ساحة لدعم الأعمال الموجّهة لطلاب التاريخ /جامعة منتوري/ قسنطينة

تجدون في المنتدى وثائق تاريخية مهمة للباحثين ومن كان في حاجة الى وثائق او مصادر او مراجع عليه ان يشعرنا بذلك وان يسجل طلبه هنا في المنتدى
هامّ : لقد قمنا بإصلاح الخلل وأزلنا الحجب، تستطيعون الدخول بأمان، مرحبا بالجميع
أعزائي الطلبة/ يمكنكم الاطلاع على نتائجكم النهائية + بطاقة التقييم وتحميلها .... ماعليكم إلا الذهاب إلى صفحة النتائج أدناه
بحلول عيد الفطر 2014 نتمنى لطلبتنا ولزوار المنتدى عيدا سعيدا وعمرا مديدا أعاده الله على الجميع باليمْن والخير والبركات

    مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 364
    تاريخ التسجيل: 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد أبريل 03, 2011 5:44 pm

    هذا عدد من الدراسات الاكاديمية المهمة جدا
    نتمنى حسن الاستفادة منها

    مدن قديمة : والاتا
    4shared.com4shared.com/document/rzE2fljP/cits_anciennes__oualata.html

    مدن القوافل (موريتانيا)
    4shared.com4shared.com/document/m2bRGx2V/cits_carav_oualata.html

    تجارة النحاس (السنغال)

    4shared.com4shared.com/document/DW-G-YtN/Cuivre_sngal.html

    رحّل ومستقرون
    4shared.com4shared.com/document/xiaipNTR/Nomades_et_sdentaires_Af.html

    أوداغست
    4shared.com4shared.com/document/QDTSWV2Z/Awdaghoust.html


    حسين1492

    عدد المساهمات: 16
    تاريخ التسجيل: 20/11/2010

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف حسين1492 في الثلاثاء أبريل 05, 2011 1:58 pm

    أستاذي الفاضل أنا شاكر لك جزيل الشكر هذا الاهتمام بالموضوع و الحرص على تقديم الفائدة العلمية شكرا

    حسين1492

    عدد المساهمات: 16
    تاريخ التسجيل: 20/11/2010

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف حسين1492 في الخميس أبريل 07, 2011 6:10 pm

    الأستاذ الفاضل محمد العربي عقون لقد قمت بتحميل هذه المقالات و هي جد مفيدة في موضوع العلاقاتبين ضفتي الصحراء فألف شكر على الدعم و التشجيع و دمت قدوةلنا في الجد و التدقيق و السخاء المعرفي حسين

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 364
    تاريخ التسجيل: 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد أبريل 17, 2011 5:06 pm

    *طرق القوافل عبر الصحراء والممالك الإفريقية جنوبي الصحراء الكبري في المصادر العربية *
    *في القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي*

    د. أحمد الياس

    لعبت الطرق التجارية العابرة للصحراء الكبري أدوارا كبيرة وهامة في تاريخ
    المنطقتين الواقعتين علي طرفيها الشمالي والجنوبي ، فقد تم عبرها التبادل
    التجاري منذ اقدم العصور ومع نشاط الحركة التجارية اتصلت افريقيا جنوبي الصحراء
    بحضارات العالم القديم المطلة علي حوض البحر المتوسط .

    ومنذ الألف الأخير قبل الميلاد خرج نطاق التبادل التجاري من محيطه الداخلي في
    إفريقيا إلي حوض البحر المتوسط ساهم فيه الفينيقيون واليونان والرومان وقد خلف
    لنا هؤلاء كثيرا من المعلومات تعتبر من أقدم المصادر عن مسالك الصحراء والشعوب
    القاطنة جنوبيها .

    وإلي جانب ذلك فهناك بعض المصادر المحلية الهامة عن الطرق الصحراوية وهي عبارة
    عن النقوش والرسومات التي خلفتها الشعوب الصحراوية في فترات تاريخية متتالية .

    وقد تمت دراسة الكثير من تلك الآثار فساعدت إلي حد كبير في تتبع طرق الصحراء
    وارتباطاتها القديمة بالمراكز والشعوب الإفريقية علي حوض نهري السنغال والنيجر
    (1).

    غير أن العصر الذهبي لمصادر الطرق في إفريقيا جنوب الصحراء يبدأ بدخول الإسلام
    في شمال إفريقيا حيث استقر المسلمون في المغرب العربي منذ القرن الثالث الهجري
    ( التاسع الميلادي ) وكثفوا اتصالاتهم بجنوبي الصحراء مابين حوض بحيرة تشاد
    شرقا والمحيط الأطلسي غربا وهي المنطقة التي تشملها هذه الدراسة .

    وقد سجلت كتب التراث العربي معلومات غزيرة عن هذه المنطقة تعتبر من المصادر
    الاساسية لدراسة الطرق اليها وعلاقاتها – بالمغرب العربي وحوض البحر المتوسط .

    وقد تضمنت تلك المعلومات الأنشطة الاقتصادية والثقافية والعلاقات الاجتماعية
    لسكان المنطقة والأنظمة السياسية التي سادت فيها.

    جاءت هذه المعلومات في المصادر العربية الجغرافية القديمة التي درجت علي تقسيم
    العالم إلي اقاليم وتتم دراسة الأقليم من جوانب متعددة مثل مظاهر السطح والمناخ
    والنبات والحيوان والسكان بانشطتهم الاقتصادية والثقافية والنظم السياسية .

    وقد حملت تلك المؤلفات الجغرافية أسماء مختلفة أشهرها " المسالك والممالك "
    وكتب البلدان " وصورة الأرض في الطول والعرض " وأحسن التقاسيم في معرفة
    الأقاليم "

    كما وردت بعض المعلومات أيضا في المؤلفات التي تحمل اسم " كتب العجائب " وعجائب
    البر والبحر " كما تمثل المعاجم الجغرافية القديمة وكتب الرحلات مصادر أساسية
    لدراسة مراكز ومدن وعواصم افريقيا جنوبي الصحراء وتناولت كتب الطبقات ايضا
    الكثير من المعلومات عن تاريخ العلاقات عبر الصحراء الكبري وقد جاءت هذه
    المعلومات بصورة واضحة ووافية في كتب طبقات الاباضية لعلاقات اتباع هذه الفرقة
    القوية بافريقيا جنوبي الصحراء .

    ولم تهتم مصادر التاريخ العام كثيرا بطرق الصحراء وتاريخ العلاقات عبرها
    وبالممالك الإفريقية جنوبي الصحراء كما يلاحظ ذلك مثلا عند الطبري وابن الأثير
    .

    والمؤلفات التاريخية التي اهتمت بهذا الجانب هي الكتب الخاصة بتاريخ المغرب
    وتاريخ مصر مثل مؤلفات ابن خلدون وابن الخطب وابن ابي ذرع وابن اياس والمقريزي
    .

    أما كتب الموسوعات فقد سجلت كثيرا من المعلومات الهامة عن ممالك إفريقيا جنوبي
    الصحراء وعلاقاتها السياسية بدول شمال إفريقيا وكيفية مخاطبة الملوك الأفارقة
    كما حفظت لنا بعض نصوص تلك المراسلات .

    لقد فضلت تناول هذه المصادر في موضوعين ينتهي القسم الأول بالقرن السادس الهجي
    ويغطي القسم الثاني مابعد القرن السادس الهجري ولما كانت اقدم المصادر العربية
    التي تتناول موضوع الدراسة ترجع إلي القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي )
    فسنبدأ بشيء من التفصيل بمصادر ذلك القرن .

    مصادر القرن الثالث الهجري (9م)

    اليعقوبي : أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن واضح ت 284 هـ / 897 م استفاد
    اليعقوبي من تجواله في شمال إفريقيا وبخاصة في الدولة الرسمية التي كانت تسيطر
    علي أغلب محط الطرق الواقعة شمالي الصحراء فجمع بذلك معلومات قيمة ضمنها كتابه
    البلدان الذي انتهي من تأليفه في مصر عام 278 هـ / 891م (2).

    واليعقوبي أول جغرافي عربي أمدنا بمعلومات مباشرة عن الطرق الصحراوية فأشار إلي
    طريق الذهب من سجلماسة إلي مملكة غانة عبر المنطقة الغربية من الصحراء الكبري .

    كما تناول ايضا الطريق الشرقي من فزان عبر كوار جنوبا الي حوض بحيرة شاد ، ووضح
    نشاط الأباضية التجاري علي هذا الطريق من مركزهم الصحراوي ( مدينة زويلة )
    واشار إلي الأمم الافريقية التي ارتبطت عبره .

    وأضاف اليعقوبي في كتابة التاريخ معلومات عن الممالك الإفريقية جنوبي الصحراء
    فتحدث عن غانة واتساعها وجعل مملكة كانم ومملكة مالي ومملكة كوكو من أعظم ممالك
    السودانفي ذلك العهد (3).

    ابن الفقيه :

    أبوبكر أحمد بن إبراهيم ت 290 هـ ، 903م

    انتهي ابن الفقيه من تأليف كتابه " البلدان " عام 290 هـ وقد كان الكتاب يضم
    خمسة أجزاء لكنه معروف اليوم فقط في مختصره الذي أتمه علي الشيرزاي عام 412هـ -
    1022م .

    يتضمن الكتاب معلومات عن مملكة غانة والطريق الشرقي الذي يخرج من الواحات
    المصرية عبر كوار نحو النيجر ثم يتجه غربا نحو غانة(6) كما أشار أيضا إلي
    الطريق الغربي من السوس الأقصي إلي غانا والمعلومات التي أوردها ابن الفقيه
    قليلة بالقياس الي ماذكره اليعقوبي الخوارزمي .

    أبوجعفر محمد بن موسي ( ت حوالي 272هـ - 885م ) لم يأت الخوارزمي – الذي ينتمي
    إلي جماعة فلكي المامون بمعلومات مفصلة عن الممالك الإفريقية والطرق في كتابة (
    صورة الأرض (7) الذي اكمل تاليفه 221 – 232 هـ / 36- 847م .

    ذكر الخوارزمي بعض مراكز جنوب الصحراء مثل غانة وكوكو وزغاوة محددا مواقعها
    بخطوط الطول والعرض وبالرغم من اعتماده علي بطليموس إلا أنه اضاف بعض المراكز
    الجديدة (Cool وله خريطة كبيرة وضح عليها خط الاستواء وظهرت عليها مدينتا عانة
    وكوكو ونهر النيجر .

    ابن الصغير المالكسي ( القرن الثالث الهجري )

    عاش ابن الصغير في الدولة الرسمية وأرخ لائمتها في القرن الثالث الهجري في
    كتابه تاريخ أئمة الدولة الرسمية وتعرض للتجارة والمراكز التجارية وعلاقات
    الدولة عبر الصحراء مع ملوك إفريقيا مثل السفارة التي بعثها الإمام أفلح بن
    عبدالوهاب إلي أحد الممالك الإفريقية(9).

    واذا استثنينا اليعقوبي نجد أن معلومات كتاب القرن الثالث الهجري عن طريق
    الصحراء والممالك الإفريقية جنوبي الصحراء قليلة بل أهملها بعضهم مثل ابن
    خرداذبه في كتابه ( المسالك والممالك ) والفرغاني في كتابه ديوان علم النجوم
    عندما تحدث في الفصل التاسع عن المدن التي حدد مواقعها في الاقطار فلم يذكر سوي
    مدينة جرمة التي ذكر أنها عاصمة الحبشة ويقصد بها دولة كانم .

    ويبدو أن السبب في ذلك بعد المنطقة وصعوبة الوصول إليا ولذلك يلاحظ أن اغلب ما
    كتب عن مسالك الصحراء ارتبط بمواطن الذعب في مملكة غانة وجنوبها وهي المناطق
    التي حاول التجار الوصول إليها ونقل الأخبار عنها.

    مصادر القرن الرابع الهجري ( العاشر الميلادي )

    تقدم علم الجغرافيا في هذا القرن تقدما سريعا وتعددت المؤلفات التي تخصصت في
    الجغرافيا الوصفية وتناولت المسالك والجانب الكوزمجرافي وصف الكون وحمل هذا
    النوع في الغالب اسم العجائب والغرائب الي جانب مؤلفات الجغرافيا الفلكية .

    وقد شهد هذا القرن تطورا أخر بظهور الجغرافيا الاقليمية التي تناولت اقليم
    المغرب فجاءت دراستها وافية شملت معلوماتها مناطق واسعة في الصحراء وبالرغم من
    أن معظم هذه الأعمال مازال مفقودا إلا أن ماوصل إلينا عن طريق الكتاب
    المتأخرين من تلك المصادر ساهم في دراسة المنطقة .

    ابن حوقل النعيمي أبوالقاسم ت 367/ 977/

    يعتبر ابن حوقل من أشهر مؤلفي هذا القرن الذين تناولوا مسالك الصحراء فترك لنا
    معلومات قيمة في كتابه صورة الأرض (10) الذي جمع مادته في إفريقيا أثناء تجواله
    واشتغاله بالتجارة (11) فقد طاف في بلاد المغرب حتي درعة مابين عامي 336- 340هـ
    /947 – 951م ودخل الصحراء الكبري حتي اودغست فكان بذلك أول جغرافي عربي يصل إلي
    تلك المناطق .

    وقف ابن حوقل علي احوال المنطقة فجاءت معلوماته دقيقة عن الجزء الغربي من
    الصحراء الكبري ويبدو من خلال وصفه أن النشاط التجاري ربط المنطقة كلها ربطا
    تاما مابين سجلماسة واودغست غربا حتي زويلة شرقا وبين ارتباط سلع المنطقة
    بتجارة حوض البحر المتوسط.

    غير أن معلومات ابن حوقل عن الطريق الغربي من سجلماسة إلي غانة جاءت قليلة مما
    يجعلنا نرجح الرأي الذي يشكك في وصوله إلي اودغست (12) رغم ماذكره في كتابه أنه
    دخلها (13) ولذلك فإن معلوماته عن ممالك إفريقيا جنوب الصحراء مختصرة جدا حتي
    بالنسبة لمملكة غانة فلو كان ابن حوقل قد وصل اودغست لتمكن من جمع أخبار غزيرة
    عن أحوال المنطقة ، ولاعطي صورة واضحة عن مملكة غانة التي كانت علي بعد مراحل
    قليلة من أودغست خاصة ,انها كانت مثار اهتمام عالم حوض البحر المتوسط لاعتماده
    كبيرا علي الذهب الذي تصدره .

    وقد أشار ابن حوقل فقط إلي مراكز جنوبي الصحراء مبينا المسافات بينها وبين غانا
    شرقا حتي كوكو شرقا حتي فكوار فمصر (14).

    البلخي :

    أبوزيد حمد بن سهل ( أوائل القرن 4هـ/ 10م) وضع البلخي كتابه ( صورة الأقاليم)
    في شيخوخته حول عام 309/ 921م (16) كتب البلخي عن معادن الذهب التي وصفها بأنها
    قريبة من مدينة سجلماسة وتحدث قليلا عن طريق الذهب كما اشار إلي زويلة عبر
    المناطق الشرقية من الصحراء الكبري لكنه لم يتطرق إلي ممالك ومراكز إفريقيا .

    الاصطخري :

    أبواسحق محمد إبراهيم ( النصف الأول من القرن 4هـ / 10م) يحمل مؤلف الاصطخري
    الجغرافي اسمين ( مسالك الممالك (18) والثاني ( كتاب الاقاليم ) (18) وتتفق
    مادة الكتابين فيما يتعلق بموضوع البحث فيما عدا بعض الإضافات والاختلافات
    الطفيفة وفي نهاية كتاب ( مسالك الممالك ) مكتوب ( انتهي كتاب الاشكال ).

    ركز الاصطخري اهتمامه في كتاباته علي ديار الإسلام والقليل من المعلومات التي
    ذكرها عن الصحراء اعتمد فيها علي البلخي اعتمادا اساسيا وتوجد خريطة في كتاب
    الاقاليم ظهرت عليها مدينة زويلة .

    المسعودي :

    ابوحسن علي ابن الحسين ت 346 هـ / 957م بالرغم من غزارة ماكتبه المسعودي في
    الجغرافيا إلا أن معلومات عن غرب إفريقيا قليلة بالقياس إلي ماكتبه عن بحر
    القلزم وساحل الزنج فلم يرد شيء يتعلق بموضوعات في كتابه التنبيه والأشراف ،
    لكنه حفظ لنا في كتابه ( مروج الذهب ومعادن الجوهر ) ماكتبه ابو اسحق ابراهيم
    الفزازي في القرن الثاني الهجري عن مملكة غانة (19).

    والكتاب الذي وردت فيه بعض المعلومات عن العلاقات التجارية عبر الصحراء ومملكة
    غانة هو كتاب العجائب الذي ارتبط مختصره باسم ابن وصيف شاه الذي اشار إليه حاجي
    خليفة تحت اسم ابراهيم بن وصيف شاه المصري(20) وحدد شاكر مصطفي وفاته لعام 596
    هـ / 1200م ونسب إليه عجاب الدنيا وذكر أنه يسمي كذلك كتاب العجائب الكبير
    (21).

    وذهب كراتشكوفسكي إلي أن ابن وصيف شاه عاش في بداية القرن السابع الهجري (13)
    ولا يوافق علي اسناد كتاب العجائب إلي ابن وصيف شاه ويستبعد اطلاقا أن يكون
    الكتاب للمسعودي (22).

    غير أن البكري اشار إلي ابن وصيف شاه ونقل عنه في مخطوطه كتاب " المسالك
    والممالك " في أكثر من موضع مما يوضح أن ابن وصيف شاه ألف كتابه قبل عام 460هـ/
    1067م وهو الوقت الذي الف فيه البكري كتابه (23).

    والاسباب التي ادت بالبكري مصطفي وكراتشكوفسكي إلي جعل تاريخ حياته متأخرا في
    القرن السادس الهجري 12 م وما بعده هو أن المؤلفات التي حملت اسم ابن وصيف شاه
    تناولت اخبارا حتي عام 609هـ - 1209م كما في كتاب جواهر البحور عام 688 هـ كما
    في كتابه مختصر العجائب الذي يمتد أحيانا حتي عام 923هـ / 1417م (25).

    وبناء علي اشارات البكري لابن وصيف شاه فإن تاريخ حياته يرجع إلي النصف الأول
    في القرن الخامس الهجري أو قبله 11 م وقد اضيفت إلي مؤلفاته اخبار لاحقة غطت
    الفترات التي شملتها تلك الإضافات وامتدت حتي القرن العاشر الهجري 16 م كما في
    كتابه مختصر العجائب .

    وكتاب مختصر العجائب الذي نحن بصدد الحديث عنه هنا يرجح بعض الكتاب انه هو نفسه
    كتاب ( الجمان في مختصر أخبار الزمان ) يسمي أحيانا أخبار وعجائب البلدان (26).

    ومخطوطه مختصر عجائب البلدان لابن وصيف شاه في معهد أحياء المخطوطات
    العربية(27).

    مكتوب علي البطاقة الملحقة بها في أول القلم محتويات كتاب عجائب الدنيا
    للمسعودي ، ومكتوب في أول المخطوط بها مختصر عجائب الدنيا للمسعودي .

    وتوجد مخطوطة أخري لابن وصيف شاه في معهد المخطوطات تحت اسم زبدة محاسن مرآة
    الزمان واستخراج نفائس دور ما احتوته من عدائب لابن وصيف شاه .

    والمادة الموجودة في المخطوطين – علي الأقل فيما يتعلق بموضوع البحث هي نفس
    المادة التي اثبتها يوسف كمال في اطلسه تحت اسم أخبار الزمان للمسعودي (29)
    ويدل كل ذلك علي كتاب العجائب الذي اختصره ابن وصيف شاه هو كتاب المسعودي الذي
    يسمي اخبار الزمان ويشار إليه احيانا أخري تحت اسم مرآة الزمان .

    المقدسي :

    ابوعبدالله محمد بن ابي بكرت 390هـ / 999م شرح المقدسي في مقدمة كتابه احسن
    التقاسيم في معرفة الأقاليم (30) منهجه وتحدث عن مصادره وأسفاره وانتقد من
    سبقوه لعدم مراعاتهم الدقة أو لعدم ذكرهم تفاصيل الاقاليم .

    ولم ترد في كتابه اشارات للطرق عبر الصحراء بل ربط زويلة وسلماسة بمراكز المغرب
    الكبري فقط ، لكنه تطرق إلي نظم التعامل التجاري جنوبي الصحراء واعتمد في
    معلوماته علي البلخي والاصطخري .

    ابن رسته وسهراب :

    أما كتاب ابن رسته ( الأعلاق النفسية (31) وكتاب سهراب ( عجائب الاقاليم السبعة
    ) (22) فلم يتعرضا لمسالك الصحراء والتجارة فالأول ركز كلامه علي طرق شرقي
    العالم الإسلامي بينما تناول الثاني مراكز الصحراء الشمالية فقط .

    مؤلفات مفقودة :

    من المؤلفات الجغرافية الهامة المفقودة في هذا القرن :

    1- كتاب المسالك والممالك لأحمد بن محمد الرازي ت 344هـ/ 955م

    2- كتاب مسالك افريقيا وممالكها لابي عبدالله محمد بن يوسف ت 362هـ / 973
    (33)

    ترجع أهمية الكتابين إلي أن مؤلفيها مغربيان عايشا حركة التجارة وتجار الصحراء
    فتمكنا من جمع المعلومات عن العلاقات التجارية والممالك الإفريقية وقد استفاد
    من هذه المعلومات الكتاب المتأخرون مثل البكري .

    3- المسالك والممالك للحسن بن أحمد المهلب ت / 380/990 م عاش المهلب بمصر حيث
    الف كتابه وقدمه للخليفة الفاطمي العزيز ، ولذلك عرف كتابه بالغريزي وهو من
    أوائل الكتاب الذين وصفوا الممالك الإفريقية وصفا دقيقا (34) فتناولت مادته
    المراكز التجارية وممالك الصحراء وطرقها .

    والمهلبي صاحب أقدم وأهم نص عن مملكة كوكو ودخول الإسلام فيها في وقت مبكر يرجع
    إلي النصف الأول من القرن الرابع الهجري 11 أو قبله (35) وقد استفاد من المهلبي
    كل من ياقوت الحموي وأبوالفداء والقلقشندي فحفظوا لنا نصوصا قيمة من ذلك المؤلف
    .

    مصادر القرن الخامس الهجري:

    توفرت المعلومات عن مسالك الصحراء التجارية والمراكز في هذا القرن لازدياد
    الارتباط التجاري عبر الصحراء بين دول شمال إفريقيا وممالك إفريقيا جنوب
    الصحراء التي استقبلت اعدادا كبيرة من المسلمين ، فقد أدي قيام دولة المرابطين
    إلي توحيد منطقة نهر السنغال بالمغرب الأقصي في وحدة سياسية كما حاولت دولة
    كانم مد حدودها شمالا عبر كوار نحو واحات فزان .

    ومن اشهر مؤلفي هذا القرن :

    البكري :

    أبوعبدالله بن عبدالعزيز ت / 487 هـ اكتملت الصورة عن مملكة غانة " وتجارتها
    وأحوال سكانها ونظام الحكم فيها وعلاقاتها عبر الصحراء بمؤلف البكري " المغرب
    في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب " (36) الذي انتهي من تأليفه عام 360 هـ/ 1067م
    وهو جزء من كتاب المسالك والممالك .

    تعرض البكري بتفصيل دقيق للصحراء المغربية وغرب إفريقيا فتناول الطرق بمراحلها
    واماكن جود المياه والمخاطر التي تواجه القوافل واورد تفاصيل وافية عن دور
    المراكز التجارية في النشاط التجاري ولكن يلاحظ علي كتابة البكري أن المعلومات
    تقل بصورة واضحة فيها كلما اتجه من غرب افريقيا شرقا نحو انحناءة نهر النيجر
    الوسطي وحوض بحيرة تشاد .

    وربما كان السبب في ذلك هو مصادره التي تركزت معلوماتها علي الجزء الغربي من
    المنطقة ، فقد اعتمدت معلوماته علي التجار الذين ارتبطوا في عصر المرابطين خاصة
    في الفترة الأولي من قيام الدولة ارتباطا قويا بين حوض نهر السنغال الأندلس حيث
    ألف البكري في ذلك الوقت كتابه بالإضافة إلي الوثائق الرسمية التي توفرت في
    الأندلس في ذلك الوقت عن غرب إفريقيا .

    ولا يبدو أن البكري دخل الصحراء الغربية أو مملكة غانة كما رجح بعض الكتاب (37)
    فبرغم التفاصيل الوافية لمعلوماته إلا أنه لم تحمل اي إشارة إلي دخوله المنطقة
    ، ومايوضح مصاحبته للقوافل التي اسهب في وصفها ، فقد ذكر البكري اربعة طرق عبر
    الجزء الغربي من الصحراء الكبري فلو كان قد سلك أحد الطرق جنوبا لاتضح ذلك في
    كتاباته عنها .

    البيروني :

    ابو الريحان محمد بن أحمد ت 440 هـ / 1048م

    يغلب علي مؤلفاته البيروني طابع الجغرافيا الفلكية ويبدو ذلك واضحا في كتابه "
    الآثار الباقية عن القرون الخالية " والكتاب الذي يدخل في نطاق موضوعنا هو صفة
    المعمورة (38) وقد جاءت فيه بعض الإشارات إلي الطرق ومراكز التجارة والسلع
    التجارية وتوجد خريطة للأقاليم في الكتاب ظهرت عليها مناطق جنوب الصحراء في
    الاقليم الثالث.

    المنجم : اسحق بن الحسين ت : اخر القرن الخامس الهجري 11م المنجم جغرافي اندلسي
    وضع كتابه " أكام المرجان في ذكر المدائن المشهورة بكل مكان (39) قبل عام 454هـ
    / 1062م وبالرغم من أن المنجم اندلسي إلا أن المعلومات التي اوردها عن التجارة
    والطرق قليلة انحصرت في وصفه لبعض المناطق جنوبي الصحراء وتحدث عن وفرة الذهب
    والتجارة الصامتة .

    كتب طبقات الأباضية :

    تميزت طبقات الأباضية بانها تضمت سير واخبار الكثيرين من الفقهاء الذين ترددوا
    عبر الصحراء إلي الممالك الإفريقية منذ القرن الثالث الهجري وقد ربطت اولئك
    الفقهاء صلات قوية بتلك المناطق كانت الدعوةإلي الإسلام من أقوي اسبابها.

    كانت التجارة عاملا هاما في تلك الصلات حيث مثلت التجارة المهمة الرئيسية لمعظم
    اولئك الفقهاء الذين ارخت لهم كتب الطبقات وكان اولئك التجار يستقرون لفترات
    طويلة في مراكز وممالك جنوبي الصحراء الي المسالك الإفريقية منذ القرن الثالث
    الهجري وقد ربطت اولئك الفقهاء صلات قوية بتلك المناطق كانت الدعوة إلي الإسلام
    من اقوي اسبابها.

    كانت التجارة عاملا هاما في تلك الصلات حيث مثلت التجارة المهمة الرئيسية لمعظم
    اولئك الذين ارخت لهم كتب الطبقات وكان اولئك يستقرون لفترات طويلة في مراكز
    وممالك جنوبي الصحراء ويتجولون في الأماكن الداخلية من افريقيا فارتبطت سيرهم
    بتلك الانحاء ويعبر كتابا ، الورقلاني ابي زكريا يحيي بن ابي بكر ( القرن
    الخامس الهجري (40) وكتاب الوسياتي ابي الربيع عبدالسلام ت / 471(41) من أقدم
    طبقات الاباضية التي تضمنت أخبار الصحراء والأنشطة الثقافية والتجارية .

    مصادر القرن السادس الهجري (12م )

    الإدريسي ابوعبدالله محمد بن محمد بن عبدالله ت / 560هـ / 1164م

    الأدريسي من أبرز مؤلفي القرن وترك لنا معلومات قيمة في كتابيه :

    1- صفة المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس (42)

    2- انس المهج وروض الفرج وهذا الكتاب من مؤلفات الأدريسي غير المشهورة فهو
    لازال مخطوطا لم يطبع والنسخة الموجودة في معهد احياء المخطوطات العربية مفهرسة
    تحت اسم عبدالله بن محمد بن محمد الشريف القرطبي المتوفي عام 560هـ (43)

    استفاد الأدريسي من معلومات الجغرافيين السابقين منذ القرن الثالث الهجري كما
    اعتمد علي مصادره الخاصة فيما يتعلق بجنوبي الصحراء الكبري والتي اشار إليها
    كثيرا مثل احد التجار الثقاة الذي تجول في السودان نحو عشرين عام (44) واخبرني
    أهل المغرب الاقصي ورجلان (45) واخبرني بعض من دخل المدينة(46) واخبرني (
    الثقافة من متجولي التجار ) (47) اورد الأدريسي في الكتاب الأول – صفة المغرب
    وأرض السودان ومصر والأندلس معلومات قيمة وتفاصيل دقيقة عن ممالك إفريقيا جنوب
    الصحراء والمراكز والمسافات بينها في لاقاليم بصورة واضحة تساعد علي تحديد
    مواقعها.

    وتناول الطرق الصحراوية عبر جميع مناطق الصحراء وافاض الحديث عن النشاط التجاري
    ووصف القوافل واعدادها والسلع التي تنقلها في ذهابها وايابها بتفصيل دقيق لم
    يسبقه إليه احد ممن وصلتنا اعمالهم .

    ويعتبر الأدريسي أول من أمدنا بمعلومات وافية عن الجزء الأوسط من الصحراء
    الكبري بخلاف المؤلفات السابقة والتي ركزت علي الصحراء الغربية حيث الطريق
    المباشر الي الذهب في اعالي نهري السنغال والنيجر .

    وفي الكتاب الثاني أورد الأدريسي معلومات مختصرة وهو الهدف الذي من أجله ألف
    الكتاب فقد ذكر في مقدمته( فإنك قد سألتني أن أولف لك كتابا مختصرا في مسالك
    الأرض وممالكها )

    ركز الإدريسي في هذا المختصر علي الاقاليم واقسامها وبيان المدن والمسافات
    بينها مع رسم خريطة توضيحية لكل اقسام الاقاليم ساعدت هذه الخرط علي تحديد
    مواقع المراكز والطرق.

