد صاحب كتاب "القبلة" أنه كان من تلامذة ابن
    تيسيت بأغمات قبل قيام دولة المرابطين ومن طلبة هذا الشيخ الذين جاهدوا
    برغواطة والمعلوم أن وجاج كان إذاك في ريعان الشباب وربما توجه بعد انفراط عقد
    رباط الأغماتيين هذا إلى شيخه أبي عمران حيث درس عليه في فاس قبل أن يكر
    راجعاً صوب السوس ليؤسس رباطه الخاص.*

    *إن المهم من صلة وجاج لابن التيسيت هو أنه قد تلقى عنه تقاليد المرابطة
    والجهاد التي عمقتها المعارف المتلقاة عن الفقيه الفاسي مما جعل وجاجاً يؤسس
    رباطاً أكثر أهمية سماه "دار المرابطين"([104])، ولعل هذا التأسيس كان المرحلة
    الأكثر اكتمالاً لتقاليد المرابطة في بلاد المغرب، ومن هنا لم يقتصر الرباط
    الجديد على التعبئة للجهاد والمرابطة على تخوم أصحاب البدع بل إنه ركز على بث
    العلم ونشر الخير حرصاً على تحصين السكان وطلبة الرباط، أما نحل السوس ومذاهبه
    فكأن "دار المرابطين" أضحت المقابل "المغربي المالكي" "للمدرسة النظامية" التي
    أنشأها الحكم السلجوقي ومتكلمو الأشاعرة في المشرق بغية تكوين جبل من الدعاة
    السنيين القادرين على مواجهة أفكار الباطنية أو وأدها في المهد ومهما كانت دقة
    المقابلة بين المؤسستين، فإن "دار المرابطين" قد ركزت على نفس البرنامج الذي
    اتخذته "نظيرتها المشرقية". فقد ركز عميد الدار على التهيئة الروحية بإخضاع
    الملتحقين بالرباط الجديد لنظام "حركي" خاص قوامه اعتياد شظف العيش والصرامة
    في السلوك والدقة في التعلم وهو أسلوب مكن خريجي دار المرابطين مثل ابن ياسين،
    من التعامل مع مجتمعات بدو الصحراء الذين يؤثر فيهم «بالسلوك والعمل لا
    باللسان والجدل» ولو لم تكن وظيفة دار المرابطين كذلك لما كان هناك داع لأن
    يستقر في رحابها داعية المرابطين والأول عبد الله بن ياسين بعد أن وصل من
    الأندلس وقد ملأ وطابه علماً ولو لم يكن الرباط الجديد قادراً على تخريج دعاة
    يقومون بأمر الدعوة المستهدفة لما قال أبو عمران لأمير صنهاجة محيلاً إياه إلى
    وجاج معرّفاً بهذا الأخير أني أعرف ببلاد نفيس من أرض المصامدة فقيهاً حاذقاً
    تقياً ورعاً لقيني... وأخذ مني علماً كثيراً وعرفت ذلك منه([105])، وأسلوب
    الثقة هذا واضح من تقديم ابن ياسين إلى أمير صنهاجة من قبل عميد دار
    المرابطين، وهي ثقة تظل مبنية على ما يعرفه المعنيون عن بعضهم البعض من الهم
    الإصلاحي المشترك ومن قضايا الجهاد والمرابطة التي تبلورت مجتمعة على مراحل
    لتتضح في ذهن ابن ياسين مشروعاً إصلاحياً توحيدياً يقوض أركان النّزعة
    الإقليمية التي اجتاحت المنطقة وهددت أمان ومصادر عيش السكان.*

    * *

    *3** **-** ابن ياسين ومواجهة التفكك السياسي*

    *أنجز ابن ياسين بدعوته بين صنهاجة الصحراء مشروعاً توحيدياً شمل قبل وفاة
    مؤسسه جل مناطق المغرب وحمل برامج شيوخ ابن ياسين الذين انتدبوه للدعوة.*

    *لكن المتمعن في عملية التوحيد تلك يلاحظ ارتباطها بمجالات قبيلة معروفة كان
    ابن ياسين قد خبر أحوالها أيام كان مسافراً، وإليها ينتمي جل "أعلام طبقة
    فقهاء المرابطين"، مما يعني التساؤل عما إذا كان صنهاجة الصحراء أداة الإنجاز
    لمشروع لم يكونوا على علم بتفاصيله التي اتفق هذا الداعية مع قبائل الشمال على
    تنفيذها؟*