    أبوحامد الغرناطي :

    أبوعبدالله محمد عبدالرحيم بن سليمان الأندلسي ت / 565هـ / 1170م ورد لقب أبي
    حامد الغرناطي بصورة مختلفة في مجموعة المخطوطات المنسوبة آليه فاحيانا يلقب
    بالقبسي الغرناطي واحيانا اخري بالربيع القيسي كما لقب ايضا بالمازني ونسب إليه
    عدد من المخطوطات مثل :

    1- المعجب عن بعض غرائب المغرب (48)

    2- عجائب المخلوقات (49)

    3- نخبة الأذهان في عجائب البلدان (50).

    ولم أتمكن من رؤية المخطوطات المذكورة أعلاه لكنني رأيت ثلاث نسخ من مخطوطة
    أخري حملت اسم ( تحفة الألباب ونخبة الاعجاب ) الموجودة بالمكتبة الوطنية
    بباريس ومكتوب عليها ( تأليف الإمام ابن عبالله محمد بن عبدالرحيم ابن سليمان
    الربيع القبسي الغرناطي ).

    والنسخة الثانية موجودة في الخزانة الملكية بالرباط مكتوب عليها تأليف( ابي
    عبدالله محمد بن عبدالرحيم بن سليمان الربيعي)(51) والنسخة الثالثة علي
    مايكروفلم بمعهد المخطوكات العربية (52) مصورة عن نسعة ف يجامعة كمبردج تحت رقم
    (02.6.902 ) وهي تحم اسم ( عجائب البلدان ) ومكتوب علي الصفحة الأولي تاليف(
    ابوحامد محمد بن عبدالرحيم الأندلسي (53) والمادة الموجودة فيها تطابق المادة
    الموجودة في النسختين اعلاه مما يؤكد أنها نفس العمل تحت اسم مختلف معلومات عن
    الطريق منها إلي غانة غير دقيقة إذ جعل المسافة علي هذا الطريق نحو ستة أشهر
    وكتب عن غانة وتكرور وغدامس كما تناول التجارة والسلع عبر الصحراء كل ذلك في
    المنطقة الغربية من الصحراء الكبري ولم يتعرض إلي المنطقة الشرقية من الصحراء .

    جغرافية المأمون :

    اعدها مجموعة من الجغرافيين في عصر الخليفة العباسي المامون فعرفت باسمه وقد
    وصل هذا المؤلف الينا عن طريق كتاب متعددين في عصور لاحقة بعد أن اضيف إليه
    الكثير من الأحداث حتي القرن الخامس الهجري 11م واحيانا بعده وقد تناولتها تحت
    مصادر القرن السادس الهجري لأن النسختين المطبوعتين منها تحملان منها اسم
    الزهري الذي عاش بغرناطة حول عام 533هـ / 1137م.

    رأيت ثلاث نسخ مخطوطة من هذه الجغرافيا : الأولي بدار الكتب المصرية بالقاهرة
    وتحمل في فهرس الدار اسم ( جغرافية المأمون )(54) وعنوانها المثبت في أول
    المخطوط رسالة في الجغرافيا وورد علي الورقة الثانية في المخطوط نفسه :

    ( نسخت هذه الجغرافيا من نسخة شيخنا من جغرافية الفارابي التي نسخها من جغرافية
    أمير المؤمنين عبدالله المأمون بن هارون الرشيد التي اجتمع عليها سبعون رجلا من
    أهل العراق ).

    والثانية بالخزانة الملكية في المغرب تحت اسم ( السفرة لمؤلف مجهول ) (55)
    ومكتوب علي الورقة الأولي :

    " قال المؤلف عفا الله عنه أما بعد : هذه الجغرافيا من نسخة نسخت من جغرافية
    الفزاري التي نسخها من جغرافية أمير المؤمنين عبدالله المأمون بن هارون الرشيد
    التي اجتمع عليها سبعون رجلا من أهل العراق .

    الثالثة : في الخزانة الملكية بالمغرب تحت اسم ( الجغرافيا والحلل الموشيه )
    للفزاري (56).

    وقد وردت جغرافية المأمون في نسختين مطبوعتين ، الأولي نشرها يوسف كمال اخذها
    عن مخطوطه المكتبة الوطنية في باريس مكتوب في اولها :0

    هذه الجغرافية نسخة نسخت من جغرافية القماري التي نسخت من جغرافية أمير
    المؤمنين عبدالله المأمون 57).

    الثانية نشرت تحت اسم ( كتاب الجغرافيا (58) والمعلومات التي وردت فيها عن
    افريقيا جنوب الصحراء أكبر من المادة التي وردت في المخطوطة نشرها يوسف كمال .

    والمادة التي وردت في كل هذه النسخ فيما يتعلق بموضوع بحثنا تكاد تتفق ماعدا
    الاختلافات القليلة أو الإضافة والنقصان .

    تضمنت هذه النسخ بعض المعلومات عن البلاد الإفريقية التي اطلقت عليها ( بلا
    جنارة ) وتعني هذه الكمة بلسان البرير السودان (59) وجعلت غانة عاصمة للاقليم
    كله بالرغم من التحديد الواسع لبلاد جناوة الوارد في النسخ والذي يكاد يطابق
    المعني الواسع لكلمة السودان (60) وتناولت المخطوطات طرق التجارة ومراكزها
    والسلع التجارية ودخول الإسلام إلي غاة ومدينة تاد مكة .

    مؤلف مجهول : كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار :

    كان مؤلف الكتاب في خدمة دولة الموحدين ت في عصر يوسف يعقوب ابن يوسف المنصور
    الموحدي ت / عام 595م هـ (61) ورجع تاليف الكتاب الي عام 587هـ / 1191 م ( 62)
    وتوجد طبعتان للكتاب احداهما تتناول شمال إفريقيا فقط (63) والأخري تتناول
    الصحراء وجنوبها (64) كما توجد منه نسخة غير مكتملة بالخزانة العامة
    بالرباط(65).

    والملاحظ علي مادة الكتاب فيما يتعلق بموضوع البحث – أنها هي نفس مادة البكري
    منقولة بالنص في أغلب الأحيان فعلي سبيل المثال ماورد عن غانة وتد مكة وكوكو هو
    نفسه ما جاء عند البكري .

    المارغني اللوغني ، أبوعمر عثمان بن خليفة

    المارغي السوفي من كتاب طبقات الاباضية غير المشهورين خارج الوسط الأباضي
    وكتابه المعروف باسم ( تاريخ المغاربة الاباضية) لم يشتهر كغيره من كتب
    الطبقات.

    وربما كان السبب في ذلك أن المخطوط لم يخرج من مكتبات الاباضية الخاصة في وادي
    مزاب بالجزائر وغيرها من اماكن تجمعات الاباضية في جبل نفوسة بليبيا وجزيرة
    جرية بتونس ولذلك لم يتعرف عليه الدارسون إلا مؤخرا .

    وقد اطلعت علي نسخة من المخطوط مكتوبة علي الآلة الكاتبة اعدها للنشر عام 1980
    الدكتور عمر النامي بجامعة الفاتح بطرابلس غير انني اعتقد أنه لم يتمكن من
    نشرها للظروف الخاصة التي تعرض لها.

    وإلي جانب الأخبار التي يحملها المخطوط عن مراكز إفريقيا جنوبي الصحراء فإنه
    أورد نصا عن إسلام أحد ( ملوك السودان ) الذي رجحنا أن يكون أحد ملوك مالي في
    القرن العاشر الميلادي مما يدل علي وصول الإسلام إلي المناطق الداخلية في اعالي
    نهر السنغال والنيجر علي ايدي الأباضية .

    الورقلاني :

    ابو يعقوب يوسف ابراهيم السدراتي ت / 570 هـ الورقلاني من مشاهير فقهاء
    الاباضية إلا أنه لم يكتب في الطبقات بل الف في العلوم الدينية والتاريخ وذكر
    عمر التامي أنه نقب كثيرا فلم يعثر علي مؤلف له في التاريخ لكنه لا ينفي وجوده
    (66).

    وان الورقلاني كثير السفر لغرب إفريقيا وبخاصة إلي مملكة غانة ، وذكر في كتابه
    الدليل البرهان (67) أنه وصل قريبا من خط الاستواء ووصف المنطقة علي حدوده
    وكانت له مراسلات مع بعض الفقهاء في غانة .

    هوامش :

    1- انظر علي سبيل المثال : Brigss , LLoid Cabot : Tribes of the Sahara (
    Harvard Unigersity press 1967) – لوت هنري : لوحات تسيلي ، قصة لوحات كهوف
    الصحراء الكبري قبل التاريخ ، ترجمة أنيس زكي حسن ط 1 ( بيروت 1967). – لوت ،
    هنري ( الرسوم الصخرية في الصحراء الكبري ، في كتاب الصحراء الكبري ( مركز جهاد
    الليبيين للدراسات التاريخية 1979م) ص 8- 107 شتريت ، كارل هـ : ( الرسوم
    الصخرية كمصدر تاريخي ) في كتاب الصحراء الكبري 145- 166 .

    2- طبهة ليدن 1891 ، ملحق بكتاب الأعلاق النفسية لابن وسنه .

    3- اليعقوبي : تاريخ اليعقوبي ( بيروت 1960) ص 193

    4- طبعة ليدن / بريل 1302

    5- كراتشكوفسكي ، أ , ي : تاريخ الادب الجغرافي ، ترجمة صلاح الدين عثمان
    هاشم القاهرة 1961 قسم 1 ص 162 .

    6- المراكز التي ذكرها ابن الفقيه لهذا الطريق ما بين الواحات الصمرية ونهر
    النيجر لازالت تحتاج إلي الدراسة للوصول إلي تديد مواقعها ، انظر مقالتا ( طرق
    التجارة عبر الجزء الشرقي من الصحراء الكبري ) في كتاب الصحراء الكبري ص 213:

    7- طبعة فينا 1926م

    8- Trimingham , J.S.A history of Islam In west Africa ( Oxfor
    1970)p.48

    9- رجحنا أن تكون المملكة السودانية التي قصدتها تلك السفارة هي مملكة غانة
    انظر: أحمد الياس حسين : العلاقات بين مملكة غانة والمغرب الغربي بين القرنين
    2- 5هـ / 8 – 11م ، رسالة دكتوراه معهد البحوث والدراسات الإفريقية ، جامعة
    القاهرة 1982م ص 80

    10- طبعة 2 ليدن ابريل 1962م

    11- يعتقد كراتشكوفسكي أن ابن حوقل ربما كان في الأصل داعيا سياسيا للفاطميين
    أو العباسيين ضد أموي الأندلس ، انظر كراتشكوفسكي : المرجع السابق قسم 1 ص 200
    ، 204

    12- يري لفتويون أن وصف ابن حوقل للطريق الغربي لا يبدو عليه وصف من رافق
    القوافل علي الطريق كما فعل ابن بطوطة مثلا في وصفه للطريق أثناء عبوره الصحراء
    انظر : Levtzion Ibn Hawgual , The cheque and Awdgost " Joournal of African
    history (JAH) vol. IX( No. 2 1968.P.227

    13- ذكر ابن حوقل ( ولقد رأيت باودغست صكافيه ذكره حق ..) ابن حوقل : ص 99

    14- نفسه ص 92

    15- توجد منه نسخة مخطوطة مصورة غير مفهرسة في معهد أحياء المخطوطات العربية
    بالقاهرة .

    16- كراتشكوفسكي : المرجع السابق قسم 1 ص 198

    17- طبعة ليدن 1906

    18- طبعة دونة 1829

    19- السعودي : مروج الذهب ومعادن الجوهر ، ط 2 ( بيروت ، دار الأندلس 1973) ج
    2 ص 223

    20- حاجي خليفة : كشف الظنون في أسماء الكتب والفنون ( بغداد ، المثني ، مصور
    بالأوفست من طبعة 1941 ) ج 1 ص 276

    21- شاكر مصطفي : التاريخ العربي والمؤرخون ط أولي ( بيروت ، دار العلم
    للملايين 1979) ج 2 ص 179

    22- كراتشكوفسكي : المرجع السابق ، قسم 1 ص 185 ، 186

    23- ذكر عبدالله يوسف الغنيم الذي جمع12 نسخة مخطوطة من كتاب البكري ، المسالك
    والممالك ، أن البكري اشار في اكثر من موضع لابن وصيف شاه انظر عبدالله يوسف
    الغنيم : الجغرافي العربي أبوعبيدالله بن عبدالعزيز البكري 413 – 496 رسالة
    ماجستير قدمت إلي قسم الجغرافيا بكلية الآداب جامعة القاهرة عام 1973 م ص 68 –
    69

    24- شاكر مصطفي ، المرجع السابق ج 2 ص 179

    25- كراتشكوفسكي ، المرجع السابق ج 1 ص 185

    26- مجموعة من المؤلفين للشريف الإدريسي في الجغرافيا ( نشر نقابة المهندسين
    العراقية 1974م الكتاب الثاني ص 320 .

    27- تحت رقم 37 جغرافيا

    28- تحت رقم 554 CREATEDATE \@ "dd/MM/yyyy h:mm am/pm" ‏ تاريخ

    29- Yousif kamal : Mqumenta Cartographie Africa et Agypti Tome 3 F. 11
    (1930) P.628

    30- طبعة ليدن ابريل 1906

    31- طبعة ليدن 1891 – لم يتبق من موسوعة الاعلاق النفسية سوي الجزء السابع
    فقط في الجغرافيا والفلك

    32- طبعة ليزج 1930

    33- حسين مؤنس ، تاريخ الجغرافيا في الأندلس ط 1 ( مدير معهد الدراسات
    الإسلامية 1967 ) ص 196

    34- صلاح الدين المنجد قطعة من ( كتاب مفقود المسالك والممالك ، للمهلبي مجلة
    المخطوطات الغربية ( مجلد 4 جـ ( 1958 ) ص 47

    35- ياقوت الحموي معجم البلدان ط ( 1869 ) ج 7 ص 302

    36- طبعة الجزائر 1857

    37- ابراهيم طرخان الإسلام واللغة العربية في السودان الغربي والأوسط مستخرج من
    مجلة جامعة امدرمان الإسلامية العدد الثاني ( 1969م) ص 10

    38- طبعة ليزج 1927

    39- طبعة ايطاليا 1929

    40- السير واخبار الأئمة مخطوط بدار الكتب المصري رقم 9020

    41- سير أبي الربيع مخطوط بدار الكتب الصمرية رقم 9113 ج.

    42- طبعة ليدن – ابريل 1864 مأخوذة من كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق .

    43- مصور علي مايكروفلم تحت رقم3 جغرافيا.

    44- الإدريسي المغرب ص 10

    45- نفسه ص 11

    46- نفسه ص 6

    47- نفسه ص 33

    48- ذكرها حسين مؤنس – المرجع السابق ص 325 أبوالقاسم الزياتي الترجمانة الكبري
    في أخبار المعمور براويجرا ( المغرب 1967 ) ص 31 حاشية رقم 2.

    49- ذكرها أبوالقاسم الزياني ، المرجع السابق ، نفس المكان وكذلك حسين مؤنس
    المرجع السابق نفس المكان .

    50- ذكرها أبوالقاسم الزياني ، المرجع السابق نفس المكان .

    51- تحت رقم 2171

    52- تحت رقم 1606

    53- تحت رقم 26 جغرافيا

    54- تحت رقم 1949 ط

    55- تحت رقم 5935

    56- تحت رقم جـ 345

    57- Yousuf Kamal : Op.cit P. 801

    58- حققها محمد حاج صادق – مكان الطبع وتاريخه غير واضح.

    59- Martin , BG. Kamem Bornu and Fazan , notes on the political History of
    trade route JAH. Vol. x ( 1989)p. 18

    60- ابن مسودة المري عبدالسلام بن عبدالغفار دليل مؤرخي المغرب الاقصي ( الدار
    البيضاء دار الكتاب دون تاريخ ) جـ 1 ص 34

    61- كراتشكوفسكي ، المرجع السابق ، قسم 1 ص 301

    62- نشرها الفريد كريمة ( فينا 1852 )

    63- حققها سعد زغلول عبدالحميد ( اسكندرية 1958)

    64- تحت رقم 451

    65- هذا الملك هو الذي اشار إليه البكري واطلق عليه اسم المسلماني انظر مقالنا
    عن دور فقهاء الاباضية في اسلام مملكة مالي قبل القرن الثالث عشر الميلادي قدم
    إلي ندوة العلماء الأفارقة ومساهمتهم في الحضارة العربية الإسلامية الخرطوم 28
    – 30 يوليو 1983م ص 9

    66- عمر النامي ( ملامح الحركة العلمية بورجلان ونواحيها منذ انتهاء الدولة
    الرسمية حتي اواخر القرن 6 هـ ) مجلة الاصالة عدد 42- 43 (فبراير مارس 1977 / )
    ص 32

    67- اطلعت علي هذا الكتاب في مكتبة الشيخ اطفيش في بن يزقن بوادي مزاب بالجزائر
    وهو مطبوع طبعة حجرية وتوجد منه نسخ مخطوطة من المنطقة .

    * نشرة هذه الورقة بمجلة دراسات افريقية ـ معهد البحوث والدراسات الأفريقية
    جامعة إفريقيا العالمية (السودان)

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 364
    تاريخ التسجيل: 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء أبريل 27, 2011 4:42 am

    نماذج من التواصل الحضاري بين شمال أفريقيا والصحراء الكبرى
    د. مصطفى أعشي

    جامعة محمد الخامس / الرباط

    يحاول هذا الموضوع التطرق لنماذج من التواصل الحضاري الذي كان موجوداً بين شمال
    أفريقيا والصحراء الكبرى خلال عصور ما قبل التاريخ ، باعتبارهما منطقتين
    جغرافيتين تكملان بعضهما ، انطلاقاً من متابعة التغيرات المناخية التي عرفتها
    المنطقتان ، والتحركات البشرية التي صاحبتها ، ثم التعرض للمخلفات الأثرية التي
    تبرز التواصل والتأثير المتبادل المنطقتين . ولإبراز هذه العلاقات وهذا التواصل
    نقترح التعرض من خلال هذا العرض مناقشة ثلاث نقط محورية :ـ
    1 ـ الصحراء الكبرى وتطورها المناخي وخاصة خلال الأدوار الجليدية. 2 ـ شمال
    أفريقيا وسماتها الجغرافية الأساسية.
    1 ـ بعض نماذج ومظاهر العلاقات بين المنطقتين وتطورها خلال عصور ما قبل التاريخ
    انطلاقاً من البدايات الأولى وإلى غاية توصل الإنسان إلى الزراعة وتربية
    الماشية.
    1 ـ الصحراء الكبرى وتطورها المناخي
    تعتبر الصحراء الكبرى في أفريقيا حالياً منطقة قاحلة مقفرة تغطي جزءاً كبيراً
    من وسط أفريقيا وشمالها وتكاد تمثل حاجزاً طبيعياً بين شمال أفريقيا ووسطها .
    وتمتد الصحراء الكبرى من الغرب إلى الشرق أي من المحيط الأطلسي إلى البحر
    الأحمر ، على طول 3000 كلم . ومن الشمال إلى الجنوب أي من البحر الأبيض المتوسط
    إلى بداية المناطق الاستوائية ، على طول 1500 كلم . ويحدد الباحث ميلبورن
    (M.MILBURN ) مساحتها في حوالي تسعة ملايين كلم2 1 .بينما يحددها العالم هوكو
    (HUGOT ) في أربعة ملايين ونصف مليون كلم2 2 . والصحراء تعبير نباتي ، تعني
    افتقار الإقليم للحياة النباتية والحيوانية ولكن هذا لا يعني الفقر التام ، إذ
    مما لا شك فيه أن هناك حياة نباتية وحيوانية في الصحراء.
    على الرغم من أن الصحراء الكبرى تعد من أكبر الصحاري في العالم ، إلا أنها لم
    تكن على ما هي عليه الآن ، إذ كانت إلى غاية حوالي 6000 ق . م وربما إلى بعد
    ذلك ، عبارة عن أرض رطبة تعرف الأمطار الكافية وتعج بالحياة النباتية
    والحيوانية والبشرية.
    ولهذا فقد أنكب العديد من الباحثين على دراسة هذا التحول المناخي الذي عرفه
    العالم بما فيه الصحراء وشمال أفريقيا ، منهم : كاطون ، طومسيون ، وكوتيي ،
    وهوكو ، وقوفري وغيرهم ، لرصد مراحل هذا التطور المناخي والحقائق المرتبطة به .
    كما أن أبحاثهم ودراساتهم وتساؤلاتهم ، فتحت آفاقاً جديدة لمتابعة التأثيرات
    المتبادلة بين الصحراء وشمال أفريقيا وتحديد نوعية العلاقات التي كانت قائمة
    بين المنطقتين. ومن المسلم به أن قضية العلاقات والتأثيرات المتبادلة بين
    الصحراء وشمال أفريقيا وتحديد نوعية العلاقات التي كانت قائمة بين المنطقتين.
    ومن المسلم به أن قضية العلاقات والتأثيرات المتبادلة بين شمال أفريقيا
    والصحراء ، كانت ترتبط ارتباطاً كبيراً بالتغييرات المناخية التي كانت تعتبر
    العامل المتحكم في الاستقرارات من ناحية ، وفي التحركات البشرية أخرى ، منذ
    بداية ظهور الإنسان في أواخر حقبة البليوسين وبداية حقبة البلايستوسين.
    كما أنه مما لا شك فيه أن أقل زيادة في الجفاف في مساحات الصحراء الكبرى ، كانت
    تتسبب في القيام بتحركات ونزوحات بشرية نحو المناطق التي تتوفر فيها سبل الحياة
    ، وخاصة الماء والأشجار المثمرة والحيوانات ، مما يتسبب في إحداث تغييرات
    اجتماعية وسياسية بعيدة المدى في الجهات التي يتم الانتقال إليها . ونزوح الناس
    وهجرتهم من الصحراء ، تتسبب في زيادة قحولتها وتمدد في إطالة عمر المراحل
    الجافة ، إلى حد أن تصبح طرق القوافل والمسالك القديمة غير مجدية ، بينما في
    المقابل يساهمون في كتابة فصول جديدة يضيفونها إلى المناطق التي استقروا بها
    حديثاً.

    1 ـ 1 التغييرات المناخية والأدوار الجليدية
    تثبت الأبحاث العلمية أن الكتل الجليدية القارية الموجودة في القطبين الشمالي
    والجنوبي والتي تبلغ مساحتها حالياً حوالي خمسة عشرة مليون كلم2 ،تضخم حجمها
    بدرجة كبيرة ، في عصور ما قبل التاريخ، ولاسيما خلال الأدوار الجليدية ، فزحفت
    على مساحات شاسعة من الأراضي وغطت أجزاء هامة من تجارتي أوروبا وأمريكا .
    وقد تكررت هذه الظاهرة ، على الأقل ، أربع مرات خلال المليون سنة الأخيرة من
    عصور ما قبل التاريخ وهي المعروفة بالأدوار الجليدية :ـ
    دور جليد كونز (Gunz ) ما بين 600000 و 540000 سنة ق .م
    دور جليد مندل (Mindel ) ما بين 480000 و 430000 سنة ق .م
    دور جليد ريس (Riss ) ما بين 240000 و 180000 سنة ق .م
    دور جليد قورم (Wurm ) ما بين 120000 و 10000 سنة ق .م[1]

    وقد كان يفصل بين كل دور جليدي وآخر فترات بين جليدية دفيئة هي التي تعود فيها
    الصحراء إلى حالة الجفاف. ونذكر على سبيل المثال أنه في حدود 20000 سنة ق.م
    بلغت كتل الجليد أقصى زحفها إذ بلغت المساحة المغطاة حوالي أثنين وأربعين مليون
    كلم2 ، أي ما يقارب ثلاث مرات المساحة التي يغطيها الجليد الآن. وفي الفترات
    التي ترتفع فيها درجة الحرارة تتقلص كتل الجليد بشكل كبير نتيجة لذوبان أجزاء
    منها . وقد كان لزحف الجليد وتراجعه تأثيرات هامة على الوسط الطبيعي منها :ـ
    1ـ1 ـ1 انخفاض درجات الحرارة : عم البرد القارص والرياح الثلجية شمال أوروبا
    وشمال أمريكا وتواجدت فيها الأصناف الحيوانية المعروفة بتأقلمها مع المناخ
    الجليدي كالماموث والكركدن ذي الغطاء الصوفي والرنة والدب . كما عاشت في
    المناطق المتاخمة للبحر الأبيض المتوسط أصناف من الطيور القطبية كالبطريق.

    1ـ 1 ـ 2 انخفاض مستوى البحار : لم تعد الدورة المائية تستكمل دورتها بسبب
    البرد القارس المصاحب لانخفاض درجة الحرارة . مما تسبب في عدم ذوبان الجليد .
    وقد حدثت هذه العملية عدة مرات تبعاً للدورات الجليدية ، واستمرت آلاف السنين ،
    مما أدى إلى تراجع كبير في مستوى البحار والمحيطات . تجاوز أحياناً أكثر من
    مائة كلم . وعلى سبيل المثال فقط فإن مدينتي قابس وصفاقس التونسيتين الواقعتين
    الآن على الشاطئ مباشرة ، كانتا تبعدان عنه بحوالي 100 كلم ما بين 13000 و
    15000 سنة ق.م . كما يعتقد أنه كان هناك برزخ يربط بين أوروبا وأفريقيا عن طريق
    صقلية عبر الوطن القبلي في تونس ، وعن طريق مضيق جبل طارق في المغرب.

    1 ـ 1 ـ 3 غمر البحار لليابسة : عند ذوبان الجليد وتراجع جزء منه يرتفع منسوب
    الماء في البحار والمحيطات فتغمر أجزاء شاسعة من اليابسة وقد حدثت هذه العملية
    أربع مرات على الأقل ودامت آلاف السنين ، وتركت شواهد مادية دالة على ذلك.
    وتفيد الأبحاث المناخية أن هناك علاقة وطيدة بين زحف الجليد في أوروبا وأمريكيا
    وتنقل المرتفعات الجوية التي تتحكم في مناخ المناطق المدارية وشبه المدارية ،
    مما يؤكد أن مناخ الصحراء خلال عصور ما قبل التاريخ مر بفترات رطبة ممطرة
    تتخللها فترات من الجفاف والجدب.

    1 ـ 1 ـ 4 شواهد التغيرات : ومن الشواهد التي تؤكد هذه التغيرات التي عرفتها
    الصحراء ، الفرشات والمسطحات المائية كالبحيرات ومجاري الأنهار والآثار
    الحضارية للإنسان في الصحراء.

    1 ـ 1 ـ 4 ـ1 ففيما يتعلق بالفرشات والمسطحات الضخمة بالصحراء ، فمن المعروف
    أنه يتواجد في شمال الصحراء فرشات مائية ضخمة تغذي العيون العديدة التي تسقي
    واحات تونس والجزائر وليبيا ، وهي عبارة عن خزانات طبيعية تجمعت فيها كميات
    هائلة من المياه في الفترات الرطبة والممطرة والتي عرفتها الصحراء خلال عصور ما
    قبل التاريخ ، والموازنة للأدوار الجليدية الأوروبية.
    وتدل الدراسات الحديثة على أن ماء هذه الموائد المائية تضخم نتيجة ارتفاع مستوى
    الأمطار الساقطة على الصحراء ، فارتفع مستواها وأصبح قريباً من سطح الأرض .
    ويؤكد تحول شط الجريد في جنوب تونس ، مثلا ، إلى بحيرة شاسعة كانت تعيش على
    ضفافها مجموعات بشرية عديدة تتغذى على صيد الحيوانات . وتفيد التحاليل المعملية
    أن شط الجريد الواقع جنوب تونس كان قد تحول إلى بحيرة في مناسبتين : الأولى
    حوالي 140000 سنة ق.م ، أي بعد نهاية دور جليد ريس وبداية الفترة الفاصلة بين
    دور جليد ريس ودور قورم . والثانية حوالي 90000 سنة ق.م ، أي خلال الربع الأول
    من دور جليد قورم.

    1 ـ 1 ـ 4 ـ 2 وبالنسبة للبحيرات واتساع مجالها وتقلصه حسب التغيرات المناخية ،
    فتعتبر بحيرة التشاد من أضخم المسطحات المائية في أفريقيا . إذ يمكن اعتبارها
    بحراً داخلياً ضخماً ، يتراوح عمقها بين 3 و 7 أمتار حسب الفصول وحسب مستوى
    التساقطات . بينما خلال عصور ما قبل التاريخ ، عرفت هذه البحيرة تضخماً في
    حجمها ، وذلك فيما بين 40000 و 20000 سنة ق.م ، أي خلال المرحلة الأخيرة من دور
    جليد قورم ؛ بلغ ست عشرة مرة المساحة الحالية ، صاحبة تجاوز العمق إلى خمسين
    متراً . إلا أنه خلال الفترة المتراوحة ما بين 20000 و 10000 سنة ق.م ، بدأت
    مساحتها تتقلص بشكل ملحوظ نتيجة حلول فترة من الجفاف ، فكادت تضمحل وأصبح سطحها
    ميدانياً شاسعاً تنتقل فوقه كثبان الرمال . ولا تزال مساحتها تتراجع إلى يومنا
    هذا.

    1 ـ1 ـ4 ـ3 وإذا عدنا إلى تأثير تغير المناخ على مجاري الأنهار ، فنلاحظ أنه
    خلال توفر المناخ المطير في الصحراء ، تتسع مجاري الأنهار نتيجة لارتفاع منسوب
    المياه فتعم الخصوبة وتنتشر الخضرة ؛ ولكن إذا حل الجفاف يتقلص منسوب الماء في
    المجاري وتقل قوة سيرة فيتحول إلى عدة مجاري ، وإلى مستنقعات لا تقوى على
    التحرك . وتستقر الكثبان الرملية بالتدريج في مجراه إلى أن توقف مسيرته كما حدث
    لعدد من الأنهار في الصحراء التي نلاحظ أوديتها الواسعة ومجاريها الجافة.

    1 ـ 1 ـ 4 ـ 4 أما الآثار الحضارية الشاهدة على رطوبة مناخ الصحراء خلال
    الأدوار الجليدية والتي استوطنها الإنسان خلال عصور ما قبل التاريخ ، وترك فيها
    عدداً هاماً من الآثار المتمثلة على الخصوص ، في الأدوات الحجرية ومواطن إقامته
    وبقايا حيوانية وبشرية التي توجد الآن في مناطق جافة وقاحلة . فقد عثر في هذه
    المواطن على مجموعات من عظام الحيوانات كالفهد ، والفيل ، والكركدن ، والتمساح
    وأسماك البحيرات والأنهار ، وأفراس النهر ، والزرافات ؛ هذا علاوة على الحلزون
    المائي الذي كان يعيش في المسطحات المائية التي كانت تتواجد في الصحراء . وفي
    موقع تيهوذين بجنوب الصحراء الجزائرية التي زارها كوتيي (E.F Gautier ) وريكاس
    (Reygasse ) سنة 1932 تم العثور على صناعة حجرية مختلطة بحيوانات الكركدن ،
    والفيل ، وفرس البحر ، والبقريات والجاموس ، والخنزير ذي القرنين وحمار الوحش
    والتمساح ، والغزال الخ… . وبجانب هذه البقايا الحيوانية عثر في مناطق متعددة
    من الصحراء على مجموعات هامة من الرسوم والنقوش الصخرية التي تمثل مشاهد من
    الحياة اليومية لإنسان تلك المرحلة بجانب قطعان من الحيوانات المتنوعة ، بعضها
    انقرض ، وبعضها انتقل إلى مكان آخر والبعض الآخر لا يزال موجوداً.
    كل هذه المعطيات والشواهد تعبر بصفة واضحة وجلية عن وضع مناخي ممطر ورطب مناسب
    لحياة الإنسان والحيوان والنبات ، يختلف تماماً عن المناخ الحالي ، مما دفع
    ببعض الباحثين إلى الاعتقاد في أن الجذور الأولى لحضارة الإنسان خلال عصور ما
    قبل التاريخ في شمال أفريقيا بوجه عام ، ترجع في الحقيقة إلى جهود الإنسان
    الصحراوي في ذلك الوقت.

    كيف ذلك ؟
    إن التغيرات المناخية التي عرفتها الصحراء الكبرى يبلغ عددها لحد الآن أربعة ،
    تفصل بينها دورات جافة وحارة ، وإنه خلال هذه التغيرات التي عرفتها المليون سنة
    الأخيرة من حياة الإنسان ، الذي عاش في الصحراء ، كان مضطراً لمغادرتها والنزوح
    إلى المناطق المجاورة ، تبعاً للظروف المناخية ، بحثاً عن الكلا والمرعى والماء
    .
    وانتقاله إلى المناطق الجديدة وخاصة شمال أفريقيا كان يتم بالطبع بالجسد والفكر
    والحضارة .إذ أنه ينتقل بكل تراثه وتراكماته الحضارية التي يستعين بها للتأقلم
    مع الظروف الطبيعية الجديدة ، وهذا ما ساعده على الإسهام في التطور الحضاري
    للمنطقة الجديدة التي نزح إليها .وبهذه الطريقة فإن النازح الجديد من الصحراء
    يكون قد ساهم في تطور المنطقة الجديدة التي استقر بها.
    وعملية النزوح هذه ، تكون قد تمت على الأقل أربع مرات ، واتجهت إلى المناطق
    التي تتوفر على الماء والقوت والكلإ وهذا ما جعل بعض الباحثين ، كما أشرنا إلى
    ذلك سابقاً ، يميلون إلى القول ، بأن الصحراء كان لها دور كبير في تعمير شمال
    أفريقيا بالإنسان أولاً ، وبالتطورات الحضارية التي تلت هذا التعمير والتي
    عرفتها المنطقة ثانياً ، والمتمثلة خاصة في الصناعات الحجرية التي صنعها
    واستعملها ، وفي الفنون الصخرية التي أبدعها ، وفي تربية الماشية والزراعة التي
    توصل إليها .

    2. شمال أفريقيا وسماتها الجغرافية الأساسية
    ونعني بها المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي غرباً إلى البحر الأحمر شرقاً ومن
    البحر الأبيض المتوسط شمالاً إلى الصحراء الكبرى جنوباً .وهي تبدو على شكل
    جزيرة أو شبه جزيرة إذا استثنينا ممر شبه جزيرة سيناء في أقصى الشمال الشرقي .
    وهي السمة التي جعلت إنسان هذه المنطقة الواسعة يعيش ، على ما يبدو ، في مجال
    معين شبه معزول ، تفاعل مع بيئة هذا المجال دون ضغوط خارجية كبيرة مما أدى إلى
    تكوين عقلية متميزة خاصة بهذه المنطقة .
    وتتميز هذه المنطقة بثلاثة عناصر أساسية ساهمت في تكوين خلفية ذهنية متشابها
    بين أبناء هذه المنطقة منها :ـ

    2 ـ 1 وجود سلسلة جبال الأطلس التي تمتد على طول شمال أفريقيا بمثابة الهيكل
    العظمي لها . وعلى الرغم من أن هذه الجبال ، قد تبدو ، في بعض الأحيان ، كحواجز
    ، إلا أنها تمثل أحد العناصر الأساسية لشخصية هذه المنطقة ، والمؤثرة فيها
    باعتبارها المصدر الأساسي للمياه.
    2ـ 2 الصحراء الكبرى التي تمتد جنوباً تعتبر استمراراً لشمال أفريقيا وجزءاً
    منها ، بل وعمقها الاستراتيجي . لعبت ، عبر مختلف مراحل التاريخ ، دوراً كبيراً
    في تهيئ بعض الظروف الملائمة لتطور شمال أفريقيا وتوحيدها . وكان للتغيرات
    المناخية التي عرفتها الصحراء أثر كبير في تكوين العنصر البشري لشمال أفريقيا .
    إذ كانت المناطق الصحراوية عبارة عن خزان للإنسان الذي كانت تقذفه خلال فترات
    الجفاف ، بعد تراجع الأدوار الجليدية ، وتدفعه إلى الشمال بالدرجة الأولى .
    وبذلك لعبت الصحراء دوراً كبيراً في تعمير شمال أفريقيا[2] .
    2 ـ 3 شواطئ شمال أفريقيا الممتدة على طول آلاف الكيلومترات من نهر السنغال على
    المحيط الأطلسي غرباً إلى قناة السويس وسواحل البحر الأحمر شرقاً مروراً بالبحر
    الأبيض المتوسط . ولم تستعمل هذه الشواطئ فقط لصيد الأسماك ولكن استعملت كثغور
    وبوابات تواصل بين شمال أفريقيا وعالم البحر الأبيض المتوسط ، وما صاحب هذا
    التواصل من تأثير متبادل ساهم في تكوين إرهاصات الخلفية الثقافية المشتركة
    لإنسان هذه المنطقة.

    3. نماذج من العلاقات بين الصحراء وشمال أفريقيا
    تتمثل هذه العلاقات ، على الخصوص ، في التشابه الموجود ، بل وأحياناً التطابق
    التام بين الأدوات الحجرية التي تم استخراجها في عدد من المواقع الما قبل
    التاريخية بالصحراء وشمال أفريقيا ، انطلاقاً من أقدم الأدوات إلى أحدثها ، مما
    يوحي بأن البشر صانعو هذه الأدوات في هذه المناطق ينتمون إلى جذور مشتركة أو
    على الأقل إلى منابع ثقافية واحدة أو متشابهة .
    وهذا يعني أن هناك اتجاه إلى الاعتقاد في أن الجذور الأولى للإنسان وحضاراته
    المختلفة في شمال أفريقيا بوجه عام ، ترجع في جزء كبير منها إلى الإنسان في
    الصحراء وجهوده.

    فما هي المراحل التطورية التي عرفها العنصر البشري في هاتين المنطقتين ؟3 ـ 1
    العنصر البشري : لقد كشفت الأبحاث الأثرية والتنقيبات العلمية أن الصحراء وشمال
    أفريقيا عرفت استقرار الإنسان بها منذ البدايات الأولى لظهور الإنسان ـ مما
    يؤكد عراقة هاتين المنطقتين في قدم استقرار الإنسان بهما . لكن قبل التعرض
    النماذج البشرية ومكانتها في سلم التطور البشري يبدو أنه من الأفضل التعرض ولو
    بإيجاز للمراحل التطورية الكبرى للإنسان بصورة عامة ، والتي على أساسها يمكن
    وضع إنسان الصحراء وشمال أفريقيا في المكان الملائم من سلم التطور البشري.

    وتنقسم ، عادة ، مراحل التطور البشري إلى أربع مراحل:
    3 ـ 1 ـ 1 مرحلة الأوسترالوبيتيك (Australopithecus ) أو الإنسان القردي
    الجنوبي ، موطنه الرئيسي لحد الآن شرق وجنوب أفريقيا . وتعود أقدم بقاياه إلى
    أكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون سنة . ومن أشهر نماذجه الهيكل البشري لوسي
    (Lucy )[3] .

    3 ـ 1 ـ 2 مرحلة الإنسان المنتصب القامة (Homo Erectus ) الذي عاش على الأرض ما
    بين مليون ونصف مليون ومائتي ألف سنة ق.م .وقد تم العثور عليه في شرق أفريقيا
    وشمال أفريقيا والصحراء والصين وأندونيسيا (خريطة رقم 1 )[4] .

    3 ـ 1 ـ 3 مرحلة إنسان النياندرطال ( Neandertal ) ، عثر عليه لأول مرة في
    ألمانيا ثم في كل البلدان الأوروبية . ولذلك فيبدو أنه عمر أوروبا بالدرجة
    الأولى ما بين 20000 و 35000 سنة ق.م. ولا يوجد له أي أثر في شمال أفريقيا
    والصحراء[5].

    3 ـ 1 ـ 4 الإنسان العاقل العاقل (Homo Sapiens Sapiens ): ظهر منذ حوالي
    100000 سنة ق.م. وهو الذي يعمر العالم اليوم ، وإليه تنتمي كل شعوب الأرض [6].
    وإذا حاولنا تتبع هذه المراحل التطورية في الصحراء وشمال أفريقيا فماذا سنلاحظ؟

    3 ـ 1 ـ 5 إن المرحلة الأولى المتمثلة في الأوسترالوبيتيك لم يعثر على أي بقايا
    لها في الصحراء وشمال أفريقيا تبعاً للأبحاث والتنقيبات الأثرية التي أجريت لحد
    الآن . ولكن في المقابل ، تم العثور على الأدوات الحجرية التي استعملها
    الأسترالوبيتيك والتي وجدت بجانبه في شرق أفريقيا ، وجدت في شمال أفريقيا
    والصحراء مما يوحي بوجوده في المنطقتين الأخيرتين إلا أن التحريات والأبحاث
    الأثرية لم تصل إليه بعد.
    3 ـ 1 ـ 6 أما فيما يتعلق بالمرحلة التطورية الثانية والمتمثلة في الإنسان
    المنتصب القامة فقد عثر في شمال أفريقيا والصحراء على العديد من نماذجه ، مما
    يؤكد عراقة هذا الإنسان في المنطقتين وقدم تعميره لهما . وتعود أقدم هذه
    البقايا إلى حوالي مليون سنة وهو إنسان سيدي عبد الرحمن الثاني الذي استخرج سنة
    1996 . ويليه في القدم إنسان التشاد (Tchadanthrope ) وهو إنسان عتيق كذلك
    اكتشفه الباحث الفرنسي إيف كوبنس (Y. Coppens) سنة 1961 في التكوينات الرسوبية
    لصحراء جوارب . كما عثر على نماذج أخرى من هذا الإنسان في الدار البيضاء
    والرباط وسلا بالمغرب وباليكاو بالجزائر ، وقد أطلق عليه اسم محلي هو
    الأطلانثروب (Atlanthrope ) . والملاحظ في العصر الحجري القديم الأسفل أن
    البقايا البشرية للأطلانثروب نادرة في تونس وليبيا والصحراء وموريتانيا ومنعدمة
    في مصر ، ويفسر هذا على أنه راجع على ما يبدو ، إلى قلة التنقيبات والأبحاث
    الأثرية المرتبطة بإنسان هذه الفترة . إلا أنه في المقابل يلاحظ توفر الأدوات
    الحجرية التي استعملها هذا الإنسان والتي تغطي كل أفريقيا والصحراء ، مما دفع
    الباحثين إلى القول أن إنسان الأطلانثروب عاش في كل شمال أفريقيا والصحراء وليس
    فقط في المغرب والجزائر.

    3 ـ 1 ـ 7 وإذا انتقلنا إلى المرحلة التطورية الثالثة والمتمثلة في أوروبا
    بإنسان النياندرطال ، فإن الصحراء وشمال أفريقيا لا يتضمنان أي أثر لهذا
    النموذج البشري . إلا أنه في المقابل يلاحظ استمرارية وجود الإنسان في ليبيا
    شرقاً إلى المغرب غرباً والصحراء جنوباً . وهذا النموذج البشري الشمال الأفريقي
    الصحراوي يعتبره الباحثون تطوراً محلياً للإنسان المنتصب القامة وصلة وصل بينه
    وبين الإنسان العاقل . وهذا يعني أنه لا وجود للنياندرطال الأوروبي في الصحراء
    وشمال أفريقيا . وخير مثال لهذا النموذج المحلي إنسان جبل أيغود في المغرب
    وإنسان هوافطيح في ليبيا . ففيما يتعلق بالبقايا البشرية العائدة لجبل أيغود
    والذي سبق للباحث الفرنسي كوبنس أن أجرى دراسات على بقاياه وحدد زمنه بحوالي
    سبعين ألف سنة قبل الميلاد ، وأكد عدم انتمائه إلى فصيلة النياندرطال كما سبق
    للأستاذ أينوشي أن أعلنه عند اكتشافه لهذه البقايا سنة 1962 [7]. إلا أن الباحث
    المغربي الشاب بن نصر أكد بعد إعادته لدراسة هذه البقايا أنها تعود إلى أكثر من
    130000 سنة ق.م بل وربما أقدم بذلك بكثير.
    ومن خصائص إنسان جبل أيغود أنه يجمع بين بعض سمات الإنسان المنتصب القامة وسمات
    الإنسان العاقل العاقل مما يؤكد أنه يمثل مرحلة تطورية انتقالية نحو الإنسان
    الحالي أي أنه عبارة عن صلة وصل أو الحلقة الفاصلة بين الإنسان المنتصب القامة
    والإنسان العاقل العاقل . وهذه الميزة التطورية لا نجدها إلا في المغرب فقط مما
    جعل منه أحد مراكز الاهتمام الأساسية لدراسة تطور النوع البشري . والغريب أن كل
    بقايا هذا الإنسان عثر عليها في داخل الكهوف مما يعني أنه كان يعيش زمن الدور
    الجليدي الأخير ” قورم ” .
    3 ـ 1 ـ 8 وآخر مرحلة في التطور يتعلق بالإنسان العاقل العاقل الذي عثر على
    بقاياه في كل من شمال أفريقيا والصحراء . وهو الإنسان صانع الحضارة العاطرية
    والحضارة الوهرانية والحضارة القفصية.
    ويبدو أنه مع نهاية المرحلة الطويلة للعصر الحجري القديم بأقسامه الثلاثة ،
    ونهاية الأدوار الجليدية ، وبداية الجفاف في الصحراء الكبرى ، بدأت تفد على أرض
    شمال أفريقيا موجات بشرية جديدة ، قدم أغلبها من الصحراء ، اختلطت بالسكان
    الأصليين وامتزجت فيهم وساهمت معهم في تكوين الفرشة السكانية للمنطقة . وعليه
    فالعنصر البشري في شمال أفريقيا يكون قد التأم انطلاقاً من العناصر البشرية
    الأصلية التي عثر على بعض نماذج بقاياها في العديد من المواقع الأثرية ، إضافة
    إلى العناصر البشرية القادمة من الصحراء الكبرى بالدرجة الأولى ومن الشرق
    أحيانا.
    3 ـ 2 العلاقات البشرية بين شمال أفريقيا والصحراء : من خلال مراجعة أولية لما
    خلفه إنسان العصور ألما قبل التاريخية في الصحراء وشمال أفريقيا ،اتضح أن أغلب
    هذه المخلفات تتشابه على طول وعرض المنطقتين ، بل وأحياناً تتطابق ، مما يوحي
    ببروز البدايات والإرهاصات الأولى لوحدة ذهنية وحضارية في المنطقتين وتتمثل بعض
    مظاهر العلاقات في العناصر التالية :
    3 ـ 2 ـ 1 الصناعات الحجرية : لقد عاش إنسان المنطقتين خلال عصور ما قبل
    التاريخ عيشة تتلاءم والظروف البيئية المحيطة به ، واضطر للتأقلم معها ، وصنع
    منها أدواته الحجرية والعضمية والخشبية التي يحتاجها . وقد عرفت هذه الأدوات
    تطوراً في تقنيات صنعها تبعاً لتطور الإنسان الذهني وتفاعله معتغيراه . ومن
    أقدم هذه الأدوات الحجرية التي استعملها الإنسان بصورة عامة وإنسان الصحراء
    وشمال أفريقيا بصورة عامة وإنسان الصحراء وشمال أفريقيا بصورة خاصة هي المعروفة
    لدى الباحثين باسم حضارة الحصاة أو الحصى المشذب أو المعدل.
    3ـ 2 ـ 1 ـ 1 حضارة الحصاة أو الحصاة المشذبة ( pebble – culture, le galet
    amenage ) : وهي أدوات حجرية بدائية مصنوعة من الحصاة يرجع تاريخها إلى ما يزيد
    على مليونين ونصف مليون سنة [8] وذلك باستعماله طريقة البوثاسيوم اركون (KA )
    على بعض الأدوات المحتوية على مواد بركانية . أقدم هذه الأدوات الحصوية استخرج
    من منطقة حوض نهر الأومو باثيوبيا . وتتمثل في حصاة دائرية الشكل تنزع منها
    شظية واحدة أو عدة شظايا ، مما يجعل جزءاً من الحصاة حداً قاطعاً . وقد استعمل
    الإنسان هذه الأداة الحجرية مدة طويلة من الزمن تجاوزت المليون ونصف سنة . وعلى
    الرغم من أنه لم يعثر لحد الآن على بقايا الإنسان صانع هذه الأداة في شمال
    أفريقيا والصحراء والذي يعتبر أقدم الأنواع البشرية البائدة والذي اكتشف آخر
    نموذج له سنة 1972 في أولدوقاي ، فإنه يجوز لنا ، انطلاقاً من العثور على هذه
    الأدوات الحصوية في العديد من مواقع الصحراء وشمال أفريقيا القول بأن الإنسان
    صانع هذه الأدوات كان موجوداً في هاتين المنطقتين . فقد تم العثور على الحصاة
    المشذبة في المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر والصحراء مما يدفعنا إلى القول
    بوجود علاقات حضارية وبشرية منذ البدايات الأولى للإنسان بين هاتين المنطقتين .
    ويمكن أن نعتبر هذا مؤشراً إلى إمكانية وجود خلفية ذهنية مشتركة أو متقاربة
    ومتشابهة بين سكان المنطقتين ، حدثت على ما يبدو نتيجة تفاعل الإنسان مع بيئة
    متشابهة مما جعل نتيجة التفاعل بين البيئة والإنسان عبارة عن منتوج حضاري
    متقارب أو متشابه. وقد عرفت حضارة الحصاة تطوراً تدريجياً في شكلها وفي طريقة
    صناعتها إلى أن أصبحت منذ مليون سنة تقريباً على شكل فاس يدوية سميت بذات
    الوجهين أو الحضارة الأشولية.

    3 ـ 2 ـ 2 ذات الوجهين (Bifaces ) : وهي أدوات حجرية تعتبر أكثر تطوراً من
    الحصاة المشذبة ، كما أنها كانت في الأصل حصاة نزعت منها شطايا عديدة بطريقة
    أكسبتها وجهين متشابهين إلى أن أصبح لها شكل كمثري . وقد تم العثور على هذه
    الأدوات في كثير من المواقع بشمال أفريقيا والصحراء . وتمتد الفترة التي غطتها
    هذه الصناعة من مليون سنة إلى حوالي مائة ألف سنة قبل الميلاد مع نهاية العصر
    الحجري القديم الأدنى[9] .
    وإن وجود هذه الأدوات الحجرية بوفرة في المنطقتين دليل آخر على وجود تبادل
    للتأثيرات الحضارية واستمرار للعلاقات الحضارية والبشرية بين الصحراء وشمال
    أفريقيا في هذه المراحل العتيقة من ما قبل التاريخ.
    ومع انتهاء العصر الحجري القديم الأدنى ، وبداية بزوغ الإنسان العاقل العاقل ،
    عرفت تقنيات صناعة الحجر تطوراً كبيراً تميز بتنوع وتعدد الأدوات الحجرية ،
    وبكونها أصبحت أكثر دقة نظراً لسيطرة الإنسان على تقنيات وأساليب صنع أدواته
    الحجرية . ومن أهم هذه التقنيات.

    3 ـ 2 ـ 3 القالوازية الموسترية : التي تتميز فؤوسها اليدوية ذات الوجهين بتقلص
    حجمها إذ أخذت الأدوات الكبيرة تتلاشى ، تاركة مكانها لأدوات أصغر حجماً ،
    وأكثر تنوعاً مثل المكاشط(Racloirs ) والمثاقب (pointes ) والشفرات
    والسكاكين(les lames)[10] وقد عرفت شمال أفريقيا هذه الصناعة في العصر الحجري
    القديم الأوسط إلا أن مواقعها قليلة إذا ما قورنت بمواقع الفترات الأخرى .
    وتعود قلة وجود هذه التقنية إلى بروز تقنية صناعية جديدة ابتكرها إنسان الشمال
    الأفريقي ،وغطت كل شمال أفريقيا والصحراء من المحيط الأطلسي غرباً إلى البحر
    الأحمر شرقاً ، ومن البحر الأبيض المتوسط شمالاً إلى التخوم الجنوبية للصحراء
    الكبرى جنوباً . تسمى هذه التقنية الصناعية بالحضارة العاطرية .

    3 ـ 2 ـ 4 الحضارة العاطرية : سميت بهذا الاسم نسبة إلى بئر العاطر (Bir Alater
    ) الواقع شرق الجزائر والذي وجدت به ودرست فيه أدوات هذه الصناعة لأول مرة .
    وأول من تأكد أنها تقنية حضارية محلية هو الباحث الفرنسي ريكاس (Reygasse )
    الذي وصفها سنة 1922 في دراسته التي نشرتها الجمعية الفرنسية لتقدم العلوم
    [11].
    أما قبل هذا التاريخ ، فإنه رغم العثور على نماذج من هذه الأدوات في مواقع
    متعددة بشمال أفريقيا والصحراء ، إلا أن الباحثين الفرنسيين كانوا يطلقون عليها
    تسميات غامضة ، كما يحصل مع كل اكتشاف أثري يبرز شخصية المنطقة وإسهامها في
    الحضارة الإنسانية ؛ من هذه التسميات نيوليتي بربري (Neolithique berbere )
    الذي أطلقه عليها الفرنسي بالاري (pallary ) سنة 1909 [12]. ويحتل العاطري ، في
    الوقت الراهن من البحث الأثري في شمال أفريقيا والصحراء ، المكانة التي يحتلها
    الموستيري خارج المنطقتين . أما تسلسله الزمني ، فقد أثبتت التنقيبات الأثرية
    الطبقية ، أنها تأتي بعد الموستيري في الزمن ، بل وفي غالب الأحيان تحتل مكانته
    ، وأنها بالإضافة إلى ذلك سابقة العصر الحجري القديم الأعلى .
    ورغم الصعوبة في تحديد المركز الذي نشأت فيه هذه الحضارة لأول مرة ومنه انطلقت
    إلى باقي المراكز ، إلا أن المواقع وتركيزها على الساحل الغربي في المغرب ،
    واستمرار انتشارها في ليبيا ومصر ، وتوجهها توجها قوياً نحو الجنوب في الصحراء
    ، إلى أن تتوقف بصفة عامة على ضفاف ما تبقى من البحيرات في الصحراء الجنوبية
    كبحيرة تشاد[13]. يجعل من هذا التركيز في المغرب وتدرج قلة المراكز كلما اتجهنا
    إلى الشرق إلى غاية مصر تجعلنا نفترض أن مهد هذه الصناعة كانت في المغرب الحالي
    ، ومنه انتشر في باقي شمال أفريقيا والصحراء . وهذا يعني أن هذه الصناعة فرضت
    وجودها في كلا المنطقتين ؛ وأن العلاقات الحضارية هذه المرة ،كان اتجاهها
    غريباً ـ شرقياً وغربياً وجنوبياً وشرقياً ، أي أن الصناعة العاطرية كانت
    المحرك الأساسي القوي التأثير في هذه المرحلة ، مما يجعلنا نميل إلى القول بأن
    إرهاصات ما يمكن أن نسميه الوحدة الحضارية بين شمال أفريقيا من جهة والصحراء من
    جهة أخرى تعود إلى هذه المرحلة.
    وقد طرح نقاش حول طريقة وصول هذه الحضارة إلى الصحراء.ويقدم الباحث هوكو
    افتراضاً ينطلق من أن التعمير العاطري للصحراء بدأ منذ حوالي 30000 سنة ق.م حين
    اتجهت موجات الإنسان ، صاحبة الحضارة العاطرية ، من بلدان شمال أفريقيا نحو
    الصحراء ، وانتشرت شمال الصحراء . واستقر أخيراً العاطري في المستوى الثالث على
    ضفاف البحيرات الجنوبية ووصل إلى المرحلة النهائية السابقة على العصر الحجري
    الحديث[14].ويعتمد هوكو في هذا الافتراض على التشابه الكبير بين الأدوات
    النهائية في موقعي مغارة العالية بطنجة في المغرب ودار السلطان قرب الرباط فات
    الرسوبيةضاً ، العائدين إلى حوالي 25000 سنة ق.م من جهة وأدوات المستوى الثالث
    على ضفاف البحيرات الجنوبية بالصحراء وعدم وجود بها صناعة ما قبل تاريخية أخرى
    بين الحضارة العاطرية والعصر الحجري الحديث من جهة أخرى.
    وتتميز أدوات الصناعة العاطرية بكونها أدوات حجرية خاصة نابعة من تقنية صناعة
    ذات الوجهين التي استخرج منها رؤوس السهام والنصال الطويلة والمكاشط وأدوات
    مذنبة على شكل رأس يسهل استعمالها .
    وقد عثر على إنسان صانع هذه الحضارة في مواقع متعددة في المغرب منها كهف دار
    السلطان سنة 1975 وكهف تمارة في نفس السنة كذلك. ويبدو من خلال الدراسات
    الأثرية أن الحضارة العاطرية [15]بدأت منذ حوالي 45000 سنة ق.م . واستمر وجودها
    إلى حوالي 20000 سنة ق.م لتخلفها الحضارة الوهرانية.
    3 ـ 2 ـ 5 الحضارة الوهرانية أو الايبيروموروسية : إلى وقت قريب كان يعتقد أن
    هناك فراغ حضاري أو هوة (Hiatus ) اركيولوجية تفصل بين الحضارة العاطرية
    والحضارة الوهرانية . ولكن التنقيبات الأثرية التي أجراها الباحث الفرنسي القس
    روش (l`Abbe Roche ) في مغارة الحمام بتافوغالت بشرق المغرب ، أثبتت أن
    المستويين الأثريين 17 و 18 ، من مستويات المغارة والواقعين في أسفل الطبقات
    الأثرية يمثلان الحضارة العاطرية وبداية الحضارة الوهرانية في المستويات العليا
    انطلاقاً من المستوى 16 [16] (شكل رقم 3) . وهذا ما يعني عدم وجود أية هوة بين
    الحضارتين العاطرية والوهرانية وأن هناك استمرارية واتصال بين الحضارتين .وليس
    من المستبعد أن يكون للحضارة العاطرية أثر في الحضارة الوهرانية.
    تتميز الحضارة الوهرانية بأنها حضارة ساحلية تنتشر في شمال أفريقيا من المغرب
    غرباً إلى ليبيا شرقاً ، عكس الحضارة القفصية التي كانت حضارة داخلية أي قارية
    . وأول من سماها بالاري (Pallary )[17]الذي أطلق عليها اسم الحضارة
    الايبيروموروسية معتقداً أنها صناعة قادمة من شبه جزيرة إيبيريا . ولكن اتضح
    فيما بعد أن هذه الحضارة لا علاقة لها إطلاقاً بإيبيريا وأنها حضارة محلية صرفة
    ، وأعقب ذلك تحريات ودراسات وحفريات قام بها الباحث الفرنسي قوفري سنة 1932 في
    مواقع بالجزائر على الخصوص ، جعله يطلق عليها اسم الحضارة الوهرانية[18].
    وأهم سمات الحضارة الوهرانية صغر أوداتها الحجرية ، ولا سيما النصال الصغيرة
    ذات الشكل الهلالي والمكاشط المستديرة وبعض الأدوات المستعملة لسحق الألوان
    بجانب أدوات من العظام المصقولة المهندمة.
    يحدد الباحث الفرنسي القس روس تاريخ هذه الحضارة باستعمال الكربون C 14 (شكل
    رقم 4) ، ما بين 100 21 = 400 و800 10/400 من الآن [19]. بينما يحدد تاريخها
    ماكبرني في ليبيا ما بين 14000 ق.م و 10000 ق.م. وهذا يعني أن الحضارة
    الوهرانية في غرب شمال أفريقيا أقدم منه في شرقها . فهل هذه التقديرات المقارنة
    تسمح لنا بافتراض الأصل في المغرب ، منها اتجهت بالتدريج إلى الشرق حتى وصلت
    إلى ليبيا ؟ هذا مع العلم أنه لحد الآن ، لم يعثر على أي شيء يشير إلى وجود هذه
    الحضارة في الصحراء . فهل هي حضارة مغربية صرفة ولا وجود لها في الصحراء أم
    أنها توجد بها ولكن معاول المنقبين لم تصل إليها بعد ؟ على كل ، وحسب التحريات
    والتنقيبات التي أجريت لحد الآن في الصحراء لا تشير إلى وجود هذه الحضارة في
    الصحراء عكس الحضارة السابقة العاطرية . فهل هي بداية انتقال للعلاقات بين
    الصحراء وشمال أفريقيا من علاقات عمومية إلى علاقات أفقية ، أي من علاقات شمال
    ـ جنوب وجنوب ـ شمال إلى علاقات غرب ـ شرق وغرب جنوب شرق . أي أن العلاقات التي
    كانت صحراوية شمال أفريقية في البداية انتقلت في عهد الحضارة العاطرية إلى
    علاقات شمال أفريقية صحراوية ثم أصبحت في عهد الحضارة الوهرانية علاقة بين
    مناطق شمال أفريقية فقط لتضيف فيما بعد ، في عهد الحضارة القفصية بحيث لن
    تتجاوز بعض المواقع في جنوب تونس وشرق الجزائر .