    *إننا نحسب أن الأمر كان كذلك ولكن هموم الملثمين الصحراوية قد تسربت إلى
    إبعاد المشروع التي تبلورت في ذهن صاحبها على مراحل. غير أن هذا التسرب لم
    يمنع المشروع التوحيدي من أن يستمر في اتجاه مراميه النهائية، فقد انتدب ابن
    ياسين للدعوة في الصحراء وهو إذاك مقيم مع عميد دار المرابطين([106])، ووجد في
    حقل الدعوة الجديدة الأداة الضرورية لإنجاز الدعوة مشروعه الأصلي معاً ويبدو
    أن إحساس ابن ياسين بضرورة مواجهة وضعية التفكك في الأندلس والمغرب وهو مشروعه
    الأول كان قد تبلور بعد رحلته إلى الأندلس التي دخلها في عهد ملوك الطوائف(
    [107])، وهي فترة عرفت قمة تفكك مسلمي الأندلس وفي وقت استأسد عليهم الإفرنج
    في بداية الهجمات التي عرف بحرب الاسترداد (Rconquista) ناهيك عن أنه قد أمضى
    في الأندلس مدة سبع سنوات كانت كافية ليلمس بدقة درجة ضعف المسلمين وتخاذلهم
    أمام الأعداء وليعود مفعماً بالحماس من أجل الدعوة لوحدة الجهاد، ولكن هل تأثر
    ابن ياسين بآراء فقهاء الأندلس ممن يحملون نفس الهموم التوحيدية؟ إن المصادر
    لا تتحدث عن مثل هذه الصلة، غير أن ابن ياسين قد يكون ربط لبعض الوقت على ثغور
    الأندلس اتباعاً لسنة المرابطة ودفاعاً عن دار الإسلام، وربما جرياً على تقليد
    عرف عن بعض علماء المغرب، قبل ذلك، ممن رحلوا إلى الأندلس مثل دراس بن إسماعيل(
    [108]). ومهما يكن فإن المرحلة الأندلسية من حياة ابن ياسين هي التي أذكت في
    وعيه ضرورة توحيد صفوف مسلمي المنطقة. ولو لم يكن الأمر كذلك لما تتبع هذا
    الداعية مجالات قبائل المغرب لحث هذه الأخيرة على الوحدة والتكاثف، أو حتى
    للجهاد على أساس من مشروع توحيدي محدد. ففي طر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 397
    تاريخ التسجيل : 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء أبريل 17, 2012 5:25 pm

    *المجتمع والسلطة وامتداداتهما في الصحراء جنوب المغرب *
    *خلال العصر المرابطي وما بعده*

    تاريخ المجتمع الإسلامي في منطقة الغرب الإسلامي خلال النصف الأول من القرن 6 ﻫ
    يتطلب الاعتماد على المصادر التي تناولت الحياة اليومية في المنطقة. والبحث عن
    هذا الجانب في المصادر المتداولة عملية صعبة جدا ومن هنا يفرض العمل العودة
    إلى نوع مغمور من المصادر، وهي مصادر التشريع والمؤلفات القانونية التي تعرف
    في العالم الإسلامي بكتب النوازل (الفتاوى)، وهي أساسا عبارة عن آراء فقهاء
    المرحلة التاريخية التي سنعالجها في القضايا المطروحة عليهم من أجل إبداء
    الحكم الشرعي فيها سواء كانت أحوالا شخصية أي قضايا اجتماعية أو غيرها أو كانت
    معاملات تجارية أو زراعية أو غير ذلك؛ بمعنى أن مادة التاريخ الاجتماعي في
    العالم الإسلامي ومن ضمنه منطقة "*الغرب الإسلامي*" تحتضنها وتتضمنها مؤلفات
    الفقهاء سواء كانت"*كتب أحكام*" أو "*كتب نوازل*" التي تعالج في مجموعها العام
    أحكام الشريعة الإسلامية ونظام الحياة اليومية وآراء الفقهاء والنخبة العلمية
    في حل القضايا الاجتماعية اليومية على تنوعها واختلافها من البادية إلى
    المدينة.

    * *

    هذه المصادر يمكن أن نختار من بينها في مرحلتنا التاريخية مصدرين:

    *أولاً*: نوازل ابن رشد الجد([1]) المتوفى سنة 520 ﻫ في عهد علي بن يوسف بن
    تاشفين، وكان قاضي الجماعة بقرطبة. وليس معنى هذا أننا نعتمد على نوازل
    أندلسية لنحلل مجتمعا إفريقيا بل يتضمن قضايا المجتمع كله في منطقة الغرب
    الإسلامي من عواصم الأندلس الكبرى ومن عواصم إفريقيا الغربية آنذاك (أي لم
    تصله النوازل من السنغال أو من مناجم الذهب...ولكن وصلته أسئلة من التجار
    المغاربة بالأندلس والمغرب والصحراء الإفريقية) بمعنى نجد أسئلة وأجوبة تهم
    الحياة التجارية والعلاقات بين الحوض الغربي للأبيض المتوسط ومناطق ما وراء
    الصحراء، مع العلم أن هناك تفاصيل خاصة بسكان المدن أكثر من غيرهم.