    3 ـ 2 ـ 6 الحضارة القفصية : ويلي من الناحية الكرونولوجية الحضارة الوهرانية ،
    الحضارة القفصية . وهذه الحضارة بدورها كان قد أطلق عليها في بداية اكتشافها
    سنة 1909 بالحضارة والصناعة الجيتولية (Industrie getule ) . لكن التشابه بين
    أدوات هذه الصناعة وأدوات الأدوار الأولى من العصر الحجري القديم الأعلى في
    أوروبا وخاصة الحضارة الأوريكنسية (Aurignacien ) ، دفع الباحثين إلى المزيد من
    التحري والتقصي وإعادة النظر في المكتشفات الأثرية ، قام بها كوبير [20]
    (Gobert ) وقوفري ( Vaufry )[21] .وقد ألقيا أضواء جديدة على الموضوع وخاصة بعد
    استخراجهم للأدوات الدقيقة باستعمال الغربال مما يوضح أن الإنسان القفصي كان
    يستعمل أدوات دقيقة شبيهة بالأدوات الميكروليثية التي تميز العصر الحجري الوسيط
    (Mesolithique ) . مما دفع بكوبير وقوفري إلى إرجاع هذه الصناعة إلى العصر
    الحجري الوسيط .إذا أضفنا إلى هذا أن مواقعها سطحية والكثير منها على هيئة تلال
    مكونة من تكديس الرماد وفضلات الطعام التي تركها الإنسان القفصي والمتكونة
    أساساً من الحلزون ، مما جعل الباحثين يطلقون عليها الرماديات أو الحلزونيات
    (Les escargotieres ).
    ومن ميزات الحضارة القفصية أنها أقل انتشاراً في المكان والزمان ،إذ لم تتجاوز
    المناطق الداخلية بتونس ، وخاصة جهتي قفصة وتبسة . كما تمتد إلى شرق الجزائر
    وخاصة جهة سطيف وقسنطينة ولا تتعدى في الغرب جهة تيارت . ولم يعثر على أي أثر
    لهذه الحضارة لحد الآن في المغرب والصحراء . لكن يبدو أنه عثر على ما يشبه هذه
    الصناعة في الواحات المصرية وجنوب مصر وشمال السودان .أما من الناحية الزمنية ،
    فقد أثبتت التحاليل المخبرية باستعمال الكربون C 14 أن الحضارة القفصية ظهرت
    بعد الحضارة الوهرانية ولم تعمر إلا مدة قصيرة نسبياً تتراوح ما بين منتصف
    الألف السابع والألف الرابع قبل الميلاد (6450 ق.م + 400 – 3050 ق.م + 100
    )[22].

    3 ـ 3 تربية الماشية والزراعة ، كان إلى وقت قريب يربط اكتشاف الزراعة ودخول
    المغرب العصور التاريخية بقدوم الفينيقيين ؛ إلا أن الأبحاث الأثرية الأخيرة
    والدراسات المنصبة على هذين الموضوعين أكدت أن ممارسة تربية الماشية والزراعة
    كان معروفاً لدى سكان شمال أفريقيا ، وربما لدى أبناء الصحراء كذلك ، منذ فترات
    قديمة.
    فهل يمكن تحديد تاريخ ظهور الزراعة في بلدان شمال أفريقيا والصحراء وما هي
    الدلائل أو المؤشرات التي تدل على وجودها ؟
    إن أول صعوبة تعترضنا تتمثل في عدم توفرنا على مادة علمية كافية لمعالجة أصول
    الزراعة ، هذا فضلاً على أن ما هو متوفر كتبه أغلبه أجانب انطلاقاً من أفكار
    مسبقة ترتكز على أن كل الإبداعات الحضارية التي عرفتها شمال أفريقيا جاءتها من
    الخارج . بل وهناك من هؤلاء الباحثين من يرى بما أن الزراعة مرتبطة بالعصر
    الحجري الحديث ، وبما أننا لا نعرف جيداً متى بدأ هذه العصر ومتى انتهى [23]
    فإن هذا يطرح صعوبات كبيرة في التعرف على أصول الزراعة فيها [24] ويذهب كامبس
    (Camps ) بعيداً إلى حد أنه يذكر بما أن ممارسة الزراعة تعتبر من أهم سمات
    العصر الحجري الحديث التي همت الشرق الأدنى وأوروبا فإنه لا يمكن الأخذ من
    معرفة منطقة شمال أفريقيا [25]. هذه بعض أمثلة من مواقف الباحثين الأجانب من
    معرفة منطقة شمال أفريقيا بالزراعة ، فهل يمكن اعتبارها أحكاماً نهائياً ؟ وكيف
    يعقل أن تعرف جهة في شمال أفريقيا ، وهي مصر ، الزراعة ولا تعرفها جهات قريبة
    من نفس المنطقة؟
    لذلك لفتح المزيد من الآفاق حول هذا الموضوع يبدو أنه من الأفضل العودة إلى
    دراسة بعض المستخرجات الأثرية التي تم العثور عليها في بعض المواقع التي يبدو
    أن لها علاقة بالعصر الحجري الحديث وبإرهاصات الزراعة . من هذه المستخرجات
    مستخرجات مواقع الحضارة الوهرانية والحضارة القفصية والريف الشرقي .

    ففيما يتعلق بالحضارة الوهرانية فقد تم العثور على الكرات الحجرية المثقوبة
    (Les boules de pierre perforees ) الصغيرة الحجم التي تستعمل كثقالة (poids )
    للعصا الحفارة (Le baton a Fouir ) في موقعين وهرانيين بالجزائر تمراحت ورأس
    سيكيلي [26]. ويتحدث كامبس عن هذه الأداة قائلاً :” إن هذه الأداة جد معروفة
    بأفريقيا وخصوصاً عند شعب البوشمن وأيضاً بإثيوبيا وأنها تستعمل لغرض تهيئة
    الأرض وتنعيمها لدى الذين يزاولون زراعة فقيرة [27].
    أما بالنسبة للحضارة القفصية ، فقد عثر في بعض طبقاتها الأثرية على نوع من
    المناجل (Les faucilles ) والكرات الحجرية المثقوبة (Les boules de pierre
    perfor – ees ) والمدقات (Les molettes ) وأداة الحصاد ( le lustre des
    moissons )[28].ومع كل هذا ، فإن كامبس يتحفظ بخصوص الأدوات القفصية التي يبدو
    أن لها علاقة بالزراعة ويؤكد على عدم وجود زراعة لدى القفصيين [29]، مشيراً في
    نفس الوقت إلى أن أول أداة يمكن ربطها بالزراعة هي الشفرة (La lame ) ، والتي
    عادة ما تعرف بأداة الحصاد (le lustre des moissons )، والتي استخرجت من بعض
    الطبقات الأثرية القفصية . ومع ذلك فإن كامبس ، ورغم تأكيده بارتباط أداة
    الحصاد هذه بالزراعة إلا أنه يقول بأنه لا يجب الاعتقاد بأن أداة الحصاد هذه قد
    استعملت في الزراعة . بل يمكن أن يكون قد استخدمت في قطع سيقان نباتات غير
    صالحة للأكل ، ولكن لها منافع كثيرة ، كالقصب الذي كان يستعمل كثيراً في صنع
    الفخاخ [30].
    وكأني بكامبس يعمل ما في وسعه من أجل نفي وجود أي إسهام حضاري لأبناء هذه
    المنطقة ، رغم وجود بعض المؤشرات الموحية بذلك .فوجود الأدوات الزراعية في بعض
    المواقع الأثرية هي ليست دليلاً كافياً ، في نظر كامبس ، بل يمكن اعتبارها
    محاولة التوجه نحو زراعية فعلية . وبما أن التحديد الزمني لرماديات الحضارة
    القفصية تتزامن والعصر الحجري الحديث في البحر الأبيض المتوسط ، فإن كامبس ،
    يرجح أن القفصيين يمكن أن يكونوا قد مارسوا القطف بطريقة انتقائية مكنتهم من
    حفظ ما جمعوه . ويمكن اعتبار هذه العملية ، حسب كامبس دائماً ، أو خطوة نحو
    زراعة حقيقية [31] .
    والجدير بالإشارة هنا ، أن الباحث ريكاس تحدث عن نوع من المعاول (Pics ) عثر
    عليها جنوب قسنطينة بالجزائر ، أطلق عليها اسم المحروكاتي [32] الذي يظهر أن له
    ارتباط وثيق بالزراعة ، هو نوع من المعاول الصوانية المنحوتة وغير المصقولة .
    ويفترض ريكاس أن هذه الصناعة ذات أصول أفريقية وأن تأثيرها وصل إلى أوربا بطرق
    يجهلها . وقد وجدت هذه الأداة الزراعية أيضاً في جهة الحوز مما جعل الباحث
    رودريك (Rodrigue ) يرجح أن هذه الأداة استعملت كأداة للحرث؛وهذا يعني قيام
    الزراعة بالمغرب قبل ظهور المحراث [33] .

    ومن المؤشرات الأخرى التي تميل كفة معروفة إنسان العصر الحجري الحديث في شمال
    أفريقيا للزراعة وممارسته لها ، هو ما استخرجته البعثة الأثرية العلمية
    المغربية الألمانية التي نقبت في شرق جبال الريف بالمغرب وأقامت معرضاً
    لمستخرجاتها الأثرية بالمتحف الأثري بالرباط من 6 يونيو 1988 أثبتت من خلاله
    ظهور الفلاحين الأوائل بهذه الجهة منذ حوالي 9000 سنة بجانب مربي الماشية
    والصناع الأوائل للفخار . وفي حوار مع الباحثين المغاربة المشاركين في هذه
    البعثة العلمية أشار إلى عثوره على حيوان يبدو أنه مستأنس في موقع إيفري
    الباورد قرب قرية صاكة بإقليم الناظور.
    وإذا أضفنا إلى هذه المؤشرات الواضحة ، النقوش والرسوم الصخرية الموجودة في
    جبال الأطلس وجنوب المغرب والجزائر وليبيا ، وفي الصحراء الكبرى ؛ التي تجسد
    مشاهد من أنشطة سكان هذه المناطق ومن ضمنها نقوش خاصة بعملية الحرث أشهرها نقش
    غريب ايكيس الذي درسه مالوم (Malhomme ) ونشره في مجلة ” ليبيكا ” سنة 1953[34]
    .

    ويبدو أن الصحراء عرفت الزراعة منذ فترات قديمة ، ومما يؤكد ذلك ، العثور على
    غبار الطلع في موقعي منيات وأمكني بالصحراء الجزائرية . وقد تم التحديد
    التاريخي لزمن بعض الأدوات الحجرية بغبار الطلع لبعض المزروعات في موقع منيات
    بـ 3450 ق.م . أما موقع أمكني فقد تم العثور فيه على الفخار وقطعتي رحى وعشر
    مدقات (Molettes ) بجانب غبار الطلع. وهذا ما جعل كامبس يغير موقفه ويؤيد
    إمكانية ممارسة الزراعة في أمكني بالألف الثامن ق.م[35].
    وعليه ، يبدو من خلال ما تقدم ، أن الزراعة عرفتها المناطق الصحراوية ومناطق
    شمال أفريقيا في وقت متقارب تقريباً نظراً لعثور الباحثين على بعض الأدوات
    الزراعية في هذه المناطق كلها ، مما يؤكد تشابه التطور في كل من الصحراء وشمال
    أفريقيا . وهذا يعني وجود عناصر ثقافية مشتركة بين الصحراء وشمال أفريقيا.
    ومع ذلك ، فإن هذه الافتراضات ليست نهائية ؛ أن تسمح الدراسات والأبحاث الأثرية
    الجارية حول هذا الموضوع في عدد من الجهات في شمال أفريقيا والصحراء على كشف
    النقاب عن حقبة مهمة من حقب تاريخ العلاقات بين شمال أفريقيا والصحراء.
    من خلال النماذج المقدمة يتضح أن الصحراء وشمال أفريقيا كانت تربطهما علاقات
    مسترسلة طيلة عصور ما قبل التاريخ ، تساير الظروف المناخية والتغيرات التي
    تعرفها ، مما جعل الإنتاج الحضاري في المنطقتين يكون متشابهاً فيغالب الأحيان
    سواء كان مصدره الصحراء أو شمال أفريقيا.

    ---------------
    معهد الدراسات الأفريقية

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 364
    تاريخ التسجيل: 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد مايو 08, 2011 8:24 am

    هذه أطروحة جيّدة ينبغي الحصول على نسخة منها

    واحات بلاد المغرب خلال العصر الوسيط
    الدكتور سعيد بنحمادة


    المتتبع للدراسات التاريخية المعاصرة المهتمة بالمرحلة الوسيطية لا يجد عناء في ملاحظة تركيزها على المجال الحضري، وأنها قلما تنبهت للبادية، إما بدعوى قلة
    المادة المصدرية، أو تأثرا ببعض الأطروحات المروجة لمثل مقولة "القرون
    المظلمة". وقد حاول بعض الباحثين تجاوز هذه الثغرات، ومن ذلك أطروحة "واحات
    بلاد المغرب من القرن 4هـ/10م إلى القرن 8هـ/14م" للدكتور لحسن حافظي علوي. وردا
    على اختيار المجال والمرحلة أحد المؤلف اقتناعه بصعوبة الفصل بين مكونات هذا المجال الواسع وحقبه الممتدة على مدى أربعة قرون، ما دام أن الطرح الإشكالي للموضوع يجمع قضايا تاريخية بخصوصياتها المحلية وامتدادها الزماني، وأن القواسم المشتركة لواحات بلاد المغرب تفرض نفسها في الدراسة الأكاديمية حتى يمكن تجنب "الاختصار المبني على التخفيف" حسب تعبير الباحث (ج1 ص2). وتعود أهمية الموضوع، في تقدير صاحبه، إلى ما قامت به بلاد الواحات من أدوار للتواصل الحضاري بين بلاد السودان الغربي والغرب الإسلامي، وخاصة بعد تأسيس مدن الضفتين الشمالية والجنوبية للصحراء الكبرى، وهو ما جعل الإمارات والدول المغربية الوسيطية تولي عناية لهذا المجال لتأمين المحاور التجارية، مما أثر إيجابا على هذا المجال الصحراوي. غير أن تناول موضوع بلاد الواحات لا يخلو من مصاعب معرفية ومنهجية،
    مرتبط بعضها بحدود المجال المذكور، لأن بلاد الواحات في الكتابات التاريخية
    الوسيطية ظلت مرتبطة بتاريخ بلاد المغرب. من ثم انبنى التحديد الجغرافي لهذه
    المناطق على بعدين: سياسي جعل المجال المذكور يتسع ويضيق حسب اندماجه أو استقلاله عن الدول المجاورة، وبشري بفعل الترحال الذي ميز المنطقة. ويضاف إلى المعيارين المذكورين المناخي والتضاريسي المدرجين للمجال المعني بالدراسة ضمن
    "الدواخل"، وهي المناطق البعيدة عن البحر الأربيض المتوسط والمحيط الأطلسي، في مقابل "السواحل"؛ فكانت الصحراء في تعريفهم هي ذلك ((المجال الشاسع الذي يتخذ موقعا وسطا بين بلاد الجريد في الشمال وبلاد السودان في الجنوب)) (ج1 ص2).

    وقد نجم عن ذلك غموض في الحدود التاريخية لبلاد الواحات من جهة الشمال والجنوب، وعدم استقرار بسبب التغيرات المناخية والترحال البشري؛ ((فموقع الصحراء بين مجالين متميزين من الناحية السياسية ببلاد المغرب في الجوف والسودان الغربي في
    القبلة، جعل أمر تصنيف بعض مناطقها -في تبعيتها السياسية- من المواضيع التاريخية التي تحتاج إلى البحث والتقصي؛ إذ ((تبدو مدن الحافة الجنوبية للصحراء الكبرى سودانية في ولائها، مغربية في أغلب ساكنتها وطباع أهلها وأشكال هندستها المعمارية)) (ج1 ص3). إن الموقع الجغرافي لبلاد الواحات جعلها تتحول إلى صلة وصل لعبور البضائع والأفكار ما بين بلاد السودان والغرب الإسلامي، فازدهرت المحطات التجارية الواقعة على المحاور الصحراوية. أما عن اختيار المرحلة الزمنية لموضوع الأطروحة، والمتعلقة بالفترة ما بين القرنين 4هـ/10م و8هـ/14م، فمرده، في نظر الباحث، إلى ما عرفه تاريخ المغرب من تحولات، من قبيل قيام كيانات سياسية امتد نفوذها ليشمل ربط علاقات تجارية مع بلاد السودان وأوربا، مما جعل التجارة الصحراوية الغربية تنتعش على حساب نظيرتها الشرقية في القرنين 4 و5هـ/10 و11م، قبل انحراف الطرق التجارية الصحراوية من جديد نحو المشرق خلال القرن 8هـ/14م. ولما كانت الصعوبة المركزية التي طالما عانى منها الباحثون تتعلق بشح المصادر، فقد تسلح الباحث -لتجاوز ذلك- بجملة من المتون المعرفية وفحصها، متحريا مضامينها، بعيدا عن كل إطلاقية أو القول باستنتاجات
    قطعية لا تنسجم مع شروط الكتابة التاريخية؛ فجاء اعتماده على المصادر المؤرخة لبلاد القبلة والقفر على قلتها، ككتب التاريخ مثل المصادر الإباضية والشيعية والسنية والمصادر المشرقية أو التي ألفت بالمشرق وبعض النقول عن الكتب
    المفقودة، وكتب الجغرافيا، والرحلات الأووربية، وكتب الأنساب، وكتب التراجم والسير، وكتب النوازل، وكتب الوثائق والأحكام، وكتب الفقه، وكتب الفلاحة والنبات، وكتب الطب، وكتب الطواعين والأوبئة، وكتب العطارة والصيدلة، وكتب
    الطبيخ. وكان المخرج مما يبدو من تنافر بين طبيعة هذه المصادر في نوعها ومجالها الزمني هو اعتماد المنهج الشمولي المدمج لمتونها ومادتها، والزمن الطويل المستقصي للعمق التاريخي للحدث، مع أصالة التوضيف المنهجي لتلك الاستطغرافيا عن طريق الاستفادة منه من المشرق إلى المغرب جريا على عادة القدماء في الابتداء بالمشرق، لأنه مبتدأ حركة الفلك. وقد قسم الباحث أطروحته إلى أربعة أقسام،
    تناول في الأول "مصادر التأريخ لبلاد القبلة" (صص: 5- 56)، وفي الثاني تعرض لـ"بلاد القبلة في المجال" (صص: 57- 99)، من حيث معاني بلاد القبلة والصحراء والقفر، ولفظ الواحة، وحدود صحراء بلاد المغرب الشرقية والجنوبية والشمالية،
    وأقاليم بلاد المغرب الثلاثة. أما القسم الثالث فيَهمُّ "التطورات السياسية بالبلاد الواحية من القرن 4هـ/10م إلى القرن 8هـ/14م" (صص: 100- 304)؛ بدءا بانتقال الإباضية إلى وركلان، وحملة عبد الله الشيعي على سجلماسة، وثورات
    الزناتيين على الفاطميين، وحملات العبيديين على مصر، وبني واسول وبني خزرون بسجلماسة، وثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد، وثورة أبي خزر وأبي نوح ونهاية الظهور
    السياسي للخوارج، ومنطقة الزاب في أواخر المائة الرابعة، وبني خزرون بطرابلس، وثورة أبي ركوة ببرقة، والصراع السني الشيعي بإفريقية. أما خلال القرن 5هـ/11م فقد وقف الباحث على الصراع الزيري الفاطمي ودخول بني هلال إلى المغرب؛ حيث درس أوضاع بلاد الجريد في عهد الزيريين، والقطيعة بين الزيريين والفاطميين، وما نعته بإمارات الاستعلاء ويقصد بها بني مليل بصفاقس وبني جامع بقابس وبني الرند بقفصة وبني مطروح بطرابلس وبني حماد بالزاب. كما تناول بالتحليل قيام دولة المرابطين، حيث درس ممالك صنهاجة قبل قيام دولة المرابطين، والدعوة المرابطية، والخروج من الصحراء، والقضاء على البجلية، والتقسيم الإداري للواحات زمن يوسف
    بن تاشفين. بعد ذلك تطرق إلى البلاد الواحية في العهد الموحدي خلال القرن 6هـ/12م، وثورات بلاد القبلة على الدولة المصمودية، وعلاقة الموحدين بالأعراب، والموحدين والإباضية، وسجلماسة في عهد أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وبني غانية وصراعهم ضد المنصور الموحدين (وقعة عمرة، وقعة الحمة)، وبعده الناصر وحربه ضد أبي إسحاق بن غانية، وأبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص وخلفائه ضد أبي إسحاق بن غانية، وثورات العباس بن مناد بن العباس أمير بني توجين، ومسعود بن زمام البلط، ومحمد بن عبد الكريم الرجراجي، وقراقوش الأرميني، وثورة الأشل بالزاب، وثورة أبي قصبة بالسوس، وثورة الفاطمي بسجلماسة. أما خلال القرن
    7هـ/13م فقد كشف الباحث النقاب عن بلاد القبلة في مرحلة الضعف الموحدي، مستهلا ذلك بتتبع أوضاع سجلماسة في عهد الرشيد، واستقلال الهزرجي بالمدينة، والصراع المريني الزياني حولها واستبداد القطراني بها، وتبعية سجلماسة للزيانيين،
    وسيطرة المرينيين عليها وانتزاعها من أيدي بني عبد الواد، وحركة بني يدر بالسوس. وتكملة للأوضاع السياسية والعسكرية للقرن 7هـ/13م تتبعت الأطروحة مظاهر اعتزاز الأعراب على الدول؛ حيث جاء الحديث مسهبا عن سيطرة الدواودة على الزاب، وثورة أبي حمارة على المستنصر بالزاب، وثورة محمد بن القالون بقفصة، والدعي ابن أبي عمارة سلطان دباب، والحفصيين والعكوب، والزيانيين والعرب، ومواجهة المرينيين للأعراب بدرعة والسوس، وحركة أبي الحسن المريني وأبي عنان إلى إفريقية، ومشيخات الزاب وبلاد الجريد، والحركات الإصلاحية في صفوف الأعراب، وثورة أبي علي عمر بن السلطان أبي سعيد عثمان بسجلماسة، وانتزاء أبي عبد الله بن خديجة الكومي أحد أحفاد عبد المؤمن بن علي الكومي، واستقلال أبناء وحفدة أبي علي عمر بسجلماسة، وسطلنة عبد الحليم بن أبي علي عمر بالمدينة نفسها، وبعده عبد المؤمن بن أبي علي عمر ومحمد بن عبد الحليم. وتكملة للتحولات السياسية للقرن 8هـ/14م وقف المؤلف على ملوك الصحراء من البربر. ويتعلق القسم الرابع بـ"الوسط الطبيعي والاقتصادي الفلاحي" (صص: 305- 575)، من حيث المناخ، والتساقطات، والرياح، ومصادر المياه وطرق استنباطها ووسائل قودها والاستدلال على وجودها،
    ووسائل رفع الماء، وطرق استغلاله، وكيفية قسمته. أما أنواع التربة بالبلاد الواحية والصحراوية فتمثلت في التربة الرملة، والأرض السبخة. ورغم هذا التنوع المناخي والتضاريسي فالملاحظ أن المجال لا يفي بحاجات الأهالي، لذلك اعتمد هؤلاء تقنيات لمحاربة العوائق الزراعية في الوسط الواحي، كالقليب، وتسميد الأرض بمختلف أنواع الزبل، والحرث. في حين اتسم الغطاء النباتي بالتنوع، من قبيل
    الأشجار البرية والبستانية، مثل النخل، وما تتطلبه من تقاويم لغرسها وعلاجهاوجنيها وتخزين المحصول ومنافعه وزكاته، والنباتات الرعوية، والعلفية، والحبوب، والبقول، والخضر، والتوابل، والرياحين، والنباتات الصناعية والصباغية. وفي صلة بذلك تميز المجال الواحي بثروة حيوانية متنوعة جعلت الباحث يتتبع أحكام الرعي، والرعي بالدولة وأنواع الماشية بالبلاد الصحراوية والواحية، والقنص بالمنطقة.

    وبالموازاة مع ذلك تميزت بلاد الواحات بالمعادن والمصنوعات، وهو ما يشكل القسم الخامس من الأطروحة (صص: 576- 605)، ومن بينها النحاس والحديد والذهب والفضة، والمنسوجات
    والدباغة والصباغة والزجاج والأرحية، والتي أسهمت في النشاط التجاري عبر المسالك الصحراوية، الذي خصصه له الباحث القسم السادس (صص: 606- 681)، سواء منها الطرق الساحلية أو الداخلية، والتي تعرضت طيلة العصر الوسيط لانتعاش وتراجع، جعلها تميل نحو الغرب قبل انحرافها من جديد نحو الشرق في القرن 8هـ/14م، بسبب جملة من العوامل من بينها تدهور العلاقات السياسية بين المرينيين وملوك مالي في بعض الفترات، والتي لم تؤثر على السفارات بين الدول المغربية
    والسودانية، وحضور التجار المصريين في الأسواق السودانية وترسيخ الإسلام في بلاد السودان (حجة منسى موسى). وطالما أحدقت المخاطر بالقوافل التجارية الصحراوية، إما بفعل الجهل بأخبار الصحراء وما نسج حولها من معتقدات ومتخيل
    أسطوري أحيانا، أو عدم وضوح معالم الطريق، أو قلة الماء، والعواصف الرملية، والحر، والحشرات والزواحف. لذا كان لا بد للقوافل من تنظيم لضمان سلامة الرحلة من بلاد المغرب إلى بلاد السودان كالتزود بالطعام، واختيار وقت السفر، تحت إمرة المشرفين على القافلة كالقائد والدليل والتكشيف والمنادي والسماسرة، والمكلفين بخفارة القافلة بأجرة. مع ضرورة مراعاة حمولة الجمل حتى تسير القوافل بمعدل سير
    يومي كان يتراوح ما بين 25 و30 كلم، وقد تصل أحيانا إلى 60 كلم. ونظرا لأهمية التجارية الصحراوية فقد شهدت المرحلة مدار الدارسة شركات تجارية كشركة المقريين وأخرى لعائلات تلمسانية مثل عائلة العقباني وعائلة المرازقة. أما المعاملات فكانت تتم أحيانا بالصكوك أو السفتجة. وزيادة في إبراز دور النشاط التجاري ببلاد الواحات تم تخصيص القسم السابع من الأطروحة لـ"التجارة" (صص: 682- 814)؛
    وقد فضل الباحث توظيف لفظ التجارة الصحراوية بدل التجارة القافلية أو التجارة القوافلية، لأن القافلة في اللغة تعني القافلة إذا كانت راجعة لا غير. وعليه
    فإن التجارة القافلية، في تقدير المؤلف، هي التجارة العائدة لا الذاهبة إلى بلاد السودان؛ فالتجارة الصحراوية في نظر المؤلف هي التي تتم عبر طريق سيار بين ضفتي الصحراء الكبرى، والتي كانت تنقل سلعا متنوعة؛ فقد كان يجلب من بلاد
    السودان الذهب والعبيد والشب والعنبر والعاج والأبنوس والجلود والسلع الصيدلية والسراقيات والببغاء وريش النعام والقسي والمسك والسم وحجارة السحر والصمغ. أما
    بلاد المغرب فكانت تصدر إلى بلاد السودان الملح والمصطكى (العلك الرومي) والبخور (تاسْرْغينْت) والقرنفل والأحجار الكريمة والخزف والسلع الأوربية. أما التجارة الداخلية بين بلاد الواحات فكان يغلب عليها رواج المواد الغذائية.


    وكانت هذه السلع تتم بأوزان ومكاييل، وعملات محلية مغربية اختفلت باختلاف الفترة الوسيطية، لوم تسلم من بعض مظاهر الغش. وفي القسم الثامن تعرض المؤلف لـ"الجباية" (صص: 814- 847) من حيث أنواعها بالمغرب في العصر الوسيط، والضرائب
    المفروضة على القوافل، والضرائب التي فرضتها القبائل القوية على الضعفاء، وتلك التي فرضتها الدولة على الأعراب في فترات القوة، والجباية في عهد الدول التي تعاقبت على حكم بلاد المغرب. أما القسم التاسع فيتعلق بـ"السكن" (صص: 848- 919)؛ وتعرض فيه المؤلف إلى مدن فزان، وبلاد الجريد، والقصور القديمة. أما "السكان" فكانوا موضوع القسم العاشر (صص: 920- 1019)، ويهمُّ البربر، والأفارق،
    والروم، والمولدين، والعرب، واليهود. وفي القسم الحادي عشر جاء الحديث مفصلا عن "التغذية" (صص: 1020- 1072)، كاللحوم، والقديد، والجراد، والسمك، والخبز، والنباتات، والأكلات الصحراوية، والتمر، والأشربة. أما القسم الثاني عشر فتناول "المجاعات والأوبئة" (صص: 1073- 1101)، عبر جداول تتابع الكوارث الطبيعية كرونولوجيا حسب القرون، والأمراض والأوبئة التي عرفتها المنطقة خلال الفترة
    المذكورة، وطرق علاجها. في حين خصص القسم الثالث عشر لـ"اللباس" (صص: 1102- 1120)، مثل اشتمال الصَّمَّاء، ولباس أهل البلاد الواحية والصحراوية، والتأثر والتأثير المتبادل في لباس أهل الصحراء والسودان، ولباس الشرفاء، والنساء،
    والعبيد، وأهل الذمة. أما الخاتمة فقد أوجز فيها الباحث ما جاء مفصلا في ثنايا الأطروحة، من قبيل مكانة الموضوع في المصادر الوسيطية؛ حيث لاحظ قلة المعلومات في المتون التاريخية والجغرافية والأدبية مقابل غزارتها في كتب الفلاحة والطب والنوازل والأحكام الفقهية. أما العلاقات السياسية بين بلاد الواحات وبلاد المغرب فقد تراوحت بين تبعية الأولى للثانية في مرحلة القوة واستقلال إبان ضعف الدولة المغربية، متأثرة بذلك بالترحال والصراع القبلي. كما أن صعوبة الجغرافيا التاريخية للمنطقة حتمت ابتكار تقنيات لتدبير الماء أفادت التجربة الإنسانية إلى الوقت الراهن، وأفادت المجال المعني بالدراسة نفسه حينئذ، وأثرت إيجابا على
    خدمة الأرض؛ فتم تخصيب التربة، وتنوعت المحاصيل، وازدهرت التجارة الصحراوية بفضل ذلك، وما أضيف إليه من سلع. أما ساكنة المنطقة فقد تباينت أصولها، وأدوارها التاريخية، مع تأكيد دور الأعراب في اختلال الأمن. وقد ذيلت الأطروحة
    بملاحق تتسم بالجدة والطرافة، وهي عبارة عن نصوص وجداول وخرائط مستمدة من مخطوطات ومصادر متنوعة. إضافة إلى قائمة المصادر المراجع بلغ المخطوط منها 168 مصدرا. والمتأمل للأطروحة لا بد وأن تثيره جملة من الملاحظات؛ أن العمل يعبر عن
    التراكم المعرفي والمنهجي الذي حققته المدرسة التاريخية المغربية، التي يعد الباحث الدكتور لحسن حافظي علوي في طليعة جيلها الثاني؛ فكل ما في هذا العمل الأكاديمي ينبأ بالجدة والتجديد، لا من حيث مفهوم الحدث التاريخي، ولا فيما يخص الوثيقة، ولا ما يتعلق بالرؤية والمنهج؛ فالوقائع لم تعد هي تلك الأحداث العسكرية المتتالية التي ترتبط بقيام الدول وسقوطها، بل الأمر هو دور العامل السياسيي في تشكيل البنى الحضارية ببلاد الواحات. وقد استفاد الباحث في ذلك من
    توظيف الزمن الطويل، لأنه تناول بيئة جغرافية متسمة بالتموجات الطبيعية والبشرية جعلت الظاهرة التاريخية تتسمت بطول النفس والتجذر العميق اللذين لا يناسبهما إلا الزمن الاجتماعي والثقافي المذكور. وجعل الزمن التاريخي، في
    الأطروحة، لم يعد ذلك الزمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والذهني البسيط، بل أضحى تطوريا، وإذا ما استعملنا التحليل الخلدوني، تدرج في المخالفة وانتهاء إلى
    المباينة وتعبير عن انقلاب الأحوال الذي مس بلاد الواحات ما بين القرنين 4 و8هـ/10 و14م. ومن ثم فإن التحقيب المعتمد من قبل الباحث لم يقتصر على التمثل البسيط لخط بياني في اتجاه معين، أو اختزاله في ثنائية متضادة، وإنما هو تشريح
    لبنى المجتمع والاقتصاد والثقافة. وأما الوثيقة التاريخية المستند إليها من قبل الباحث فقد تجاوزت المفهوم التقليدي إلى معنى مفارق وبديل، جعلت الأطروحة توظف كل أنواع المصادر الدفينة وتفجير متونها وفق آلية مندمجة وتكاملية من غير تعسف أوابتسار.وأما بخصوص الرؤية والمنهج فقد تلافى المؤلف التفسير الأحادي للظواهر لفائدة النظرة الشمولية، التي تجعل العوامل والأسباب تتداخل في أفق تعميم موضوعي للأحداث. وبذلك فإن مثل هذا العمل الأكاديمي من شأنه أن يعيد النظر في ما كان يدخل إلى وقت قريب ضمن المسلمات في الكتابة التاريخية، من قبيل "القرون المظلمة"، أو لازمة "قلة المادة المصدرية" التي طالما رددتها بعض الدراسات التاريخية.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 364
    تاريخ التسجيل: 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في السبت مايو 28, 2011 12:51 pm

    هذه دراسة قيمة غنية باستشهاداتها ومراجعها أظن أنها تفيدك


    العلاقات بين المغرب الأقصى وبلاد السودان في القرن 2 هـ/ 8 م حملة السودان وقيام دولة أنبية
    د. أحمد إلياس حسـين

    الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا

    *مقدمـة*

    يتناول هذا الموضوع العلاقات المغربية السودانية*١*عبر المنطقة الغربية من الصحراء الكبرى في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي). وتقوم الدراسة أولا بإبراز دور العامل الجغرافي و امتداد حدود المغرب الجنوبية على تأصيل العلاقات
    المغربية السودانية ، ثم تتناول بداية تلك العلاقات ، واهتمام المسلمين المبكر بمسالكها الأمر الذي أدى إلى إرسال حملة السوس الأقصى والسودان ، وتوغلها في الصحراء وفي مملكة غانة وإضعافها لنفوذ غانة في الصحراء ، وتَهيُّؤ الأوضاع
    لقيام الحلف اللمتوني الأول – قبل قيام المرابطين بثلاثة قرون - بقيادة قبيلة أنبية.

    ثم يتعرض البحث لقيام دولة أنبية واتخاذها أودغست – التي كانت عاصمة لمملكة غانة – عاصمة لها بعد أن اضطرت مملكة غانة إلى التقهقر جنوبا. وتتوقف الدراسةعند قيام دولة أنبية وتوحيدها للمنطقة الواقعة بين نهر السنغال جنوبا وسواحل البحر المتوسط المغربية شمالا. وقد اعتمدت الدراسة على النصوص القليلة المبعثرة هنا وهناك في المصادر العربية مثل مؤلفات الفزاري وابن عبد الحكم وابن الفقيه وابن حوقل والبكري وابن خلدون .

    *السوس الأقصى والصحراء الغربية قبل القرن 2 هـ*

    أرى أنه من الأفضل بدايةً : التعريف – باختصار – بمدى امتداد حدود المغرب
    الجنوبية في مفهوم المسلين الأوائل، فقد جعل الجغرافيون العرب حد المغرب
    الجنوبي بصورة عامة المفاوز الفاصلة بين بلاد السودان والمغرب.*٢*]وقد ورد في
    المصادر العربيةما يوضح امتداد تلك المفاوز فقد جعل اليعقوبي منطقة أودغست وكل مضارب لمتونة ضمن حدود المغرب[3]، بينما جعلها ابن خلدون " مجالات صنهاجة
    ومتقلبهم إلى أرض السودان"[4]ومن المعروف أن مواطن صنهاجة تمتد حتى المناطق المطلة على نهر السنغال.

    أما ابن حوقل والدمشقي فقد جعلا ما بين أودغست وتادمكة – الواقعة شمالي انحناءة نهر النيجر – ضمن بلاد المغرب.[5]و يضيف ابن حوقل أن امتداد المغرب جنوبا يشمل أرض غانة وأوليل معدن الملح على مصب نهر السنغال.[6]و بناءاً على هذا التصور فإن حدود المغرب الأقصىكما عرفها الجغرافيون العرب امتدت من نهر السنغال جنوبا حتى سواحل البحر المتوسط المغربية شمالاً.

    وقد تمتعت هذه المنطقة بمميزات جغرافية جعلتها رائدة في مجال العلاقات عبر الصحراء. فسلسلة جبال الأطلس تتخذ من تونس اتجاها جنوبيا غربيا فتتوغل في الجنوب عندما تصل السوس الأقصى، فحد جبال الأطلس الجنوبي في تونس خط عرض 35
    شمالا تقريبا بينما حدها الجنوبي في السوس الأقصى خط عرض 25 تقريبا. وقد أدى ذلك إلى جعل المسافة بين المغرب الأقصى وبلاد السودان أقصر منها في أي منطقة أخرى عبر الصحراء الكبرى.

    أما المنطقة الصحراوية بين السوس الأقصى ونهر السنغال فقد قامت فيها أماكن استقرار متعددة حيث كان المناخ أكثر رطوبة في القرون السابقة لانتشار الإسلام ، وحتى بعد سيادة عصر الجفاف في الصحراء الكبرى كانت لا تزال بعض المناطق في
    الصحراء الغربية تتمتع بقدر مناسب من مصادر المياه. أدت هذه العوامل إلى الاستقرار البشري المتواصل في أماكن متعددة على طول المنطقة الصحراوية الواقعة بين السوس الأقصى وحوض نهر السنغال منذ قرون كثيرة قبل انتشار الإسلام.

    ومن جانب فإن منطقة السوس الأقصى عاشت استقراراً نسبيا مقارنة مع باقي المناطق الأخرى في المغرب التي تعرضت - في القرون القليلة السابقة لانتشار الإسلام - للكثير من المشاكل والاضصرابات مثل الصراع الروماني اليهودي ومشاكل
    الخلافات المذهبية المسيحية ، ثم الصراع الروماني والبيزنطي ضد القبائل المحلية بالإضافة إلى أن منطقة السوس الأقصى لم تدخل تحت السيطرة البيزنطية.

    [7]ويبدو أن مراكز ومدن المغرب الأقصى قد طورت نظمها السياسية والاجتماعية للقيام بدورها في تنظيم العلاقات التجارية عبر الصحراء. إلا أن المصادر العربية لم تمدنا بمعلومات عن نشاط منطقة السوس التجاري قبل انتشار الإسلام.

    ويتضح مما ورد في المصادر العربية أن منطقه السوس الأقصى كانت آهلة بالسكان وقد أشارت تلك المصادر إلى الأنهار والأودية المطلة على المنطقة الصحراوية ، فمن جبل دَرَن – نهاية سلسلة الأطلس الغربية- ينبع نهرا نفيس ودرعة ووادي أغمات وإلى الجنوب من ذلك يقع وادي السوس. وقد أشار البكري إلى مدينتين في منطقة السوس الأقصى إبان الفتوح الإسلامية إحداهما مدينة إِيجلَى التي تقع على وادي السوس آخر مواطن العمران على حدود الصحراء فذكر أنها: " قاعدة بلد السوس …. وهي مدينة على نهر كبير كثيرة الثمر وقصب السكر ومنها
    يحمل السكر إلى جميع بلاد المغرب ، وعلى هذا الوادي أسواق كثيرة إلى البحر المحيط."[8]

    وفي مكان آخر ذكر البكري أن مدينة إِيجلَى: " مدينة كبيرة سهلية بقربها نهر كبير جارٍ من القبلة إلى الجوف عليه بساتين
    كثيرة متصلة… وهي كثيرة الفواكه والخير وربما بيع حِمل التمر بها بدون كِراء الدابة من البستان إلى السوق … وقنطار السكر يبتاع بمثقالين وأقل ، ويعمل بها النحاس المسبوك يتجهز به إلى بلاد الشرك وبها مسجد جامع وأسواق وفنادق، افتتحها
    عقبة بن نافع وأخرج منها سبيا لم يُر مثله حسنا وتماما."[9]

    وتبدو مدينة إِيجلَى عاصمة السوس الأقصى في عصر البكري مدينة كبيرة آهلة بالسكان غنية في مواردها الزراعية والصناعية والتجارية ، ويمتد العمران منها إلى البحر المحيط حيث ميناء ماست الذي تصل إليه بعض التجاريات من البحر كما أشار إلى ذلك اليعقوبي.[10]

    ورغم أن وصف البكري جاء بعد نحو أربعة قرون من دخول عقبة بن نافع للمدينة إلا أنه قد يساعد على محاولة تصور أوضاع المدينة إبان الفتح الإسلامي في أول العقد السابع من القرن الهجري الأول خاصة وأن البكري ذكر أن عقبة خرج من إِيجلَى "
    بسبي لم ير مثله حسنا وتماما."

    والمدينة الثانية التي ورد ذكرها إبان الفتح الإسلامي هي مدينة نفّيس على نهر يعرف باسمها شمال وادي السوس. قال عنها البكري: " كثيرة الأنهار والثمار ليس في ذلك الوادي موضع أطيب منه ولا أجمل منظرا ، وهي قديمة أولية غزاها عقبة بن نافع وحاصر بها الروم ونصارى البربر وكانوا قد اجتمعوا بها لحصانتها وسعتها فلزمهم حتى افتتحها وبنى بها مسجدا هو باق إلى اليوم ، وأصابوا فيها غنائم كثيرة وذلك سنة 62 وهي اليوم آهلة عامرة بها جامع وحمام وأسواق جامعة."[11]

    فنفّيس كانت في عام 62هـ/681م مدينة كبيرة ومحصنة آهلة بالسكان . ويبدوا أن البربر والروم المنهزمين من جيش عقبة في الشمال قد تقهقروا وتحصنوا بها فحاصرها عقبة وفتحها. وقد أشار ابن الفقيه إلى مدينة "طرقلة" ذكر أنها مدينة السوس الأقصى[12]، بينما ذكر المقدسي (ت 390هـ/999م) أن قصبة السويس الأقصى هي مدينة طرفانة[13] ولم أجد ذكر لهاتين المدينتين في المصادر التي تحدثت عن منطقة السوس الأقصى مثل ابن حوقل والبكري والإدريس وغيرهم ، وربما يكون الاسمان لمدينة واحدة وحدث بعض التصحيف في كتابة الاسم.

    وربما كانت هذه المدينة أحد المراكز التجارية على وادي السوس أو قريبة منه لأن ابن الفقيه ذكر أنه "ليس وراء طرقلة إنس"[14] مما يوحي أنها كانت على أطراف السوس الأقصى المطل على الصحراء ، كما ذكر أن الطريق يخرج منها إلى غانة.[15]

    وربما كانت هنالك بعض المدن والمراكز الأخرى التي لم ترد الإشارة إليها في المصادر المتوفرة لدينا. فعلى سبيل المثال يمكن افتراض قيام مراكز على وادي درعة الذي اشتهر بعلاقاته مع بلاد السودان بعد انتشار الإسلام. فقد ذكر الزهري
    – الذي نقل عن الفزاري نحو منتصف القرن الثاني الهجري – أن تاقَرْسِت كانت حاضرة وادي درعة وهي اليوم خراب.[16]

    أعتقد أنه من خلال هذه النصوص المقتضبة من الممكن افتراض أن منطقة السوس الأقصى نحو نهاية القرن السابع الميلادي كانت كثيرة المدن وآهلة بالسكان ، فقد ورد في المصادر العربية التي تناولت حملة عقبة بن نافع للسوس ما يؤكد ذلك. ذكر الرقيق
    القيرواني أن سكان السوس " تلقوه في عدد لا يحصى ، فلقيهم فقاتلهم قتالاً شديداً ما سمع أهل المغرب بمثله فقتل منهم خلقا عظيما"[17] وأورد ابن عذاري المراكشي أنه " اجتمع إليه البربر في أمم لا تحصى ولا تكاثر بالحصى"[18] ولعل السبب الرئيس في ازدهار مراكز السوس الأقصى هو نشاطها التجاري وعلاقاتها مع مملكة غانة على حدودها الجنوبية.

    كانت المنطقة الغربية من الصحراء الكبرى المطلة على المحيط الأطلسي عند انتشار الإسلام في المغرب تحت نفوذ مملكة غانة التي قال عنها ابن خلدون: " ولما فتحت إفريقيِّة المغرب ، ودخل التجار بلاد المغرب فلم يجدوا فيهم [السودان] أعظم من ملوك غانة ، كانوا مجاورون للبحر المحيط من ناحية الغرب ، وكانوا أعظم أمة ولهم أضخم ملك."[19]

    فمملكة غانة إبان دخول المسلمين المغرب كانت مملكة عظيمة ذات ملك ضخم– كما عبر ابن خلدون – وكانت عاصمتها مدينة أودغست التي قال عنها البكري " كانت منزل ملك السودان المسمى بغانة قبل أن تدخل العرب غانة."[20]ويعزى تطور قوة مملكة غانة وازدياد نفوذها قبل القرن الثامن الميلادي إلى نشاطها التجاري عبر الصحراء.[21]

    ويشير موقع العاصمة في قلب الصحراء إلى امتداد نفوذ مملكة غانة في الصحراء شمالا وجنوبا من أجل الإشراف على طرق التجارة بين السوس الأقصى وحوض نهر السنغال مما يرجح أن نفوذها كان يمتد شمالا حتى الأطراف الجنوبية للسوس الأقصى.[22]وقد ذكر الزهري أن حدود بـلاد جنـاوة – التي تضم غانة - تمتد شمالا حتى السوس الأقصى.[23] وحفظت الروايات المحلية توسع مملكة غانة في المناطق الشمالية قبل القرن الثامن الميلادي حيث ذكر كعت أن ملوك غانة الأوائل كانوا "سلاطين المغرب كله بلا استثناء."[24]

    كان الصنهاجيون والسوننك أكبر المجموعات السكانية في مملكة غانة ، وكان العنصران قد تداخلا في مناطق استقرارهما إلا أن مواطن استقرار السوننك الأساس كانت في جنوبي مملكة غانة بينما كانت مواطن استيطان الصنهاجيون الأساس في شماليها.

    يمثل السوننك الفرع الشمالي للشعوب التي تتحدث لغة الماندي ، وكان موطنهم الأصلي منطقتي الحوض وأوكار في الحدود الجنوبية لدولة موريتانيا الحالية. مارس السوننك أنشطة متعددة لإنتاج الغذاء ، فقد مارس سكان المنطقة الجنوبية منهم
    الزراعة وصيد السمك واشتغل سكان الجزء الشمالي برعي الماشية والصيد كما ساهموا في تعدين الملح الحجري في الصحراء فانتشروا حتى تغازة شمالا.[25]

    كما اشتغل السوننك كذلك بالتجارة مع سكان حوض نهر السنغال وأعالي حوض نهر النيجر ، وقد وُجد ما يدل على ارتباط السوننك بالمغرب. فقد وصلت سلع شمالي الصحراء إلى مناطق نهري السنغال والنيجر عبر مستوطنات السوننك قبل قيام مملكة
    غانة نحو منتصف الألف الأول الميلادي أو في النصف الثاني منه.[26] ويبدو أن مملكة غانة قد اتخذت أكثر من عاصمة واحدة في المناطق الجنوبية الشرقية لدولة موريتانيا الحالية ، إلا أن عاصمتها إبان انتشار الإسلام في المغرب كانت أودغست. [27]

    أما القبائل الصنهاجية فهم صنهاجة الجنوب الذين قال عنهم ابن خلدون: " هم الملثمون الموطنون بالقفر وراء الرمال الصحراوية بالجنوب ، أبعدوا في المجالات هنالك منذ دهور قبل الفتح لا يعرف أولها … فصاروا ما بين بلاد البربر وبلاد السودان حجزا"[28]

    وبطون صنهاجة كثيرة ذكر ابن خلدون أنهم نحوا من سبعين بطنا أشهرهم شرطة وهسكورة ومسوفة وجدالة ولمتونة. موطن شرطة بين درعة وسجلماسة وموطن هسكورة شرقي درعة ومسوفة مجاورة لدرعة تسيطر على ملح تغازة وجدالة في أقصى الجزء الجنوبي الغربي شمال نهر السنغال.[29] أما بطون لمتونة فينتشرون في الجزء الغربي من الصحراء الواقعة بين بلاد السوس وبلاد السودان ، مراحلهم فيها " مسيرة شهرين في مثلها "
    [30] وكان مركزهم الرئيس منذ الفترة السابقة لانتشار الإسلام جبل لمتونة على بعد سبعة أيام جنوبي مدينة نول[31]وهو "جبل منيع كثير الماء والكلأ في طوله مسافة ستة أيام وفي عرضه مسافة يوم."[32] ورغم أن المصادر العربية لم توضح أماكن انتشار بطون قبيلة لمتونة في الصحراء قبل القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) ألا أنه يبدو معقولا أنهم كانوا
    يسيطرون على أطراف الصحراء الواقعة جنوبي السوس الأقصى وكانوا بمثابة حلقة الوصل بين السوننك في الجنوب والمغرب في الشمال.[33]
    *حمـلة السودان*
    بدأت أوضاع المسلمين في الاستقرار في المغرب منذ نهاية القرن الأول الهجري(أول القرن الثامن الميلادي) وبدأ الإسلام ينتشر سريعا بين القبائل المحلية كما أشار إلى ذلك ابن عبد الحكم أثناء حديثه عن ولاية إسماعيل بن عبيد الله المغرب التي
    بدأت عام 100هـ/817م حيث قال: " لم يبق في ولايته يومئذ أحد إلا أسلم"[34] و قد أشار ابن خلدون إلى أن بطون لمتونة أسلمت "بعد فتح الأندلس."[35] وأدى إسلام هذه المناطق إلى استقرار الأوضاع فيها.

    شهد هذا الاستقرار اتجاه سياسة حكام المغرب نحو استثمار مرافق التجارة وأولوا عنايتهم الخاصة بمنطقة السوس الأقصى مفتاح الطريق إلى بلاد السودان واهتموا بتأمين وتوفير بعض الخدمات على طرق التجارة.

    وأول إشارة صريحة إلى علاقات المغرب مع المنطقة الواقعة جنوبي السوس الأقصى هي الحملة التي أرسلها والي المغرب عبد الله بن الحبحاب عام 116هـ/734م والتي عرفت في المصادر العربية بحملة السودان. تولى قيادة هذه الحملة عبد الرحمن بن حبيب
    حسب رواية ابن خياط والبلاذري[36]أو والده حبيب بن أبي عبيدة حسب رواية ابن عبد الحكم والرقيق القيرواني ومن نقل منهما مثل ابن عذارى المراكشي والناصري.[37]

    وقد ارتبط اسم عبد الرحمن بن حبيب بأحداث الحملة في السوس الأقصى و الصحراء ، فقد ذكر البكري أن عبد الرحمن بن حبيب دخل مدينة نول التي تقع في أقصى الطرف الجنوبي للسوس الأقصى وأشار إلى آباره التي أنشأها في الصحراء.[38] فربما رجح
    ذلك رواية ابن خياط والبلاذري. وقد تولى عبد الرحمن بن حبيب حكم المغرب عام 127 وحتى 137هـ (744-754م) وكان عندئذ مشغولا بالمشاكل التي عاشتها المنطقة في نهاية الحكم الأموي وبداية العصر العباسي بالإضافة إلى المشاكل الأخرى التي
    أودت بحياته[39] فمن غير المتوقع أن يكون قاد حملة أخرى إلى الصحراء ، بالإضافة إلى أن المصادر العربية لم تذكر حملة أخرى خرجت إلى تلك المنطقة.

    جاءت أخبار هذه الحملة في المصادر العربية مختصرة جدا تتلخص في وصولها السوس الأقصى ودخولها أرض السودان وعودتها بالسبي والذهب، قال ابن عبد الحكم "وغزا عبيد الله حبيب بن أبي عبيدة الفهري السوس وأرض السودان فظفر بهم ظفراً لم يُر
    مثله وأصاب ما شاء من ذهب ، وكان فيما أصاب جاريتان من جنس تسميه البربر أجان. [40] أما الرقيق القيرواني فقد ذكر أن "حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع جاء غازيا
    إلى المغرب فبلغ السوس الأقصى وأرض السودان ولم يقابله أحد إلا ظهر عليه ، وأصاب من الذهب والفضة والسبي أمراً عظيماً … وسبى من قبيل من قبائل البربر يقال لهم مسوفة في طريق السودان."[41]
    ولم تشر تلك المصادر إلى أسباب خروج الحملة وليس من المحتمل أن يكون سبب الحملة الرد على اعتداء من مملكة غانة على حدود السوس الأقصى الجنوبية أو تعقب القبائل المحلية لأنها كانت قد أسلمت قبل ذلك الوقت. كما يستبعد أن يكون سبب الحملة
    التوسع في الصحراء جنوبا لأن العرب يعلمون أن إخضاع المناطق الصحراوية النائية لحكم مركزي أمر ليس من السهل تحقيقه. فقد فشل الرومان في تحقيق هذا الهدف في المنطقة الوسطى من الصحراء الكبرى وأخيرا لجأوا إلى التعاون مع دولة الجرمانت.

    ويبدوا معقولا أن يكون سبب الحملة هو تأمين طرق التجارة فقد أشار البكري إلى أن قبيلتي لمطة وجزولة وبعض قبائل السودان يهددون قوافل التجارة بين السوس الأقصى وأودغست.[42]وقد يكون من بين أسباب الحملة الاستطلاع عن موارد الذهب إلى جانب
    السبي والغنائم الذين ركزت عليهما المصادر كنتائج للحملة.

    ذكر البكري أن عبد الرحمن بن حبيب أنشأ ثلاث آبار على طريق تامدلت أودغست[43] ، ومدينة تامدلت أسسها الأدارسة في وقت لاحق لدخول عقبة السوس الأقصى على بعد ست مراحل من مدينة إِيجلَى.[44] البئر الأولى على بعد مرحلة واحدة من تامدلت ،
    والبئر الثانية على بعد 15 مرحلة من تامدلت، والثالثة على بعد 18 مرحلة من تامدلت.
    ومن البئر الثالثة توجد مياه على بعد ثلاثة مراحل ثم بعد أربع مراحل توجد بئر وانزميرن التي يقول عنها البكري: " وبهذا الماء يجتمع جميع طرق السودان ، وهو موضع مخوف تغير فيه لمطة وجزولة على الرفاق ويتخذونه مرصدا لهم لعلمهم بإفضاء
    الطرق إليه وحاجة الناس إليه."[45]ومن المعقول جدا أن تكون الحملة قد وصلت إلى هذا المكان من أجل تأمين سلامة الطريق. وأغلب الظن أن ذلك قد تم عن طريق القوة
    لأن البكري ذكر أن "ببلاد غانة قوم يسمون بالهنيهن من ذرية الجيش الذي كان بنو أمية قد أنفذوه إلى غانة في صدر الإسلام، … وبسلَى أيضا قوم منهم يعرفون بالفامان.[46]"

    ومن الممكن افترض أن الحملة وصلت إلى بئر وانزاميرن التي تبعد 16 مرحلة من أودغست عاصمة مملكة غانة ، وقد يؤيد هذا الافتراض ما ذكره الناصري من أن حبيب "انتهى إلى السوس الأقصى وقاتل مسوفة ثم تخطاهم جنوبا إلى تخوم السودان.[47]وقد
    حدد ابن خلدون أن مواطن مسوفة جنوب وادي درعة وأنهم يسيطرون على تغازة المشهورة بإنتاج الملح.[48] فهل تخطت الحملة بئر وانزاميرن جنوبا ؟ وهل اشتبكت الحملة في حرب مع قوات مملكة غانة ؟

    أغلب الظن أن الحملة لم تتخط بئر وانزميرن جنوبا ولم تشتبك في قتال مع جنود مملكة غانة، لأن أول موضع ماء بعد وانزميرن على بعد خمسة أيام في مواطن بني وارث من صنهاجة ، ثم على مسيرة يومين آخرين يوجد ماء عليه أيضا قبيلة صنهاجية
    كما ذكر البكري ، وأضاف أنه على بعد أربعة أيام من هذا الموضع جبل أزجونان علية
    قبائل سودان يقطعون الطريق على القوافل ثم بعد أربع مراحل أخرى على أرض
    لصنهاجة كثيرة المياه تصل أودغست عاصمة مملكة غانة.[49]

    ويبدوا أن مملكة غانة لم يكن لها سيادة مركزية على المناطق الصحراوية ، وكانت قبائل صنهاجه المنتشرة في المنطقة حتى حدود أودغست تتمتع بسيادتها المحلية.
    ولذلك فمن المرجح أن الحملة قد دخلت في قتال مع بعض القبائل المحلية مثل لمطة وجزولة اللتان تهددان سلامة القوافل. وتركت بعض الجنود لمراقبة الطريق وربما لتأمينه من قبائل السودان جنوبا. فتكون الحملة بذلك قد حققت أهدافها ورجعت من
    بئر وانزميرن.

    وإذا افترضنا أن الحملة قد تخطت بئر وانزميرن جنوبا فإن هدفها إما أن يكون جبل أزجونان الذي يبعد مسافة 11 يوما من وانزميرن حيث يغير فيه السودان على قوافل التجارة ، أو أن يكون هدف الحملة عاصمة مملكة غانة. ومن المقبول جدا أن الحملة لم تدخل عاصمة مملكة غانة ، لأنها لو كانت فعلت ذلك لتواترت الأخبار عن هذا الحدث الكبير بحكم أهمية مملكة غانة وكونها أكبر ممالك السودان وأكثرها ثراءاً، لأن حدثا مثل هذا ينبغي أن تسجل أخباره.
    فهل نفترض أن هدف الحملة كان جبل أزجونان على بعد أربعة أيام فقط من عاصمة مملكة غانة من المستبعد أن تكون الحملة قد وصلت إلي أطراف حدود عاصمة غانة ثم ترجع دون دخول حرب معها أو على الأقل إجراء مفاوضات وعقد اتفاق أو تعاهد وهو
    –أيضا – ما لا يمكن تجاهل أخباره لو كان قد تم فعلا. ولما كانت الأخبار التي تواترت عن الحملة – في المصادر العربية - هي فقط التوغل في أرض السودان والعودة بالغنائم فليس من المحتمل أن يكون قد حدث بينها وبين مملكة غانة أي احتكاك مباشر.