    *ثانياً*: نوازل القاضي عياض السبتي اليحصبي المتوفى سنة 554 ﻫ والتي وصلتنا
    برواية ولده عبد الله([2]).

    أما قراءة التاريخ الاجتماعي للغرب الإسلامي في النصف الأول من القرن 6 ﻫ لا
    تعتمد فقط على هذين المصدرين لإصدار الأحكام وإنما لإعطاء بعض الأضواء على
    الواقع. إذا كيف كان هذا الواقع خلال المرحلة المحددة بالاعتماد أيضا على
    المصادر الأخرى أندلسية ومغربية؟.

    الجواب على هذا السؤال يجعلنا نصنف المنطقة إلى ثلاثة أقاليم كبرى:

    *أ **-* *إقليم شبه جزيرة إيبريا-الأندلس*: بمعناها العام ونقصد هنا إدراج
    الجزر التي ما زالت في هذه المرحلة التاريخية إسلامية مثل جزر البليار.

    *ب **-** إقليم المناطق الشمالية من بلاد المغرب الكبير*: أي من شمال الأطلس
    الكبير إلى البحر الأبيض المتوسط (الأطلس الصغير والكبير والمتوسط والسهول)
    ومن المحيط غربا إلى برقة شرقا، وهذا الإقليم هو الذي كان يعرف عند مؤرخي
    وجغرافيي العصور الوسطى ببلاد البربر، وفي هذه المرحلة - منتصف القرن 6 ﻫ -
    نلاحظ في المنطقة حدوث تحولات ذات نكهة جديدة في الأوضاع الاجتماعية لم تسبقها
    أية ظاهرة أخرى من قبل. يمكن تلخيص وصف هذه المرحلة اجتماعيا في هذه المنطقة
    وفي هذا التاريخ بالذات بأنها شهدت تغيرات في تاريخها الاجتماعي العام لعدة
    مؤثرات منها: الحركة القبلية المتعددة العناصر والتي كانت لها اتجاهات وأهداف
    مختلفة. ومنها ظروف الطبيعة والبيئة ومقدار تحكمها في حياة مجتمع بلاد المغرب.

    *ج* *-* *إقليم الصحراء*: هذا الإقليم يكاد يكون تحديده وهميا. قد ينتهي جنوبا
    إلى خط عرض 10 شمال خط الاستواء ويمتد من المحيط غربا إلى وادي النيل شرقا.
    هذا الإقليم بالذات له تاريخ يمتاز بخصوصيته الصحراوية الإفريقية التي تتجاذبه
    أوضاع شمال بلاد المغرب وفي الجنوب وقائع بلاد السودان الغربي. وقد شهد بدوره
    في هذه المرحلة التاريخية واقعا اجتماعيا متخلخلا يعبر بدوره عن الظاهرة
    العامة الشاملة في الغرب الإسلامي وهي دخول المنطقة في هذا التاريخ بالذات في
    تحول جديد في البنية القبلية والتركيب السياسي والنشاط التجاري والاقتصادي([3])
    .

    إذا حددنا هذه الأقاليم على أساس تنوع البنيات الاجتماعية وارتباطها بالظروف
    المناخية والطبيعية العامة ينبغي علينا طرح السؤال من جديد، ما هي بنية
    ومكونات مجتمعات هذه الأقاليم الثلاث؟

    *أولاً*: *مجتمع الأندلس من منتصف القرن **5** ﻫ إلى أواسط القرن **6** **ﻫ.*

    حظي المجتمع الأندلسي في العصور الإسلامية بدراسات جادة، نذكر من بينها أعمال
    الإسبانيين خاصة المؤرخ بيدال في موسوعته المعنونة بـ: "*تاريخ إسبانيا
    الإسلامية*"، الذي اهتم خاصة بالقسم الجنوبي من شبه جزيرة إيبريا. ويضاف إليه
    مؤرخان هما هويثي ميراندا في عمله الهام عن تاريخ الإمبراطورية الموحدية.
    وكذلك شالميطا في دراسته عن نظام الأسواق في الأندلس الإسلامية([4]). ثم هناك
    أعمال المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال وخاصة منها "*تاريخ إسبانيا المسلمة*"،
    بالإضافة إلى كتابه الهام عن "*إسبانيا المسلمة في القرن **10** م*" وكذلك عمل
    كيشار في تحليله لبنية التاريخ الداخلي للأندلس. وهناك أعمال أخرى عربية
    تناولت تاريخ الأندلس من الزاوية الاجتماعية ولكن لم تتناولها بطريقة شمولية
    وإنما بطريقة مونوغرافية. وهناك أيضا مصادر يمكن أن نسميها المكتبة الأندلسية
    القديمة. من خلال كل ذلك يمكن أن نعطي صورة مختصرة عن طبيعة المجتمع الأندلسي
    في هذه المرحلة وذلك كالآتي:

    من حيث الصورة الخارجية التي نجدها في مصادر التاريخ الأندلسي نجد طابعين هما:

    *1 -* مجتمع السلطة الإسلامية وهذا المجتمع هو الذي عبرت عنه المصادر المكتوبة
    بالعربية في المرحلة التاريخية المعنية.