    غير أن هناك رواية ذكرها ابن الفقيه – أثناء حديثه عن نيل مصر – عن أبي الخطاب (ت نحو 145 هـ/762 م) جاء فيها: "قال المشترَى بن الأسود غزوت بلاد أنبية عشرين غزاة من السوس الأقصى ، فرأيت النيل بينه وبين البحر الأجاج كثيب رمل يخرج
    النيل من تحته."[50]
    ولما كانت حملة عام 116 هـ/ 734م – بقيادة عبد الرحمن بن حبيب أو والده – هي الحملة الوحيدة التي أشارت المصادر إلي دخولها السوس الأقصى والصحراء الغربية "أو السودان" في ذلك الوقت فإن المشترى بن الأسود ربما كان أحد قادة عبد الرحمن
    بن حبيب في الصحراء.

    ومشكلة هذه الرواية أنها لم ترد في المصادر الأخرى التي تحدثت عن حملة السوس الأقصى والسودان ، حتى ابن الفقيه لم يذكرها مرتبطة بحملة السودان بل ذكرها أثناء حديثه عن نيل مصر لأن المشتري أشار إلى النيل. ورواية المشتري عن النيل - الذي قصد به نهر السنغال- كما وردت في النص صورة خيالية جعلت النيل يصب في البحر من تحت كثبان رمل،[51] مما يوحي بأن المشتري لم ير نهر السنغال وإنما سمع عن كثبان الرمال التي تعترض مجراه ربما بالقرب من المحيط.

    ولذلك فالشك يحيط بهذه الرواية، ومن ناحية أخرى فلو كان المشترى وصل نهر السنغال فإن الحملة تكون قد دخلت أودغست عاصمة غانة، وتخطتها جنوبا إلى نهر السنغال الذي يبعد نحو 12 مرحلة أودغست.[52] ولا أعتقد أن مثل هذه الأحداث - لو
    كانت قد وقعت بالفعل– تسقط عن التدوين في المصادر العربية.

    *دولـة أنبيـة*

    ترتبت على هذه الحملة نتائج مهمة أدت الى تحول كبير في تاريخ المنطقة
    الصحراوية الواقعة بين السوس الأقصى شمالا والمنطقة الواقعة بين نهري السنغال والنيحر جنوبا. فقد أدت الحملة الى إضعاف سلطة مملكة غانا على المناطق الشمالية ، وتحللت القبائل الصنهاجية من نفوذ مملكة غانا لأن حدودها – كما يرى
    البعض –امتدت شمالا حتى المناطق القريبة من السوس الأقصى.
    [53]

    وتمكنت قبائل صنهاجة من فرض سيطرتها على نهايات الطرق في الشمال ، والإشراف على هذه المناطق يتطلب من هذه القبائل التعاون فيما بينها من ناحية و التنسيق مع مملكة غانا التي تخرج منها الطرق من ناحية أخرى ، ولما كانت مملكة غانا في
    مرحلة ضعف فقد أُتيحت الفرصة أمام القبائل الصنهاجية للاتحاد، فظهر بذلك الحلف الصنهاجي بقيادة قبيلة أنبية مؤسسة بذلك دولتها في الجزء الغربي من الصحراء الكبرى.

    وردت الإشارة الأولى لدولة أنبية في كتاب الفزاري الذي قدمه إلى الخليفة المنصور (159هـ /775م) ووصل إلينا ما ذكره الفزاري عن أنبية عن طريق البكري [54] و المسعودي[55] حيث وردت مساحة دولة أنبية إلى جانب مساحات الممالك الأخرى. وبلغت مساحة دولة أنبية كما قدرها الفزاري 2500 X 600 فرسخ، وإلى جانبها مملكة غانا التي قدر الفزاري مساحتها ب 1000 X 600 فرسخ.
    وقد وردت الكثير من الإشارات - في مصادر القرن الثالث العربية – عن بلاد أنبية وقبيلة أنبية، دون الإشارة إلى دولتها كما ورد عند ابن الفقيه وابن عبد الحكم واليعقوبي. ويبدو أن أقدم إشارة بهذا الصدد هي ما ورد في نص المشتري بن الأسود (أعلاه والذي يفترض اشتراكه في حملة السودان عام 116هـ حيث ذكر أنه غزا " بلاد أنبية عشرين غزوة من السوس الأقصى، فرأيت النيل [ نهر السنغال] بينه وبين البحر الأجاج [المحيط الأطلسي] كثيب من رمل."
    وذكر ابن عبد الحكم في كتابه فتوح مصر الذي ألفه في النصف الأول من القرن الثالث الهجر أن "أهل السوس بطن من البربر يقال لهم أنبية."[56] وأورد اليعقوبي في كتابه البلدان الذي ألفه في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري أنه من
    خرج من سجلماسة "يريد أرض السودان يسير في مفاوز و صحراء مقدار خمسين مرحلة ، ثم يلقاه قوم يقال لهم أنبية من صنهاجة في صحراء ليس لهم قرار شأنهم كلهم أن يتلثموا بعمائم …. ثم يسير إلى بلد يقال لها غسْط".[57] أما ابن الفقيه الذي ألف كتابه في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري فقد ذكر أن "بلاد أنبية من السوس الأقصى على مسيرة سبعين ليلة في براري ومفاوز وأهلها وأهل لمطة أصحاب الدرق"[58].

    لم يوضح كل من ابن عبد الحكم و ابن الفقيه إلى أي مجموعة قبلية تنتمي أنبية بينما وضح ذلك اليعقوبي فذكر أنهم من صنهاجة. و ذكر ابن الفقيه أن موطنهم من السوس الأقصى جنوبا مع قبيلة لمطة. وتقع مناطق لمطة جنوب السوس الأقصى و
    مدينتهم المشهورة نول تقع على المحيط جنوب وادي السوس.
    وهذه المنطقة الواقعة جنوب السوس الأقصى و المتوغلة في الصحراء جنوبا هي منطقة قبيلة لمتونه الصنهاجية المشهورة وبها منزلهم الكبير جبل لمتونة. يقول الإدريسى أن موطن لمتونة و لمطة "الصحارى المجاورة للبحر المظلم وبها قبائلهم إلى الآن"
    وانهم "إخوان لأب واحد وأم واحدة.[59]

    فهل أنبية بطن من لمتونة؟ ذكر ابن خلدون أثناء حديثه عن صنهاجة "أن للمتونة فيهم بطوناً كثيرة … وكان موطنهم في الصحراء … ولم يزالوا مستقرين بتلك المجالات حتى كان إسلامهم بعد فتح الأندلس ، وكانت الرئاسة فيهم للمتونة واستوسق لهم ملك ضخم منذ دولة عبد الرحمن بن معاوية الداخل."[60]
    وإشارة ابن خلدون واضحة إلى أن بطون لمتونة هي التي أقامت دولة أنبية في عصر عبد الرحمن الداخل حاكم الأندلس ، وذكر أن الرئاسة في قبائل صنهاجة كانت للمتونة. ولما كانت قبيلة أنبية إحدى قبائل صنهاجة وتعيش في نفس مواطنها كما ورد عند ابن عبد الحكم واليعقوبي ، فلماذا لم يذكر ابن خلدون رئاستها للحلف الصنهاجي بل وضعه تحت قيادة لمتونة؟

    في الواقع أنني لم أعثر على ذكر لقبيلة أنبية في غير المصادر التي أشرت إليها وهي الفزاري الذي نقل عنه البكري و المسعودي وعند ابن عبد الحكم و اليعقوبي وابن الفقيه. فابن حوقل الذي زار منطقة السوس الأقصى ذكر أنه أعد ما وقع إليه "من أسماء قبائل صنهاجة وبطونها وأفخاذها وعصبيتهم" فأورد أسماء 19 قبيلة ذكر أنهم من قبائل صنهاجة الخُلص و 26 قبيلة ذكر أنهم من قبائل صنهاجة غير الخُلص لم يرد اسم قبيلة أنبية بين هذه القبائل.[61] أما ابن خلدون فأورد أن مؤرخي
    البربر ذكروا أن بطون صنهاجة تنتهي إلى 70 بطنا[62] أورد أسماء بعضها ولم ترد بينهم قبيلة أنبية.
    لماذا لم يرد ذكر لقبيلة أنبية في مؤلفات ما بعد القرن الثالث الهجري؟ يبدوا أن قبيلة أنبية كانت قوية وتولت قيادة لمتونة حتى بداية القرن الثالث الهجري ثم ذهبت القيادة إلى فرع آخر من لمتونة. أما في القرن الثاني الهجري الثامن
    الميلادي فقد تولت قبيلة أنبية الزعامة و أقامت دولتها.
    تشير المصادر إلى الحلف الصنهاجي بـ "الملك الصنهاجي" وأن هذا الملك كان بقيادة قبيلة صنهاجة. ويلاحظ أن هذا الملك قد انتقل من بطن إلى بطن آخر من بطون لمتونة. فقد كانت رئاسة لمتونة قبل منتصف القرن الخامس الهجري في بطن ورتنطق (أو ورتانطق) ثم انتقلت إلى كندالة بزعامة يحيى بن إبراهيم ، ثم عادت بعده ورتنطق.[63] وفي كل هذه الحالات لم ترد الإشارة – في المصادر العربية - إلى الرئاسة أو الملك تحت اسم البطن الذي تولته ، بل أشارت إليه تحت اسم لمتونة.
    فزعامة دولة المرابطين – مثلاً - كانت في بطن ورتنطق لكن الإشارة إلى الزعامة في المصادر العربية أتت للمتونة وعرفت الدولة باسمها. والاستثناء الوحيد من هذه القاعدة هو الإشارة إلى قيادة أبنبية حيث وردت الإشارة في المصادر العربية المبكرة باسمها ، فعرفت الدولة اللمتونية بدولة
    أنبية ، وأشارت إليها المصادر المتأخرة بالملك اللمتوني. فمتى قادت أنبية الحلف الصنهاجي وأسست دولتها؟

    المادة التي وردت عن الحلف اللمتوني – بما في ذلك دولة أنبية – قبل قيام المرابطين قليلة جدا جاء معظمها في تاريخ ابن خلدون ، فقد تعرض للأخبار الحلف اللمتوني في القرنين الثاني و الرابع الهجريين ونقل عن ابن أبى زرع أخبار الحلف في القرنين الثالث و الرابع. وأورد كل من ابن حوقل والبكري و مؤلف كتاب مفاخر البربر وابن الخطيب وابن ابي دينار أخبار الحلف اللمتوني في القرنين الرابع و الخامس*.*

    ذكر ابن خلدون أثناء حديثه عن صنهاجة و بطون لمتونة أن الرئاسة كانت للمتونة. "واستوسق لهم ملك ضخم مذ دولة عبد الرحمن بن معاوية الداخل توارثه ملوك منهم تلاكاكين وورتكا اوراكن بن ورتنطق جد أبي بكر بن عمر أمير لمتونة في مبدأ
    دولتهم ، و طالت أعمارهم فيها إلى الثمانين و نحوها ، و دوّخوا تلك البلاد الصحراوية و جاهدوا من بها من أمم السودان وحملوهم على الإسلام ، فدان به كثيرهم. واتّقاهم آخرون بالجزية فقبلوها منهم وملك عليهم بعد تلاكاكين المذكور
    ثيولوثان[64]".

    يوضح هذا النص أن الحلف اللمتوني قد عاصر عهد الأمير عبد الرحمن الداخل حاكم الأندلس (138-172هـ / 755-788م) ويتوافق هذا التاريخ مع ما ذكره الفزاري عن دولة أنبية مما يوضح أن الحلف اللمتوني كان بزعامة قبيلة أنبية ، و أن هذه القبيلة تمكنت من قيادة لمتونة وتأسيس دولة قوية مترامية الأطراف في الجزء الغربي من الصحراء الكبرى.

    ولما كان الفزاري قد قدم كتابه للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور 137- 159هـ/754- 775م فإن دولة أنبية – كما رآها الفزاري – كانت قوية و مشهورة وأكبر من مملكة غانة قبل هذا التاريخ. وأغلب الظن أن دولة أنبية قامت بعد حملة السودان التي دخلت الصحراء عام 116هـ /734م.

    فمواطن قبيلة أنبية هي السوس الأقصى كما ذكر ابن عبد الحكم[65] أو الصحراء الواقعة الى الجنوب الى السوس الأقصى كما ذكر ابن الفقيه[66] و كما أشارت المصادر فإن البربر كلهم كانوا قد أسلموا في مطلع القرن الثاني الهجري مما
    يجعلنا نرجح أن أنبية كانت مسلمة عندما دخلت حملة عبد الرحمن بن حبيب السوس الأقصى ، وربما تعاونت قبيلة أنبية مع الحملة في الصحراء كأدلاء أو جنود.
    وإذا قبلنا هذا الافتراض فإن قبيلة أنبية – إحدى فروع لمتونه - تكون قد عززت مكانتها في المنطقة بالتعاون مع السلطات الحاكمة ، وقد يفسر هذا بروزها كقائد للحلف اللمتوني على الحدود الشمالية لمملكة غانا. ووفقا لذلك فمن المكن افتراض قيام دولة أنبية في العقد الثالث أو الرابع من القرن الثاني الهجري،[67] و أصبحت الدولة قوية وتوسعت حدودها في منتصف القرن الثاني الهجري على حساب مملكة
    غانا[68] وبلغت أخبارها الفزاري في ذلك الوقت أو قبله بقليل.

    ذكر ابن خلدون أن حكم دولة أنبية توارثه ملوك منهم تلاكاكين وتلاه ثيولوثان ، كما ذكر ايضا حُكم ورتكا اوراكن بن ورتنطق جد أبى بكر بن عمر. و هذا الحاكم الأخير عهده متأخر جدا ربما في آخر القرن الرابع أو أول القرن الخامس الهجري لأنه جد يحيى بن عمر زعيم المرابطين في أول عصر دولتهم. ويحيى بن عمر يحمل لقب الكِنْدالي[69] مما يرجح أن قبيلته في صنهاجة هي كندالة وليست أنبية ويوضح ذلك أن الزعامة في ذلك الوقت المتأخر لم تكن لقبيلة أنبية وقد انتهى عصر قيادة أنبية للحلف الصنهاجي قبل ذلك التاريخ.

    أما الحاكمين تلاكاكين و ثيولوثان فربما كانا قد توليا الحكم منذ قيام دولة أنبية. فقد ذكر ابن أبي زرع[70] أن ثيولوتان قد توفى عام 222هـ / 836م. ولو افترضنا أن دولة أنبية قامت في العقد الثالث أو الرابع من القرن الثاني الهجري يكون حكم تلاكاكين و ثيولوثان قد دام نحو مائة أو تسعين سنة. ويبدو ذلك التقدير معقولا لأن ابن خلدون ذكر أن أعمار ملوكهم طالت إلى الثمانين ونحوها، فيكون الحاكم الثاني ثيولوثان قد توفي نحو عام 2322هـ كما ذكر ابن أبي زرع. غير أن ابن أبى زرع جعل ثيولوثان أول ملوك الصحراء من لمتونة[71] فهل تولى ثيولوثان قبل تلاكاكين خلافا لما ذكره ابن خلدون؟
    ترتب على قيام دولة أنبية ضعف نفوذ مملكة غانا في شمال ووسط الصحراء ، فهل حدث صراع بين الحلف الصنهاجي بقيادة أنبية و مملكة غانا؟ المصادر التي بين أيدينا لا تمدنا بأي معلومات عن الأسلوب الذي توسعت به دولة أنبية و كيف كانت العلاقة
    بينها وبين مملكة غانا في تلك الفترة المبكرة. ذكرت المصادر أن الأسرة الحاكمة في غانا قد انهار حكمها ولجأت جنوبا إلى إقليم التكرور على نهر السنغال عام 154هـ / 770م وأن أسرة جديدة تولت السلطة ونقلت عاصمة مملكة غانا إلى الجنوب بين أعالي نهري السنغال و النيجر[72].
    فهل نتج هذا التغير عن هزيمة غانا من دولة أنبية؟ أم أن نمو وقوة دولة أنبية وزحفها جنوبا قد أدى إلى انهيار السلطة ووجدت دولة أنبية الطريق أمامها مفتوحا لدخول أودغست عاصمة مملكة غانا و اتخاذها عاصمة لدولته. لا نملك إجابة على مثل هذه الأسئلة وكل ما لدينا أن دولة أنبية اتخذت أودغست عاصمة لها ، وبدأت – كما ذكر ابن خلدون – في التوسع في الصحراء و مجاهدة أمم السودان.

    و أمم السودان ليس بالضرورة أن يكون مقصودا بهم رعايا مملكة غانا في الجنوب ، إذ كانت هنالك بعض العناصر السوداء في المنطقة الصحراوية و قد ذكر البكري بعضهم إلى جوار قبيلة بنى وارث الصنهاجية شمال أودغست ، و أستُشْهد في بعض المعارك
    ضدهم أحد زعماء صنهاجة[73]

    وكذلك كان السود منتشرين في "أرض قمنورية" و "مقزازة السودان" غربي مواطن صنهاجة في الجزء الأول من الإقليم الثاني الممتد بين شمال تكرور وغانا في الجنوب و السوس الأقصى في الشمال. ولم يكن أولئك القوم مسلمين كما ذكر الإدريس
    الذي اعتمد في معلوماته على المسعودي في القرن الرابع الهجري[74] فحروب دولة أنبية ضد السود دارت على منطقة واسعة في الجزء الغربي من الصحراء الكبرى. وهذا لا يمنع أن دولة أنبية كانت تسعى للتوسع جنوبا على حدود مملكة غانا من أجل نشر الإسلام و الزحف نحو مصادر الذهب في الجنوب.

    ويتفق هذا مع ما أورده ابن خلدون في النص المذكور سابقا من أن دولة أنبية توسعت في الصحراء وجاهدت أمم السودان ودان لها كثيرون منهم ودفع البعض الآخر الجزية.

    *الخاتمـة*

    ترجع العلاقات المغربية السودانية عبر المنطقة الغربية من الصحراء الكبرى إلى قرون عديدة قبل وصول الإسلام إلى المنطقة ، فقد قادت مملكة غانة التي قامت في الصحراء الغربية تلك العلاقات قبل دخول الإسلام المغرب. وبعد نحو ثلاثة عقود من بداية استقرار المسلمين في المغرب اتجهوا نحو تنمية العلاقات المغربية السودانية فأولوا عنايتهم بطرق الاتصال عبر الصحراء الغربية التي مالبثت أن أصبحت تحت سيادة الحلف اللمتوني بقيادة قبيلة أنبية.

    أسس الحلف اللمتوني الأول دولة أنبية في منتصف القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، ولم توثق دولة أنبية العلاقات السودانية المغربية فحسب بل وحدت كل المنطقة الواقعة بين نهر السنغال جنوبا والمغرب الأقصى شمالا مما هيأ للمغرب الأقصى عمقا وصل إلى نهر السنغال وأحدث تحولا جذريا في تاريخ هذه المنطقة.

    وقد توقفت هذه الدراسة عند قيام وتوسع دولة أنبية ، أما دور دولة أنبية في تطور العلاقات المغربية السودانية اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا ، وعلاقاتها بمملكة غانة ، وإلى متى استمرت قيادة أنبية للحلف اللمتوني؟ وكيف كانت أوضاع الحلف قبل قيام دولة المرابطين؟ سنحاول الإجابة عن مثل هذه الأسئلة – إن شاء الله – في مشروع بحث لاحق.

    غير أن تاريخ المنطقة الغربية من الصحراء الكبرى والعلاقات المغربية السودانية عبر الصحراء الغربية تتطلب الاهتمام والدراسة والتنقيب عن مصادرها لا سيما في التراث المخطوط الذي تشتهر به مكتبات المغرب الأقصى.
    *المـراجع*
    ------------------------------

    [1] السودان هنا يقصد به المعنى العام للسودان وهو المنطقة الواقعة جنوبي الصحراء الكيرى

    [2] ابو الفداء، تقويم البلدان (بيروت دار صادر ب.ت.) ص 122

    [3] اليعقوبي ، كتاب البلدان ملحق بكتاب الأعلاق النفيسة لابن رسته (ليدن 1891) ص 342

    [4] ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون (بيروت: دار الفكر 1981) ج 6 ص 131

    [5] ابن حوقل ، صورة الأرض (بيروت: دار مكتبة الحياة 1979) ص 83 ؛ الدمشقي ، نخبة الدهر في عجائب البر والبحر ص 315

    [6] ابن حوقل ، صورة الأرض ص 64 ، 90

    [7] محمد علي دبوز ، تاريخ المغرب الكبير: الجزء الثالث طبعة أولى (القاهرة: عيسى البابي الحلبي 1963) ص2 44

    [8] البكري ، المسالك والممالك حققه وقدم له أدريان فان ليوفن وأندريييي فيري
    (الدار العربية للكتاب والمؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات- بيت الحكمة ص 2-85.

    [9] نفس المصدر ج 2 ص 854

    [10] اليعقوبي ، كتاب البلدان ص 360

    [11] البكري ، المسالك والممالك ج 2 ص 851

    [12] ابن الفقيه ،كتاب البلدان تحقيق يوسف الهادي (بيروت:عالم الكتب 1996) ص 133

    [13] المقدسي ، أحسن النقاسيم في معرفة الأقاليم (بيروت: دار إحياء التراث العربي 1987) ص 158

    [14] نفس المصدر ص 136

    [15] نفس المصدر ص 138

    [16] الزهري ، كتاب الجعرافية ص 117

    [17] الرقيق القيرواني، تاريخ إفريقية والمغرب قطعة منه تبدأ من أواسط القرن الأول الهجريي إلى أواخر القرن الثالث الهجري. تحقيق المنجي الكعبي (تونس 1968) ص 45

    [18] ابن عذارى المراكشي ، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب حققه م. س. كولان ول. برفنسال (بيروت 1948) ج 1 ص21

    [19] ابن خلدون، تاريخ ، ج 6 ص 266

    [20] البكري ، المسالك والممالك ج 2 ص 862

    [21] Nahemia Levtzion, “ The Early States of West Africa to 1500 A.D.” In History of West Africa. (London: 1976) Vol. 1, 114 : Patric J. Munson,
    “Archaeology and Pre-historic Origins of the Ghana Empire“ Journal of African History Vol. XXI No.4 (1980) 462

    [22] حسن ابراهيم حسن ، انتشار الإسلام والعروبة فيما يلي الصحراء الكبرى ( القاهرة: معهد الدراسات العربية 1957) ص 88 حسن أحمد محمود، قيام دولة المرابطين (القاهرة: مكتبة النهضة 1957) ص 62 حاشية 1 ص 56

    [23] الزهري، كتاب الجعرافية ص 125

    [24] محمود كعت ، تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس، وذيل له بعض حفدته. أنجي: مطبعة بروين أنجي 1913) 41

    [25] R. Hollett Africa to 1875 (London: 1978) 140

    [26] Nahemia Levtzion, Thee Early States, Vol. 1, 110 : Nahemia Levtzion, “The Sahara and the Sudan from Arab Conquest of the Maghrib to the rise of
    al-Moravids” In, The cambridge History of Africa. (Cambridge University Press, 1978) Vol. II, 667 : Patric J. Munson, Archaeology and Pre-historic
    Origins, 463 : J. Murphy, History of African Civilization, (New York 1972) 104

    [27] البكري ، المسالك والممالك ج 2 ص 862

    [28] ابن خلدون ، تاريخ ج 6 ص241

    [29] البكري ، المسالك والممالك ج 2 ص 846 : ابن خلدون ، تاريخ ج 6 ص271

    [30] البكري ، المسالك والممالك ج 2 ص757

    [31] الادريسي ، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق (بيروت: عالم الكتب 1989) ج 2 ص225

    [32] البكري ، المسالك والممالك ج 2 ص 861

    [33] Nahemia Levtzion, The early States, 114/115

    [34] ابن عبد الحكم ، فتوح مصر والمغرب تحقيق عبد المنعم عامر (القاهرة: لجنة
    البيان 1961) 213. ذكر لويسكي أن الحملة كانت بقيادة حبيب بن أبي عبيدة ، وأن ابنه إسماعيل واصل حملات والده في الصحراء. غير أن المصادر العربية لم تذكرسوى اسم عبد الرحمن بن حبيب ووالده فيما يتعلق بهذه الحملة. انظر:

    T. Lewiski, “The Role of the Sahara and the Saharans in Relationships
    between North and South” in M. El-Fasi, ed. General History of Africa.(Unesco, 1988) 3/309

    [35] ابن خلدون ، تاريخ ج 6 ص 241

    [36] البلاذري ، فتوح البلدان. القاهرة: المكتبة التجارية 1959) ص 233 ؛ ابن خياط ، تاريخ خليفة بن خياط. طبعة ثانية تحقيق أحمد ضياء العمري (بيروت مؤسسة الرسالة ودمشق: دار القلم 1977) ص 347

    [37] ابن عبد الحكم ، فتوح مصر والمغرب لم يرد اسم قائد الحملة في طبعة لجنة البيان بل ورد في طبعة ليدن 1920 ص 217 ؛ الرقيق القيرواني ، تاريخ افريقية والمغرب. ص 108

    [38] البكري ، المسالك والممالك ج 2 ص 847 ، 854

    [39] ابن الأثير ، الكامل في التاريخ (بيروت 1966) ج 7 ص 313 ؛ السيد عبد العزيز سالم ، المغرب الكبير ج 2 "العصر الإسلامي" (الدار القومية للطباعةوالنشر 1970) ص 322-323 ؛ سعد زغلول عبد الحميد ، تاريخ المغرب العربي ليبيا
    وتونس والجزائر من الفتح حتى قيام دولة الأغالبة والرستميين والأدارسة. ( القاهرة: دار المعارف 1965) ص 190

    [40] ابن عبد الحكم ، فتوح مصر والمغرب ص 217

    [41] الرقيق القيرواني ، تاريخ افريقية والمغرب ص 108

    [42] البكري ، المسالك والممالك ج 2 ص847

    [43] نفس المصدر ج 2 ص846-847

    [44] نفسس المصدر ج 2 ص 855

    [45] نفس المصدر ج 2 ص 847

    [46] نفس المصدر ج 2 ص 877

    [47] الناصري ، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (الدار البيضاء: دار الكتب 1954) ج1 ص 106

    [48] ابن خلدون ، تاريخ ج 6 ص 271

    [49] البكري ، المسالك والممالك ج 2 ص 848

    [50] ابن الفقية، البلدان، ص 120/121

    [51] يبدوا أن معنى النص العربي لم يكن واضحا في ذهن لويسكي فلم تأت ترجمته سليمة، يقول النص:" فرأيت النيل بينه وبين البحر الأجاج كثيب رمل يخرج النيل من تحته." جاءت الترجمة: “I saw the Nile (i.e. the Senegal River) ;
    between rhat River and the salt Sea (i.e. the Atlantic Ocean) stood a sandy hillat the foot of which the river had lits sources.” T. Lewicki, Ibid.

    [52] ذكر الإدريسي أن المسافة بين أودغست ومدينة بريسي التي يقع على مصب نهر السنغال جنوب أودغست 12 مرحلة. الإدريسي، نزهة المشتاق، ص 20

    [53] حسن ابراهيم حسسن ، انتشار الإسلام والعروبة ص 88 ؛ حسن أحمد محمود ، قيام دولة المرابطين ص 62

    [54] البكري ، المسالك والممالك ج 1 ص495

    [55] المسعودي ، مروج الذهب ومعادن الجوهر طبعة ثانية (بيروت: دار الأندلس 1973) 2 ص223

    [56] ابن عبد الحكم ، فتوح مصر والمغرب ص 267

    [57] اليعقوبي ، البلدان ص 360

    [58] ابن الفقيه ، البلدان ص 133

    [59] الإدريسي ، نزهة المشتاق ج1 ص 252

    [60] ابن خلدون ، التاريخ ج 6 ص 141

    [61] ابن حوقل ، صورة الأرض ص 101

    [62] ابن خلدون ، تاريخ ج 6 ص 242

    [63] نفس المكان

    [64] ابن خلدون ، تاريخ ج 6 ص241

    [65] أبن عبد الحكم ، فتوح مصر والمغرب ص 260 و 115

    [66] ابن الفقيه ، البلدان ص 133

    [67] يرى لويسكي أن حملة السودان عام 116هـ كان هدفها هذا الحلف اللمتوني. T. Lewicki, Ibid.

    [68] أحمد الياس حسين ، العلاقات بين المغرب العربي ومملكة غانة بين القرنين الثاني والخامس الهجريين (رسالة دكتوراه غير منشورة ، قسم التاريخ بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية ، جامعة القاهرة 1983) ص 63-64

    [69] ابن خلدون ، تاريخ ج 6 ص 242

    [70] نقله ابن خلدون ، تاريخ ج 6 ص 241

    [71] نفس المكان

    [72] أحمد الياس حسين ، العلاقات بين المغرب العربي ومملكة غانة ص 58

    [73] البكر ي ، المسالك والممالك ج 2 ص 857-858.

    [74] الإدريسي ، نزهة المشتاق ج 2 ص 29-30.

    Pour citer cet article :
    نشرت بمجلة دراسات افريقية ـ جامعة افريقيا العالمية ـ العدد34

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 364
    تاريخ التسجيل: 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الإثنين أغسطس 01, 2011 10:28 pm

    رمضان كريم
    هذا مقال مهم جدا بالنسبة لك ويمكنك على الخصوص من التعرف على كتابات الدكتور حماه الله لعلك تسعى للحصول على اعماله
    بالتوفيق


    Histoire de la Mauritanie:


    Par Docteur Hamahou Allah Ould Salem, professeur d’Histoire à l’Université de
    Nouakchott Lauréat du Prix Chinguitt 2006



    I-L’origine des Maures
    II-Le pouvoir des hommes voilés (du VIIeme au XIeme siècle)
    les Sanhadja de : la Tribu à L’Etat
    III-La fin du Ribat: le déclin des Mourabitounes
    IV-L’insurrection des Bani Ghaniya (1185-1222)


    المقال كاملا هنا
    4shared.com4shared.com/document/wh9ptMuA/Histoire_de_la_Mauritanie.html

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 364
    تاريخ التسجيل: 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الخميس أغسطس 18, 2011 6:06 pm


    * تطور المدن في المغرب الإسلامي وعلاقاتها العلاقات التجارية ببلاد السودان خلال القرنين 3و4هـ (9_10م)*

    * أ. عيسى قوراري *


    أستاذ مساعد بالمركز الجامعي بالمدية الجزائر
    *مقدمة*:

    عرف العالم الإسلامي ابتداء من القرن الثاني إلى الرابع الهجري تطورا عمرانيا
    كبيرا،ويعد تأسيس المدن أبرز سماته،وقد أصبح بعضها يمثل أكبر مدن العالم(1)وقيل أن المجتمع الاسلامي هو مجتمع دن(2)،كمايلاحظ أن التطور العمراني للعالم الاسلامي،قدحدث خلال فترة ازدهار الحضارة الاسلامية،واعتمد أساسا على الازدهارالاقتصادي الذي يكاد ينحصر في تلك الفترة على النشاط التجاري،وهو النشاط الذي يكمن وراء تطور المدن وانتشار شبكة المسالك التجارية البرية والبحرية معا(3).وفي هذا الصدد أشار ابن خلدون إلى العلاقة بين العمران والازدهارالاقتصادي حيث قال"ومتى عظم الدخل والخرج اتسعت أحوال الساكن ووسع المصر"(4).وكان للمدن المغربية دور بارز في المبادلات التجارية بينها وبين بلاد السودان،،بسبب ارتباطها بشبكة من المسالك التجارية ببلاد السودان.فكانت القيروان بداية الانطلاق،وسجلماسة بوابة بلاد السودان في المغرب.

    1*/تطور المدن في المغرب الإسلامي*:قبل التطرق إلى العلاقات التجارية بين المغرب الاسلامي وبلاد السودان،لابد من تقديم توطئة تنظيرية تهدف إلى إبراز العلاقة الجدلية بين التطور العمراني والازدهارالتجاري،وأثر ذلك في المكانة البارزة التي أصبح يحتلها المغرب الاسلامي في التجارة العالمية،وتنطلق هذه
    الرؤية التنظيرية من الواقع التاريخي والاقتصادي،فهي تسعى جاهدة إلى اكساب أوجه النشاط العمراني والتجاري الذي تعرضت إليه مصادر الجغرافيين والمؤرخين العرب،ويبدو في هذه الرؤية التنظيرية ضربا من ضروب التجديد في دراسة مميزات
    الحضارة العربية الاسلامية.إذلايمكن فهم أهمية دور المدن التجارية في المغرب الاسلامي والتي شهدت تطورا عمرانيا واقتصاديا ذا شأن خلال القرنين الثالث والرابع الهجري إلا في إطار نظرة شاملة لتطور المدن،وليس في نطاق نظرة ضيقة أي
    النظرة إلى المدينة باعتبارها وحدة مستقلة.

    إن تطبيق هذه النظرة الجديدة لتاريخ المدن وتطورها يقتضي اعتبارمظهرين أساسيين:فالمظهر الأول يتجلى في ذلك التطور العمراني والديمغرافي الذي شهده العالم الاسلامي عامة والمغرب الإسلامي خاصة، ابتداء من النصف الثاني للقرن
    الثاني الهجري وخاصة خلال القرنين الثالث والرابع الهجري، ويتصل بهذالتطور بروز شبكة من المسالك بعضها قديم وبعضها جديد،ولكنه اكتسب أهمية جديدة خلال عهد الازدهار العمراني في العالم الاسلامي،أما المظهرالثاني فيتمثل في ارتباط
    التطور العمراني وما يتصل به من قضايا متعددة بديناميكية إقتصادية في منطقة جغرافية واسعة وهامة كانت تشكل في تلك الفترة قلب مراكز التجارة العالمية ومسالكها وقد أحدثت هذه الديناميكية حاجات اقتصادية جديدة،اكتسبت بينها بضاعتان
    أساسيتان هما الذهب وتجارة الرقيق(5).لقد ارتبط تطور التجارة،وتوطدت العلاقات التجارية بين المغرب الإسلامي بانتشار الإسلام،ولاسيما في المناطق الصحراوية من المغرب الإسلامي وبصورة خاصة في جنوب الصحراء إثر التطور الكبير والسريع الذي شهدته التجارة الصحراوية ابتداء من القرن الثالث الهجري وهي تعتمد أساسا على البضاعتين الأساسيتين في التجارة العالمية انذاك وهي الذهب وتجارة الرقيق،
    فقد ظهرت تجمعات سكانية في مختلف مراكز التجارة المؤسسة على طول المسالك التي كانت تربط بين الصحراء جنوبا وموانىء البحرالمتوسط شمالا من جهة،وبين الصحراء والمشرق الاسلامي من جهة ثانية،وقد كانت فئة التجارالمسلمين أنشط عناصر سكان
    تلك المراكز التجارية،ليس في النشاط التجاري فحسب بل في نشرالاسلام،لقد سمح الموقع الجغرافي للمغرب الإسلامي بتفتح تجاري وحضاري كبيرين، فمن المعروف أن
    الحوض الغربي من البحرالمتوسط يتصل بأوسع منطقة جغرافية تشرف على الصحراء،فبعد
    الواجهة البحرية،توجد الهضاب الفاصلة بين الساحل والصحراء، وكان لهذا الموقع
    أثربالغ في تطورالمسالك التجارية وتنوعها جنوبا شمالا وغربا شرقا، وكذلك في ازدهار تجارة الذهب والرقيق في بلاد المغرب، وقد أثر العامل الجغرافي تأثيرا واضحا في مساهمة المغرب الاسلامي في التجارة العالمية،وفي علاقاته الحضارية مع منطقة البحر المتوسط.

    إن مدن المغرب الإسلامي في الواقع كانت مخازن لبضائع بلاد السودان لإعادة توزيعها في اتجاه صقلية والمشرق الاسلامي من شواطىء إفريقية أو في اتجاه الأندلس وأوروبا من سواحل مضيق جبل طارق.وكانت السلعة الهامة هي بطبيعة الحال
    ذهب بلاد السودان(6).إن تأثير ذهب السودان قد تجاوز في الواقع التطور العمراني
    للمدن المغربية خلال أربعة قرون(2_5هـ)(8م_11م) ليؤدي دورا حاسما في نهضة غرب أوروبا وجنوبها فيما بعد.

    وقد أكدت الدراسات الحديثة* هذا الدور،والتي أقامت الدليل على تأثير ذهب السودان في السياسة النقدية لأوروبا الغربية والجنوبية ،وفي التحول الجذري الذي
    بدأت تعيشه هذه المنطقة ابتداء من القرن الثالث عشر الميلادي(7).وإذا كان
    العالم الاسلامي أصبح يشكل وحدة عمرانية واقتصادية خلال القرنين الثالث والرابع
    الهجري،فإن طرق المواصلات التجارية وشبكة المسالك التجارية فيه تمتد من الجنوبي الغربي من بلاد السودان إلى أوروبا،ومن سواحل إفريقية الشرقية إلى الصين وبلاد الترك،وتمتد كذلك من المغرب إلى المشرق من شواطىء المحيط الأطلسي إلى بغداد وكابول، ومنهما إلى منطقة المحيط الهندي(Cool.كان المغرب الاسلامي يضم ثلاث مناطق تجارية أساسية وهامة:وهي منطقة إفريقية ومن أبرز مراكزها التجارية القيروان،والمنطقة الثانية وتتصل المسالك التجارية فيها بمدينة تاهرت عاصمة الإمارة الرستمية،وهي مركز تجاري حساس يربط بين مسالك الصحراء وبلاد السودان
    بالأندلس،وجزر البحرالمتوسط عن طريق ميناء تنس وحلفة وصل هامة في التبادل التجاري بين المغرب والمشرق الإسلامي،أما المنطقة الثالثة وهي منطقة المغرب الأقصى بواجهتيها البحريتين:واجهة المحيط الأطلسي أو بحر الظلمات كما يسميه
    الجغرافيون العرب القدماء،وواجهة البحرالمتوسط،ويجمع بين هذه المناطق الثلاثة الموقع الجغرافي الذي ينحصر بين واجهتين تجاريتين:الواجهة البحرية والواجهة الصحراوية،وهما واجهتان تقعان ضمن الوحدة العمرانية والاقتصادية للعالم الاسلامي. لقد أدت فترة الصراع المذهبي في بلاد المغرب،التي كانت حركة الخوارج مظهرا من مظاهرها ابتداء من سنة122هـ والذي استمرهذا الصراع حوالي أربعين سنة.

    أدى إلى توقف المبادلات التجارية بسبب انعدام الأمن عبر المسالك التجارية باعتباره عاملا مهما في النشاط التجاري والتطور العمراني(9).وقداتضحت معالم الخريطة السياسية لبلاد المغرب والأندلس ابتداء من النصف الثاني للقرن الثاني
    الهجري،فقد أسس الأمويون خلافتهم الجديدة في قرطبة،وأسس بنومدرار المكناسيون عاصمة إمارتهم الصفرية في سجلماسة،والأدراسة أسسوا دولتهم في فاس،وبعدهم بقليل
    بنورستم عاصمة إمامتهم الإباضية في تاهرت،وبعد أن تأسست هذه الإمارات المغربية،والتي لم تتبع سياسة توسعية لبسط نفوذها السياسي والمذهبي،عرف المغرب الاسلامي فترة استقرار سياسي امتد إلى نهاية القرن الثالث الهجري،وقد ساهم هذا
    الاستقرار في تطور المسالك التجارية وأمنها،وقد يبدو للوهلة الأولى أن هناك تناقضا بين بروز هذه النظم السياسية المختلفة وبين التطور العمراني والازدهارالاقتصادي،بل حاولت هذه النظم السياسية أن تحقق الأمن للمراكز التجارية وتستغلها إقتصاديا وذلك لتدعيم مركزها السياسي والتجاري،ولعل الأمر
    الأمر يعود إلى اكتفاء دول المغرب بموارد المسالك التجارية الموجودة داخل نطاق منطقتها الجغرافية ودون محاولة توسيع مجالها على حساب منطقة الدول المجاورة،ويتضح أن للاستقرار السياسي الذي شهده المغرب الإسلامي خلال القرن الثالث الهجري دورا فعالا في النشاط التجاري،وبالتالي الإزدهار العمراني، ولكن يمكن مخالفة الاتجاه الذي يقتصر على هذا الجانب من القضية لتعليل ذلك الازدهار(10).

    ويبدو أن التحول الذي طرأ على المسلك التجاري القديم الخاص بتجارة الذهب والرقيق بين بلاد السودان والمشرق،وخاصة الطريق التجاري الرابط بين غانة ومصر عن طريق بلاد النوبة بسبب ماكان يمثله من خطر على القوافل وكثرة عواصفه
    الرملية،أصبح هذا الطريق يمر ببلاد المغرب(11) جاعلا من القيروان وبلاد الجريد ووارجلان،وتاهرت وتلمسان وفاس وسجلماسة مراكز تجارية نشطة تتفرع منها مسالك فرعية،وتجمعت عن طريق التجارة الصحراوية ثروات كبرى من الذهب في مدن
    المغرب،وأصبح الدينار السجلماسي مثلا عملة قوية تجاوز التعامل بها حدود إمارة بني مدرار وبلغ الأندلس في عهد الخليفة عبدالرحمان الناصر،ومن أهم البضائع التي كانت في قائمة المبادلات التجارية بين المغرب الاسلامي ومراكز التجارة العالمية المتصلة بها في تلك الفترة الحبوب وزيت الزيتون واللحوم والقطن والخشب والملح. والتمور والعسل والسكر والزبدة والمرجان والعنبر والعطور والورق والمنسوجات والصوف والنحاس المصنوع والحديد والشمع والجلود والفرو،ومادة الزئبق التي كانت تستوردها المدن المغربية والتي اشتهرت بثروتها الذهبية من الأندلس لاستخدامها في صناعة الذهب،أما البضاعتان الثمينتان اللتان تكمنان وراء الثروات الكبرى
    التي تجمعت في مدن تجارية مثل أودغست وسجلماسة وتاهرت فهما الذهب وتجارة الرقيق،وهما محور التبادل التجاري بين المغرب الاسلامي وبلاد السودان،فقد كانت سجلماسة تصدر إلى السودان أنواع التمور والزبيب والنحاس المصنوع ومنسوجات سجلماسة المشهورة.

    ويعود التجار بالتبر والرقيق،وفي هذاالموضوع ذكر الحميري عن تكرور قائلا:"وإليها يسافر أهل المغرب الأقصى بالصوف والنحاس والخرز ويخرجون منها بالتبر والخدم"(12).وأهم بضاعة تحملها القوافل التجارية من بلاد المغرب إلى بلاد السودان هي الملح،حيث يقول ابن حوقل"وربما بلغ الحمل الملح في دواخل بلد
    السودان وأقاصيه مابين مائتين إلى ثلاثمائة دينار"(13).وقد ذكر البكري غرائب صحراء المغرب الأقصى،فأشار إلى معدن الملح الموجود بين سجلماسة وأودغست،وقال:"ومن هذا المعدن يتجهز بالملح إلى سجلماسة وغانة وسائرالسودان والعمل فيه متصل والتجار إليه متسايرون،وله غلة عظيمة"(14).واستمرت أهمية تجارة الملح مع بلاد السودان إلى عهد ابن بطوطة (704ـ 779هـ ) حيث ذكر تغازي التي تبعد عن سجلماسة بخمسة وعشرين يوما في اتجاه الجنوب نحو بلاد السودان ،يسكنها عبيد مسوفة وهم الذين يشتغلون في مقاطع الملح بتغازي،وأضاف الرحالة المغربي
    قائلا:"وقرية تغازي على حقارتها يتعامل فيها بالقناطير المقنطرة من التبر"(15).
    ولإبراز أهمية تجارة الذهب والرقيق في تطور وازدهار المراكز التجارية المغربية،فإن ابن حوقل يبين استقرار الفئات التجارية بسجلماسة بقوله:"...وسكنها أهل العراق وتجار البصرة والكوفة وتجاربغداد الذين كانوا يقطعون ذلك الطريق،فهم وأولادهم وتجارتهم دائرة ومفردتهم دائمة،وقوافلهم غير منقطعة إلى أرباح عظيمة وفوائد جسيمة،ونعم سابغة،ولقد رأيت صكا كتب بدين على محمد بن أبي سعدون بأودغست،وشهد عليه العدول باشنين وأربعين ألف دينار..."(16).وقد تعرض البكري في وصفه لسكان سجلماسة قائلا:"...ومن الغرائب أن الذهب جزاف عدد بلا وزن،والكراث يتبايعونه وزنا وعددا..."(17).وفي وصفه لمدينة أودغست وهي مركز تجاري معروف
    بتجارة الذهب والرقيق والملح يقول:"...ويتجهز إلى أودغست بالنحاس المصنوع،وبثياب مصبغة بالحمرة والزرقة مجنحة،ويجلب منهاالعنبر المخلوق الجيد لقرب البحر المحيط منا والذهب الإبريز الخالص خيوطا مفتولة،وذهب أودغست أجود ذهب أهل الأرض وأصحه..."(18).ويذكر البكري أيضا أنه "كان للرجل الواحد من سكانها ألف خادم وأكثر"(19).إنه من الواضح أن هاتين البضاعتين تمثلان ميزة أساسية من ميزات الحياة التجارية المغربية خلال القرنين الثالث والرابع الهجري،فقد يلاحظ دورهما الحاسم في الحياة الاقتصادية للمراكز التجارية المغربية ،ومن هنا أصبحت العلاقات التجارية بين المغرب وبلاد السودان تعكس
    ظاهرة اقتصادية جديدة في حياة المغرب خلال هذا العصر(20.

    وربما السؤال الذي يطرح نفسه ما أهمية تجارة الرقيق في تجارة العالم الاسلامي عامة والمغرب الاسلامي خاصة؟إن الرقيق متوفر في المجتمع الاسلامي وتعددت مصادر استيراده،وأصبح يمثل ظاهرة اجتماعية بارزة في حياة المدن والريف معا إلى درجة
    جعلت بعض الدارسين للحضارة العربية الاسلامية يصفونها بأنها حضارة رقيق،لاتختلف عن الحضارات القديمة وعن الحضارة البيزنطية على وجه الخصوص.إن هذا الوصف لايخلو من مبالغة،بحيث هناك فرق شاسع بين ظاهرة العبيد في المجتمع الاسلامي وفي مجتمعات الحضارات القديمة،ولكن هذا لايمنع من التأكيد على حقيقة تاريخية تتلخص في أن الرق يمثل ظاهرة أساسية في تاريخ الاقتصاد الاسلامي،وربما الحاجات الاقتصادية للمجتمع الاسلامي الجديد قد طغت على ما جاءت به الشريعة الاسلامية لإعطاء هذه الفئة الاجتماعية حقوقها،وتيسير انتقالها من حالة العبودية إلى حالة الحرية،ويبدو أن حاجة العالم الاسلامي إلى العبيد ازدادت بعد انتهاء الفتوحات وبداية عصر الازدهار العمراني،وظهور العملة الاسلامية باعتبارها عملة قوية.يقوم على أساسها التبادل التجاري العالمي ،فبحث التجار عن مناطق تموين العالم الاسلامي بهذه البضاعة الهامة،فاستوردوا الرقيق من بلاد الترك باسيا الوسطى،ومن
    بلاد الصقالبة،ومن مناطق مختلفة منها مناطق قديمة معروفة بالنوبة والحبشة وسواحل إفريقية الشرقية،ثم ظهر مصدر جديد وغني وهو بلاد السودان،وكان له دور بارو في تايخ التجارة المغربية،وخاصة أن بلاد السودان أصبحت تشكل المصدر الأول
    لتجارة الرقيق ابتداء من القرن الرابع الهجري(21).ويبدوأن العبيد أصبحوا يشكلون القوة المنتجة الأساسية في جميع ميادين النشاط الاقتصادي،فكانوا هم العاملون في المناطق الزراعية الكبرى،وفي الواحات الصحراوية المغربية،وفي المعادن وفي حراسة
    القوافل التجارية وفي البناء والصناعات التي نشأت في مراكز العمران،وفي الأعمال المنزلية،ولذا فإن ملكية عدد وافر منهم لم تصبح مقتصرة على الأمراء والأسر الحاكمة،بل أصبحت الفئات الثرية تملك عددا من العبيد ولاسيما فئة التجار،ولاغرابة من العدد الكبير من العبيد،لأن تجارة القوافل كانت في حاجة إلى
    عمال وحراس،ويلاحظ في الحياة السياسية والعسكرية في المجتمع الاسلامي أن الرق العسكري احتل مكانة بارزة ابتداء من القرن الثالث الهجري حيث بلغ عدد العبيد في الفسطاط في العهد الطولوني حوالي أربع وعشرين ألف عبد تركي،وأربعين ألف عبد سوداني(22).

    وأصبح اتخاذ الحرس الخاص من عبيد السودان أمرا شائعا لدى حكام المغرب ابتداء من القرن الثاني الهجري،فقد اتخذ ابراهيم بن الأغلب مؤسس إمارة بني الأغلب سنة184هـ /808م الحرس الخاص من العبيد السود(23)،وكذلك اتخذ عبيدالله الفاطمي
    بعد بيعته سنة297هـ /910م العبيد من السودان والروم حرسا له(24).أما البضاعة الثانية التي كانت تمثل المنشط الهام للتجارة الاسلامية،والعصب المحرك لديناميكية التطور العالمي في العصر الوسيط،والأساسية في تجارة بلاد المغرب فهي الذهب(25).فلامناص إذن من وضع تدفق ذهب السودان إلى المشرق الاسلامي،ومنطقة البحرالمتوسط بالخصوص في اطار العناصر الجديدة التي أدخلها الحكم الاسلامي على الحياة الاقتصادية في المناطق التي كانت خاضعة للفرس والروم.كانت عملتان أساسيتان متداولتين في العالم القديم إلى غاية القرن الثامن الميلادي وهما
    الدرهم الساساني والدينار البيزنطي،ولقد استمر التعامل بهمافي العصر الاسلامي الأول،ولكن حدث هنالك تحولا جذريا ابتداء من نهاية القرن الأول الهجري أي بداية الثامن الميلادي حيث سخرت الذخائر الذهبية التي كانت مخزونة لفائدة الدورة
    الاقتصادية العالمية في مناطق النفوذ الفارسي البيزنطي، وأصبحت في ظل الحكم الاسلامي تمثل وحدة جغرافية واقتصادية (26).ثم طرأ حدث جديدابتداء من القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي،لايقل شأنا عن ذلك التحول وهو اكتشاف العالم الاسلامي لمصدر جديد لتوريد هذا المعدن الثمين بلاد السودان(27).

    وسيبقى ذهب السودان طوال ستة قرون يغذي مصانع ضرب العملة الذهبية في بلاد المغرب ومنطقة البحر المتوسط،ويدعم حركة التبادل التجاري بين بلاد السودان والمغرب من جهة،وبين المغرب والمشرق الاسلامي ومنطقة البحر المتوسط من جهة ثانية.وقد جعل التحول والاكتشاف الجديد من المسلمين خلال حقب طويلة سادة الذهب في العالم على حد تعبير م.لومبارد،ومكنا العالم الاسلامي من بلوغ درجة تفوق اقتصادي تجاه الشرق والغرب معا بفضل امتلاكه لثروات ذهبية هائلة،ولما تتمتع به العملة الاسلامية من اعتراف العالمي(28).إن دور المغرب الاسلامي واضح في هذه
    السياسة الاقتصادية والنقدية التي سمحت للمجتمع الاسلامي ببلوغ التفوق الاقتصادي خلال عصور الازدهار العمراني،والهدف من ابراز هذه القكرة هو ربط أهمية تجارة الذهب والرقيق كميزة من مميزات تاريخ التجارة المغربية في العصر
    الوسيط(29)،وكذلك ماكان يربط المغرب الاسلامي ببلاد السودان من علاقات تجارية.لقد كان للصبغة القبلية والمذهبية دور بارز في الصراع السياسي والعسكري الذي عاشه المغرب الاسلامي.

    خلال القرن الثاني الهجري،فإن سياسية السيطرة على المسالك التجارية البرية والبحرية،وخاصة ضمان استيراد الذهب والرقيق من بلاد السودان هي التي تكمن وراء الصراع السياسي والمذهبي الذي عرفه المغرب الاسلامي خلال القرنين الثالث
    والرابع ،ومن الأمثلة على ذلك الصراع الأموي الفاطمي ومارتبط به من تحالف سياسي وقبلي.لقد ارتبطت المنتجات الفلاحية المغربية بالتجارة في العصر الوسيط،وذلك
    لأسباب هي:الثنائية الاقتصادية الزراعة والتجارة،وهي ميزة الاقتصاد المغربي ابتداء من القرن الثالث الهجري"(30).،والسبب الثاني أن كثيرا من المنتجات الزراعية أصبحت بضائع أساسية في قائمة التبادل التجاري خاصة بالنسبة للتجارة الصحراوية مثل الحبوب والتمور والزبيب وقصب السكر ،ومن النتجات الحيوانية الصوف،وتجدر الاشارة إلى أن ابن خلدون قدتنبه إلى هذه الظاهرة في حياة المدن قبل ظهور النظريات الحديثة ،فكتب فصلا في المقدمة سماه:"فصل فيما تجب مراعاته في المدن،وما يحدث إذا غفل عن تلك المراعاة فأشار إلى ضرورة ضمان مناطق زراعية حول المدينة قائلا:"ومما يراعي أيضا المزارع،فإن الزروع هي الأقوات،فإذا كانت مزارع البلد بالقرب منها كان ذلك أسهل في اتخاذه وأقرب إلى تحصيلها"(31).

    2*/علاقة المدن المغربية التجارية ببلاد السودان*:ويبدو من خلال التطور التاريخي للمدن في المغرب الإسلامي،أنها ساهمت بشكل كبير في العلاقات التجارية بين المغرب الاسلامي وبلاد السودان عبر المسالك والطرق التجارية التي كانت تربطها بمدن بلاد السودان،ومن بين المدن المغربية التي كان لها دور أساسي في هذه
    العلاقات القيروان وتاهرت وسجلماسة،أما المدينة التي كانت تشكل حلقة الاتصال التجاري بين المغرب الاسلامي وبلاد السودان هي مدينة أودغست.فماهي علاقة هذه المدن التجارية في المغرب الإسلامي ببلاد السودان؟ فمدينة القيروان كانت نقطة الانطلاق في ضبط المسالك وتحديدالمسافات التي تحدث عنها الجغرافيون العرب، وبقيت منذ تأسيسها إلى سقوطها في منتصف القرن الخامس الهجري أهم مركزمغربي.

    في حركة النقل التجاري،وكانت نقطة لقاء بين المغرب والمشرق،وبين التجارة المتوسطية.وقوافل التجارة الصحراوية،وكانت علاقة القيروان ببلاد السودان وهي
    علاقة قديمة،تعود إلى بداية القرن الثاني الهجري ،فقد أرسل عبيدالله بن الحبحاب بعد أن ولى إفريقية والمغرب سنة116هـ قائده حبيب بن أبي عبدة إلى المغرب الأقصى،فغزا السوس الأقصى،وبلغ أرض السودان(32).وقد تطورت العلاقات التجارية
    بين القيروان وبلاد السودان خلال القرن الثالث الهجري،وكان مصدر ثروة لعدد من تجار المدينة،فقد استأذن أحدهم الامام سحنون أن يبني قنطرة يجوز عليها الناس على دارسحنون،فأبى سحنون لأن كسبه كان من بلاد السودان(33).وكان علماء القيرون
    يتورعون من مال التجارة خاصة من تجارة بلاد السودان،لما اشتهرت به من ربح فاخش أو استغلال،وجاء في ترجمة أبي الفضل أحمد بن علي أحد تلاميذة سحنون أنه ترك من ميراث أبيه أكثر من ألف دينار لم يرثها،فسئل عن ذلك فقال:"كان من تجارة العاج فكرهته لماجاء فيه عن أهل العلم"(34).ولما نقطع البسي من إفريقية،أصبح السودان مصدرا ثريا يمد القيروان وبقية المراكز التجارية المغربية بما تحتاجه من رقيق،وهي الفترة التي كان فيها صائغ القيروان يصدر بضاعته إلى بلاد
    السودان،وكان إبراهيم بن الأغلب يتخذ الحرس من العبيد السود خلال النصف الثاني من القرن الثاني الهجري.أما بالنسبة لتهارت الرستمية فقد تطورت الحركة العمرانية بها نتيجة التطور الاقتصادي ولاسيما تجارتها،وكانت ملتقى لطريقين
    تجاريين وئيسيين لعبا دورا هاما في الحياة التجارية المغربية من القرن التاسع الميلادي إلى القرن الثاني عشروهما طريق الشرق والغرب،أي من بلاد مصر إلى شواطىء المحيط الأطلسي الذي يربط المدن الواقعة على حدود الصحراء مع تجارة بلاد
    السودان،وطريق جنوب شمال أي بلاد السودان والمدن الصحراوية إلى شواطىء البحرالمتوسط.،بالاضافة إلى موقع تاهرت الجغرافي الذي سمح لها بالتحكم في الطريقيين التجاريين.

    فإنها تأسست في موضع غني بالمياه،مما جعلها تقوم بنشاط اقتصادي ثاني إلى جانب التجارة وهي الزراعة وتربية الحيوانات وخاصة تربية المواشي،واستطاع سكانها أن
    يجمعوا بين الفلاحة والتجارة،ويذهب بعض الباحثين أن ظاهرة الاستقرار النسبي الذي عرفه المغرب الاسلامي خلال القرن التاسع الميلادي كان له تأثير مباشر في ازدهار الحياة الاقتصادية بتهارت وضواحيها،وأن أهمية تربية المواشي وزراعة
    الحبوب في الميدان الزراعي تقيم الدليل على انعدام التخصص في الزراعة في أكثر مناطق المغرب الأوسط بل قل في المغرب كله(35).لقد ساهم الخوارج بدور فعال في النشاط التجاري بين بلاد السودان وواحات الصحراء من جهة وبلاد المغرب الأوسط من
    جهة ثانية،وقدربطوه بالمشرق الاسلامي وبموانىء البحرالمتوسط، وقد اكسب دول الخوارج القائمة على عصبية قبلية بربرية قوة ومكانة بارزة في المغرب
    الاسلامي،وتكاد تنحصر بضاعة هذا النشاط في نوعين من بضائع العصر:الذهب
    والعبيد(36)،وفي هذاالموضوع ذكر ابن الصغير عن نشاط تاهرت التجاري
    بقوله:"واستعملت السبل إلى بلد السودان وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة،وضروب الامتعة،فأقاموا على ذلك سنتين أوأقل من ذلك أو أكثر والعمارة زائدة والناس والتجارمن كل الأقطارتاجرون"(37).ويتضح من نص ابن الصغير أن تاهرت كانت لها علاقات تجارية ببلاد السودان عبر المسلك الصحراوي،لأن إمارة بني رستم كانت تتحكم في أجزاء من صحراء المغرب الأوسط،وبالتالي فالمسلك التجاري الصحراوي كان تابعا لإمارة بني رستم،كما يستخلص من هذ النص أن الطرق التجارية كلها كانت تؤدي إلى عاصمة بني رستم سواء من المشرق الاسلامي أو من مدن المغرب الاسلامي الأخرى،وأن تاهرت كانت تتميز بحركة تجارية نشيطة بحكم موقعها الجغرافي والتجاري الذي يربط بين القيروان ومدن المغرب الأقصى وبلاد السودان،وقد أفرزت الحركة
    التجارية تأسيس العمارة،ومن أهم الصادرات تاهرت في النشاط التجاري مع بلاد السودان الحبوب والصوف والجلود.أما مدينة سجلماسة فهي مدينة تجارية.
    ويعود القضل في ازدهارها وتقدمها المعماري،ومظاهر الترف في حياتها الاجتماعية وهجرة الناس إليها من البصرة على شط العرب إلى الأندلس وبلاد السودان إلى نشاطها التجاري،ومركزها الحساس في مغترق مسالك تجارية هامة في تاريخ التجارة المغربية في العصر الوسيط،بل كانت مركزا تجاريا عالميا صرئذ،فالتجارة هي مصدرالثروة الكبيرة التي تجمعت بالمدينة.وعلىوجه الخصوص الثروة الذهبية التي كانت بأيدي سكانها وخاصة فئات التجار بينهم،ويقول عنهم ياقوت الحموي:"وأهل هذه المدينة من أغنى الناس وأكثرهم مالا؛لأنها على طريق من يريد غاة التي هي معدن
    الذهب،ولأهلها جرأة على دخولها"(38).وأشار البكري إلى "أن الذهب عند سكان سجلماسة جزاف عدد بلا وزن،والكراث يتبايعونه وزنا لا عددا"(39).ويروي ابن حوقل قصة طريفة عاشها بمدينة أودغست تصور مدى الثراء الذي بلغته فئة
    التجاربسجلماسة،فبعد أن تحدث عن سكانها من تجار البصرة والكوفة وبغداد،وعن الحركة التجارية الدؤوبة بها.قال عن أهل سجلماسة:"...وسائرأرباب المدن دونهم في اليسار وسعة الحال،وتتقارب بالعصبية أوصافهم،وتتشاكل أحوالهم،ولقد رأيت بأودغست صكا فيه ذكر حق لبعضهم على رجل من تجار أودغست،وهو من أهل سجلماسة باثنين وأربعين ألف دينار ومارأيت،ولاسمعت بالمشرق لهذه الحكاية شبها ولانظير،ولقد
    حكيتها بالعراق وفارس وخراسان فاستطرفت..."(40).ولقد كانت التجارة مصدر القوة المالية،وبالتالي مصدر القوة السياسية والعسكرية إمارة بني مدرار الصفرية،وبلاحظ أن مبلغ المكوس الذيوظفه أميرها المعتز على القوافل الصادرة
    والواردة،وعلى ما يباع بها ويشترى سصل مع العشر والخراج أربعمائة ألف دينار،وهذا المبلغ جباية المدينة وعملها فحسب،وأصبحت مهنة خفارة القوافل التجارية من سجلماسة نحو فاس وأغمات والسوس ثم نحو الجنوب في اتجاه أودغست
    وغانة عملا يدر على القبائل البربرية المقيمة بالقرب من المسالك التجارية أرباحا طائلة ،فهم يوظفون عليها ضريبة ويلزمونها بقبول خفارتها(41).