    *2 -* مجتمع المحكومين غير المسلمين أحيانا، وأحيانا أخرى العناصر التي استقرت
    نهائيا في الأندلس بعد هجرتها مع الفاتحين العرب من المشرق أو من المغرب الذي
    سمي ببلاد البربر.

    معنى هذا أن بنية المجتمع الأندلسي تنقسم إلى قسمين: مجتمع السلطة وما ارتبط
    بفلكها ونظام حياتها، وهذا المجتمع هو الذي كون إما دولة الأسرة الأموية سواء
    في عهد الإمارة في الأندلس، أي من سنة 138 ﻫ إلى 316 ﻫ، أو عهد الخلافة من سنة
    316 إلى 422 ﻫ.

    وسواء أيضا في عهد ملوك الطوائف من 422 ﻫ إلى بداية الحكم المرابطي في الأندلس
    في نهاية القرن 5 ﻫ. ويمكن أن تسمى هذه المرحلة 316-422 ﻫ إلى معركة الزلاقة
    479 ﻫ بعصر ملوك الطوائف الأول. وبعد ذلك ابتدأ العصر المرابطي في الأندلس من
    480 إلى 536* *ﻫ، حيث سيبدأ عصر يمكن أن نسميه بعصر الطوائف الثاني والذي
    سينتهي بالتدخل الموحدي بالأندلس ابتداء من 548 ﻫ. خلال هذه المرحلة كان
    المجتمع الأندلسي يتكون من عناصر اجتماعية مرتبطة بالحكام وعناصر أخرى مستقلة،
    وقد أمدتنا بهذه الصورة المكتبة الأندلسية ...

    حسين1492

    المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 20/11/2010

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف حسين1492 في الأحد مارس 24, 2013 1:28 pm

    شكرا جزيلا أستاذي العزيز محمد العربي عقون على الدعم الذي قدمته لي حول الموضوع ، أعلمك أنني ناقشت الرسالة بتاريخ 13/03/2013 ونلت علامة 17 من لجنة مكونة من: محمد فرقاني رئيسا وإسماعيل سامعي مشرفا وعلاوة عمارة وإبراهيم بحاز مناقشين ، وأفكر أن أكمل العمل على السودان الغربي في الدكتوراه وأتمنى أن تتم مساعدتك لي شكرا مرة أخرى الطالب : حسين بوبيدي

    حسين1492

    المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 20/11/2010

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف حسين1492 في الأحد مارس 24, 2013 1:31 pm

    شكرا جزيلا أستاذي العزيز محمد العربي عقون على الدعم الذي قدمته لي حول الموضوع ، أعلمك أنني ناقشت الرسالة بتاريخ 13/03/2013 ونلت علامة 17 من لجنة مكونة من: محمد فرقاني رئيسا وإسماعيل سامعي مشرفا وعلاوة عمارة وإبراهيم بحاز مناقشين ، وأفكر أن أكمل العمل على السودان الغربي في الدكتوراه وأتمنى أن تتم مساعدتك لي شكرا مرة أخرى الطالب : حسين بوبيدي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 397
    تاريخ التسجيل : 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد مارس 31, 2013 4:13 pm

    حسين1492 كتب:شكرا جزيلا أستاذي العزيز محمد العربي عقون على الدعم الذي قدمته لي حول الموضوع ، أعلمك أنني ناقشت الرسالة بتاريخ 13/03/2013 ونلت علامة 17 من لجنة مكونة من: محمد فرقاني رئيسا وإسماعيل سامعي مشرفا وعلاوة عمارة وإبراهيم بحاز مناقشين ، وأفكر أن أكمل العمل على السودان الغربي في الدكتوراه وأتمنى أن تتم مساعدتك لي شكرا مرة أخرى الطالب : حسين بوبيدي


    ألف مبروك وعقبى للدكتوراه
    الوظيفة أولا وأظن أن هيئة التدريس بجامعتك لن تبخل عليك بالمنصب فأنت جدير به
    ثم استراحة محارب للنظر في موضوع الدكتوراه وأتمنى لك التوفيق في اختيار موضوع البحث

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء سبتمبر 19, 2017 5:00 pm