    لم تكن سجلماسة تمثل خاتمة المطاف بالنسبة للقوافل،فهي تتجه إليها باعتبارها مركزا تجاريا نشطا مع بلاد السودان،فهي باب لمعدن التبر أو ميناء صحراوي تتجمع فيه البضاعتان الثمينتان من بضائع العصر:الذهب والرقيق،إن جميع القوافل
    التجارية القادمة من المراكز التجارية المذكورة والمتجهة نحو بلاد السودان أو العائدة منها تمر بسجلماسة.وذكر ابن حوقل المسلك الصحراوي في اتجاه الجنوب من سجلماسة* نحو بلاد السودان بقوله:"وبين المغرب وبلد السودان مفاوز وبراري منقطعة،قليلة المياه متعذرة المراعي،لاتسلك إلا في الشتاء،وسالكها في حينه متصل
    السفر دائم الورود والصدر،وهو طريق تجارة الذهب مع أودغست وغانة
    بالخصوص"(42).وتجدر الإشارة إلى أن البضائع التي كانت تحملها القوافل التجارية
    المتجهة إلى سجلماسة أو المنطلقة منها،والتي كانت تسوق في بلاد السودان،وحسب ما جاء في كتب الجغرافيين العرب أن صادرات سجلماسة من المتوجات الزراعية ومنتوجات الحرف اليدوية المختلفة كان نحو بلاد السودان، وخاصة نحو مدينة أودغست وغانة وتكرور،ومن هذه المنتوجات القمح وأنواع التمور، والثمار المجففة والزبيب والمسوجات والنحاس المصنوع والخرز والملح.ويجلب من بلاد السودان الذهب والرقيق والعنبر وأشجار الصمغ من جبل يشرف على مدينة أودغست،ويصمغ بها الديباج، ويصدرهذا الشجر عن طريق سجلماسة على الأندلس(43).ويصف الحميري مدينة تكرور بقوله:"...وإليها يسافر أهل المغرب الأقصى بالصوف والنحاس والخرز،ويخرجون منهابالتبر والخدم..."(44).بينما أشار البكري إلى ثراء أهل أودغست قائلا:"وكانت لهم أموال عظيمة ورقيق كثير كان للرجل منهم ألف خادم وأكثر"(45).وكان أهل أودغست يتعاملون بالتبر الخالص وليس بالفضة،فالقوافل التجارية القادمة من سجلماسةبأنواع البضائع المذكورة تعود ببضاعتين هامتين هما الذهب والرقيق، ويصدرإلى أودغست القمح والثمار والزبيب.

    كما يتجهز إليها بالنحاس المصنوع وبثياب مصبغة بالحمرة والزرقة مجنحة،ويجلب منها العنبر المخلوق الجيد لقرب البحر المحيط منهم والذهب الابريز الخالص خيوطا مفتولة وذهب أودغست أجود من ذهب الأرض واصحه(46).وينقل السلاوي نصا عن الشريشي
    يصور بدقة أهمية نوع التبادل التجاري بين سجلماسة وغانة. فيقول:"وقال الفقيه الأديب أبو العباس أحمد بن عبدالمؤمن القيسي الشريشي في شرح المقامات الحريرية مانصه غانة بلد من بلاد السودان،وإليها بنتهي التجار يعني من المغرب،والمدخل
    سجلماسة،ومن سجلماسة إيابا مسيرة شهر ونصف ودون ذلك،وسبب ذلك أن الرفاق تتجهز إليها من سجلماسة بالأمتعة والأثقال، فتباع في غانة بالتبر،فمن سافر إليهابثلاثين حملا،يرجع منها بثلاثة أحمال أو بحملين واحد لركوبه،وثان للماء بسبب
    المفازة التي في طريقها،حثني غيرواحد من تجارها أنهم يقطعون المفازة في ستة عشريوما لا يرون فيها ماء إلا على ظهور الإبل،فأثمان أحمال الثلاثين جملا يجتمع فيها من التبر ما يجعل في مزود واحد فيطوون المراحل للخفة"(47).ويستخلص من نص
    السلاوي الذي نقله عن الفقيه الأديب أبو العباس أن المسلك التجاري بين سجلماسة وغانة لم يكن سهلا بل كان شاقا،بسبب المفاوز،وفي نفس الوقت يستنتج منه أن الصادرات سجلماسة إلى بلاد السودان كانت ضخمة من حيث الحجم والكمية أكثر من
    صادرات بلاد السودان إلى المغرب الاسلامي،بحيث ذكر أبو العباس أن تجار سجلماسة كانوا يسافرون على بلاد السودان بثلاثين حملا،يعودون بثلاثة أحمال.بالاضافة إلى السلع والبضائع التي كانت مدن المغرب الاسلامي تصدرها إلىبلادالسودان،فإن هناك
    بضاعة لاتقل أهمية في العلاقات التجارية بين المغرب الاسلامي وبلاد السودان وهي الملح،فكانت هذه البضاعة تمر بسجلماسة، وكانت نادرة في بلاد السودان،وكانت مصدرا للربح الوافر، والحصول بالمقابل على كميات كبيرة من الذهب،وفي هذا الصدد يقول ابن حوقل:"وربما بلغ الحمل الملح في دواخل بلد السودان وأقاصيه ما بين مائتين إلى ثلاثمائة دينار"(48).ويبدو من نص ابن حوقل أن الملح كسلعة كانت لها أهمية في أسواق بلاد السودان،مثلها مثل الذهب والرقيق في بلاد المغرب منعدمة في بلاد السودان،وكان الطلب عليها كبيرا،مما جعل تجار المغرب الاسلامي يستغلون هذه المادة في استيراد الذهب والرقيق.كما يستنتج من التبادل التجاري بين بلاد المغرب وبلاد السودان أن هناك تكامل إقتصادي وتجاري بين المنطقتين. بحيث كانت بلاد المغرب الممثلة في مدن عواصم إمارته تمد أسواق بلاد السودان
    ماتحتاجه من سلع وبضائع،وكانت بلاد السودان تصدر إلى بلاد المغرب ماتحتاجه أسواقه من بضائع خاصة الذهب والرقيق.لقد انعكس ازدهار التجارة بين بلاد المغرب وبلاد السودان على المغرب الاسلامي بحيث ظهر تطورا عمرانيا،فمن المعروف أن
    المغرب الاسلامي كان يتميز بطابعه العمران البدوي،وكانت هذه السمة الأساسيةبلادالمغرب منذ العصور القديمة،وفي العهد الاسلامي أيضا بالرغم ما عرفته فترة طويلة منه من ازدهار عمراني،ولكن تأسيس كثير من المدن التجارية خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة أثر تأثيرا مباشرا في عدد من مناطق العمران البدوي،وساهم خلال أجيال عديدة في انتقال فئات اجتماعية من مرحلة العمران البدوي إلى مرحلة
    العمران الحضري،وهذا التطور التاريخي هو الذي انطلق منه ابن خلدون فيما ذهب إليه من أن البدو أصل للمدن والحضر وسابق عليهما،حيث قال:"ومما يشهد لنا أن البدوأصل للحضر،ومتقدم عليه،فنشلأ أهل مصر من الأمصار وجدنا أكثرهم من أهل البدو الذين بناحية ذلك المصر وفي قراه،وأنهم أيسروا فسكنوا المصر وعدلوا إلى الدعة والترف الذي في الحضر،وذلك يدل على أن أحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البداوة،وأنها أصل لها فتفهم"(49).فالغرض من ذكر نص ابن خلدون هو إبراز دور
    التجارة في تطور المدن بالمغرب الاسلامي،بل أكثر من هذا فقد ازداد عددها،وتطورت بعض القرى إلى مدن، ولعل الفضل يعود إلى تجارة الذهب والرقيق التي كانت تجلب من بلاد السودان.وفي هذالموضوع ذكر أحد الباحثين أن ظاهرة التجارة الصحراوية
    المغربية ومارافقها من توريد البضاعتين الأساسيتين الذهب والرقيق كان لها دور اقتصادي فعال في الفترة التي عرف خلالها المغرب الاسلامي مراكز عمرانية متطورة نشطة.

    الفترة التي عرف خلالها المغرب الاسلامي مراكز عمرانية متطورة نشطة تربط بينهاشبكة مسالك تجارية تتصل بدورها بشبكة مسالك التجارة العالمية،ولكن عندما تدهورت هذالمركز ،وتضاءل الانتاج ،وضعف توزيع العمل وأدى كل ذلك في النهاية إلى انهيار ديمغرافي بدأ بانهيار المدن عمرانيا واقتصاديا(50). وعندما أصبح ذهب السودان يفد قليلا عبر بعض المسالك القديمة، تحولت بعض المدن المغربية إلى مجرد مراكز للعبور دون أن تستفيد من تجارة العبور.

    *خلاصة*:

    ارتبطت التجارة بين المغرب الاسلامي وبلاد السودان بنشر الاسلام،وتوطدت العلاقات التجارية بينهما بفضل فئة التجار التي لعبت دورا أساسيا في هذه العلاقات،وكان المغرب الاسلامي قد ساهم في إحياء وازدهار بلاد السودان الواقعة
    ما وراء الصحراء الكبرى عمرانيا وتجاريا،كما ساهمت بلاد السودان أيضا بفضل تصديرها للذهب والرقيق في تطور مدن المغرب الاسلامي،وقد أحدث النشاط التجاري حركة اتصال بين المغرب الاسلامي وبلاد السودان خاصة في القرنين الثالث والرابع
    للهجرة،وكذلك تكاملا إقتصاديا،وكانت نتيجة المبادلات التجارية بين المنطقتين أن تغيرت المجتمع المغربي،وأصبح يضم عناصرجديدة تتمثل في عنصر السود الذي ساهم
    بدوره في التطور العمراني والاقتصادي للمغرب الاسلامي،وبمجرد أن بدأت بلاد المغرب تفقد حيوية المسالك التجارية بينها وبين بلاد السودان،تراجع نشاط المدن في المغرب الاسلامي وضعف عمرانها،وضعف دورها كحلقة وصل في المبادلات التجارية
    بين المشرق الاسلامي والأندلس من جهة وبلاد السودان من جهة أخرىوانخفض نموها الديمغرافي بسبب التدهورالاقتصاد المغربي وكذلك نهضة المغرب العمرانية،لأن تجارة الذهب والرقيق هي التي كانت وراء التطور والازدهار الاقتصادي والمالي والعمراني في بلاد المغرب،والمحرك الأساسي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية
    فيها.

    *الهوامش:*

    (1) ألح الباحثون الغربيون الذين درسوا المدينة الأوروبية في العصور الوسطى كثيرا على القوة الخلاقة لمدن الغرب دون أن يهتموا بدور المدن في الحضارات الأخرى،بينما تفطن ف.برودال(F.Broudel) إلى غياب اهتمام المؤرخين والباحثين
    الأوروبييين بالمدن الأخرى التي وجدت في الحضارة الإنسانية خلال العصور الوسطى،وأشار إلى أن الباحثين الأوروبيين قد بالغوا في وصف قوة الابداع لمدن الغرب مع سوء تقييمهم لمدن أخرى غير أوروبيةينظرإلى:Annales,ESC,N4,1970,p829.

    (2)د.الحبيب الجنماني:المغرب الإسلامي_الحياة الاقتصادية والاجتماعية في القرنين(3و4هـ_9_10م)_الدارالتونسية للنشر_الشركة الوطنية للنشر والتوزيع_الجزائر_1978_ص14

    (3) نفسه:ص14

    (4) ابن خلدون:المقدمة_ج3_القاهرة_1967_ص1009

    (5)د.الحبيب الجنماني:المرجع السابق _ص15

    (6) وكانت المدن المغربية وقد أصبحت مراكز استهلاك ذات شأن نتيجة تطورها العمراني،تستورد مقابل الذهب بالخصوص فرو الغابات الروسية والسلاح المصنوع في أوروبا وكذلك الخشب لاستخدامه في صناعة السفن بصفة خاصة والقصدير وتجارة الرقيق
    الصقلبي،ومن المعروف أن عدد الصقالبة قد كثر في قصور المغررب خلال القرنين الثالث والرابع،وأصبح ذهب السودان يحمل معه الأسى إلى كثير من مناطق أوروبا الشرقية بصورة خاصة.ينظرإلى:Maurice Lombard:L'Islam dans sa premiere
    grandeur8-11siecle,paris,1971,p155

    *من أهم الدراسات الحديثة التي أكدت أن ذهب السودان كان سببا في نهضة أوروبا الغربية والجنوبية أبحاث م.بلوك (M.Block)،ف.برودال(F.Braudel)،ر.لوباز(R.Lopez
    ).

    (7)M.Malowist:quelques Observations sur le commerce de l'or dans le soudan
    occidental au moyen ageAnnales,esc,Novembre decembre,paris,1970,p1630

    (8)Claude Cohen:Histoire Generale des civilisations,t3,le moyen
    age,paris,1967,pp155 158،د.الحبيب الجنماني:المرجع السابق_ص18

    (9) يرى عبدالله العروي أن الفضل في التطور التجاري لبلاد المغرب لا يعود إلى العرب الفاتحين،وقد كانوا منشغلين بالفتح،بل يعود فئات البربر المنضوين تحت
    لواء إمارات المغرب الأوسط،وأن حروب الفتح قد دفعتهم باللجوء إلى جنوب بلاد المغرب،وجاء نتيجة ذلك الاندماج الاقتصادي بين الصحراء والمناطق الشمالية
    للمغرب،ولعل ذلك يمثل الظاهرة الأساسية.ينظرإلى:L'histoire de Maghreb,paris,1970,p119،ويفهم من نص عبدالله العروي أن الفتح الإسلامي لبلاد المغرب قد أحدث تغيرات اجتماعية واقتصادية،تتمثل في نزوح البربر من مناطق الشمال للمغرب إلى جنوبه،وأن الصراع المذهبي،كان له الفضل في النشاط التجاري
    بحيث أصبح البربر يقومون بدور هام في المبادلات التجارية بين المغرب الأوسط وبلاد السودان،ولكن يبدو أن هناك اختلاف بين رأي العروي ومانتج عن الصراع الذي قامت به حركة الخوارج التي أدت إلى إعاقة النشاط التجاري بين المغرب وبلاد
    السودان لأن المسالك التجارية كانت غيرمؤمنة.

    (10)ينظرإلى محمد الطالبي:عن إفريقية في العصر الأغلبي ضمن كتاب تاريخ تونس في العصر الوسيط_تونس_د.ت_ص185

    (11) يبدو من رواية ابن خلدون أن الطريق التجاري الذي كان يتردد عليه التجار المصريون هو طريق بلادالمغرب للوسول إلى مالي،ففي هذه الرواية يتحدث ابن خلدون عن عصر ملك مالي ماري جاطة بن منسا في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري
    معتمدا على رواية شفاهية،فيقول"إنه بذرواسرف واضطر إلى بيع حجر الذهب الشهير الذي كان في ذخيرة مملكة أسرته،وهو حجر يزن عشرين قنطارا منقولا من المعدن من غير علاج بالصناعة ولا تصفية بالنار،فعرضه جاطة هذا الملك المسرف على تجار مصر
    المترددين إلى بلده وابتاعوه منه بأبخس ثمن".ينظرإلى العبرـج6ـبيروت ـ1959ـ ص418

    (12)ينظر إلى الروض المعطار ـ بيروت ـ 1975 ـ ص134

    (13) ينظرإلى:صورة الأرض ـ طبعة بيروت ـ دت ـ ص98

    (14)ينظر إلى المسالك والممالك ـ الجزائرـ1857 ـ ص171

    (15) ينظرإلى:الرحلة ـ طبعة بيروت ـ1964ـ ص674

    (16) صورة الأرض ـ ص65

    (17)المسالك والممالك ـ ص151

    (18) نفسه:ص 159

    (19) نفسه:ص 168

    (20)د.الحبيب الجنماني:المرجع السابق ـ ص 28

    (21) لقد ذكر الأصطخري الذي ألف كتابه في النصف الأول من القرن الرابع الهجري عن صادرات المغرب والأندلس إلى المشرق الاسلامي بقوله"والذي يقع من المغرب الخدم السود من بلاد السودان والخدم البيض من الأندلس والجواري المثمنات،تأخذ
    الجارية والخادم من غير صناعة على وجوهها بألف دينار وأكثر،وتقع منها اللبود المغربية والبغال للسرج والمرجان والعنبر والذهب والعسل والزيت والسفن والحرير والسمور. ينظرإلى المسالك والممالك ـ القاهرة ـ1961ـ ص37

    (22)ابن عذارى المراكشي:البيان المغرب ـ ج1ـ بيروت ـ 1948ـ ص118 ـ Cl.Cohen:op.cit.p137

    (23) ابن غذاري:البيان ،ـج1ـ ص 93و123و150ـ Mohamed Talbi:l'Emirat Aghlabide,paris,1966,pp.136 137

    (24) القاضي النعمان بن محمد:رسالة افتتاح الدعوة ـ بيروت ـ 1970ـ ص257،وقد انتهج بنوزيري في القرن الرابع الهجري نفس السياسية وهي توظيف عبيد السودان كحرس وكجنود في جيش بني زيري ـ ينظرإلى البيان ـ ج1ـ ص238

    (25)H.Djait:l'Islam ancien recupere al'histoire,Annales,Ecs,juillet
    Aout,1975,p904

    (26)M.Lombard:op.cit.pp.103 112،وقد تعرض لومبارد في دراسته عن الذهب الإسلامي من القرن السابع إلى القرن الحادي عشر بشيء من التفصيل في كتابه:Les bases
    monetaires,d'une suprematie economique,l'or musulman du 7au11siecle,Annales Ecs t2,1947,pp143 160

    (27) إن اكتشاف المسلمين في المغرب الإسلامي لهذا المصدر الجديد لذهب بلاد السودان لايعني أبدا أن هذا المصدرىلم يكن معروفا قبل الفتح الاسلامي،وهذا ماذهب إليه ف.برودال من أن التجارة الصحراوية أقدم بكثير من القرن العاشرالميلادي، ولعلها وجدت قبل القرن الثاني الهجري.ينظرإلى:F.Broudel:lq
    Mediterranee et le monde mediterreen al'epoque de philippe2,paris,1949,pp364 365،ويبدو أن التجارة الصحراوية القديمة قد توقفت في عهد الوندال
    والبيزنطيين،وازدهرت في العصر الاسلامي،وارتبطت بوحدة اقتصادية وعمرانية واسعة،وهذا ما اكسب استيراد ذهب السودان في العصور الاسلامية أهمية خاصة.ينظرإلى:Yves Lacoste:Ibn khaldoun,paris,1969,p25.

    (28)M.Lombard:les bases monetaires,p.143

    (29) إن أساليب التجارة المغربية وفنياتها لا تختلف عن أساليب التجارةالاسلامية المعروفة خلال العصر الوسيط،وقد تعرض لها الفقهاء في كتب المعاملات.ينظرإلى:Claude Cohen:op.cit.pp.158 160

    (30)ينظرإلى:Abdellah Laroui:histoire du Maghreb,pp.120.121

    (31) ينظرإلى المقدمة ـ ج3 ـ ص975

    (32) ابن عذارى المراكشي:البيان ـ ج1ـ ص51

    (33)ينظرإلى أغلبية ـ تونس ـ1968ـ ص126

    (34)نفسه:ص322،أبوبكر عبدالله المالكي:رياض النفوس ـ ج1القاهرة ـ 1951ص388

    (35)C.Vanacker:Geographie economique de l'Afrique du nord selon les auteurs
    arabes du 9siecles au 12 siecles,Annales esc,mai,juin1973,p674

    (36)M.Lombard:op.cit.p.61

    (37)ينظرإلى:اخبار الأئمة الرستميين ـ باريس ـ1908ـ ص13

    (38) ينظرإلى:معجم البلدان ـ ج3ـ ص192

    (39)ينظرإلى:المغرب في ذكربلاد إفريقية والمغرب ـ ص151

    (40) صورة الأرض ـ ص96

    (41) نفسه:ص99

    *يبدو أن طريق تجارة الذهب والرقيق ولاسيما نحو أودغست وغانة كان يمر بصورة أساسية بسجلماسة في عهد بني مدرار،فهو الطريق الذي تكاد تقتصر عليه معلومات الجغرافيين العرب في القرنين الثالث والرابع الهجري.

    (42) صورة الأرض ـ ص100

    (43)البكري:المصدر السابق ـ ص158

    (44) أبوعبدالله محمد بن محمد الحميري:الروض المعطار في خبر الأقطار بيروت1975ص134

    (45)البكري:المصدر السابق ـ ص 168

    (46) نفسه:ص159

    (47) ينظرإلى الاستقصاـ ج5ـ ط الدارالبيضاء ـ 1954ـ ص99 ومايليها.

    (48) صورة الأرض ـ ص98

    (49)المقدمة ـ ج2 ـ ص583

    (50)المدن كما يقول برودال نقاط جامدة فوق الخرائط،فهي تتغذى من الحركة،وما تجارتها إلا حركة.ينظرإلى:la mediterranee,p.253

    --------------------------------------

    *مجلة علوم انسانية *

    * *

    حسين1492

    عدد المساهمات: 16
    تاريخ التسجيل: 20/11/2010

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف حسين1492 في الجمعة أغسطس 19, 2011 3:24 pm

    شكرا جزيلا أستاذي الكريم ، أنا دوما في انتظار جديدك ، وخاصة باللغة الفرنسية ،أتمنهى أن تعينني بمقالات عن دور الطريق الغربي حيث مضارب صنهاجة في التجارة العابرة للصحراء في التاريخ القديم من أجل الانطلاق منها في تتبع التحولات الطارئة على أهمية الطريق الغربي و المؤثرات التي تتداخل لترجيحه على الطريقين الأوسط و الشرقي أو تراجعه ، شكرا مرة أخرى ، رمضان كريم،

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 364
    تاريخ التسجيل: 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الإثنين أغسطس 29, 2011 10:16 am

    حسين1492 كتب:شكرا جزيلا أستاذي الكريم ، أنا دوما في انتظار جديدك ، وخاصة باللغة الفرنسية ،أتمنهى أن تعينني بمقالات عن دور الطريق الغربي حيث مضارب صنهاجة في التجارة العابرة للصحراء في التاريخ القديم من أجل الانطلاق منها في تتبع التحولات الطارئة على أهمية الطريق الغربي و المؤثرات التي تتداخل لترجيحه على الطريقين الأوسط و الشرقي أو تراجعه ، شكرا مرة أخرى ، رمضان كريم،

    يمكنك الاستفادة من هذا المقال الهامّ ، اقرأه جيّدا ......

    4shared.com4shared.com/document/BwPal1Sh/Ethnique_Maure.html

    بالتوفيق

    حسين1492

    عدد المساهمات: 16
    تاريخ التسجيل: 20/11/2010

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف حسين1492 في الإثنين نوفمبر 07, 2011 2:17 pm

    الأستاذ الكريم الدكتور محمد العربي عقون بداية عيد سعيد و كل عام و أنت بخير ، أود هنا أن أشكرك جزيل الشكر على تنبيهي الى دراسات الدكتور حماه الله ولد السالم لقد استفذت منه كثيرا خاصة و أنه يعتمد على مخطوطات موريطانية نادرة و يقدم تحليلا تاريخيا قيما ، و أتمنى أن تضع هذا الموضوع دائما في دائرة اهتمامانك،و دمت لنا مرشدا و موجها و ناصحا كما كنت لناأستاذاو مربيا

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 364
    تاريخ التسجيل: 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد ديسمبر 25, 2011 5:26 pm

    نماذج من التواصل الحضاري بين شمال أفريقيا والصحراء الكبرى

    يحاول هذا الموضوع التطرق لنماذج من التواصل الحضاري الذي كان موجوداً بين شمال أفريقيا والصحراء الكبرى خلال عصور ما قبل التاريخ ، باعتبارهما منطقتين جغرافيتين تكملان بعضهما ، انطلاقاً من متابعة التغيرات المناخية التي عرفتها المنطقتان ، والتحركات البشرية التي صاحبتها ، ثم التعرض للمخلفات الأثرية التي تبرز التواصل والتأثير المتبادل المنطقتين . ولإبراز هذه العلاقات وهذا التواصل نقترح التعرض من خلال هذا العرض مناقشة ثلاث نقط محورية :ـ
    1 ـ الصحراء الكبرى وتطورها المناخي وخاصة خلال الأدوار الجليدية. 2 ـ شمال أفريقيا وسماتها الجغرافية الأساسية.
    1 ـ بعض نماذج ومظاهر العلاقات بين المنطقتين وتطورها خلال عصور ما قبل التاريخ انطلاقاً من البدايات الأولى وإلى غاية توصل الإنسان إلى الزراعة وتربية الماشية.
    1 ـ الصحراء الكبرى وتطورها المناخي
    تعتبر الصحراء الكبرى في أفريقيا حالياً منطقة قاحلة مقفرة تغطي جزءاً كبيراً من وسط أفريقيا وشمالها وتكاد تمثل حاجزاً طبيعياً بين شمال أفريقيا ووسطها . وتمتد الصحراء الكبرى من الغرب إلى الشرق أي من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر ، على طول 3000 كلم . ومن الشمال إلى الجنوب أي من البحر الأبيض المتوسط إلى بداية المناطق الاستوائية ، على طول 1500 كلم . ويحدد الباحث ميلبورن (M.MILBURN ) مساحتها في حوالي تسعة ملايين كلم2 1 .بينما يحددها العالم هوكو (HUGOT ) في أربعة ملايين ونصف مليون كلم2 2 . والصحراء تعبير نباتي ، تعني افتقار الإقليم للحياة النباتية والحيوانية ولكن هذا لا يعني الفقر التام ، إذ مما لا شك فيه أن هناك حياة نباتية وحيوانية في الصحراء.
    على الرغم من أن الصحراء الكبرى تعد من أكبر الصحاري في العالم ، إلا أنها لم تكن على ما هي عليه الآن ، إذ كانت إلى غاية حوالي 6000 ق . م وربما إلى بعد ذلك ، عبارة عن أرض رطبة تعرف الأمطار الكافية وتعج بالحياة النباتية والحيوانية والبشرية.
    ولهذا فقد أنكب العديد من الباحثين على دراسة هذا التحول المناخي الذي عرفه العالم بما فيه الصحراء وشمال أفريقيا ، منهم : كاطون ، طومسيون ، وكوتيي ، وهوكو ، وقوفري وغيرهم ، لرصد مراحل هذا التطور المناخي والحقائق المرتبطة به . كما أن أبحاثهم ودراساتهم وتساؤلاتهم ، فتحت آفاقاً جديدة لمتابعة التأثيرات المتبادلة بين الصحراء وشمال أفريقيا وتحديد نوعية العلاقات التي كانت قائمة بين المنطقتين. ومن المسلم به أن قضية العلاقات والتأثيرات المتبادلة بين الصحراء وشمال أفريقيا وتحديد نوعية العلاقات التي كانت قائمة بين المنطقتين. ومن المسلم به أن قضية العلاقات والتأثيرات المتبادلة بين شمال أفريقيا والصحراء ، كانت ترتبط ارتباطاً كبيراً بالتغييرات المناخية التي كانت تعتبر العامل المتحكم في الاستقرارات من ناحية ، وفي التحركات البشرية أخرى ، منذ بداية ظهور الإنسان في أواخر حقبة البليوسين وبداية حقبة البلايستوسين.
    كما أنه مما لا شك فيه أن أقل زيادة في الجفاف في مساحات الصحراء الكبرى ، كانت تتسبب في القيام بتحركات ونزوحات بشرية نحو المناطق التي تتوفر فيها سبل الحياة ، وخاصة الماء والأشجار المثمرة والحيوانات ، مما يتسبب في إحداث تغييرات اجتماعية وسياسية بعيدة المدى في الجهات التي يتم الانتقال إليها . ونزوح الناس وهجرتهم من الصحراء ، تتسبب في زيادة قحولتها وتمدد في إطالة عمر المراحل الجافة ، إلى حد أن تصبح طرق القوافل والمسالك القديمة غير مجدية ، بينما في المقابل يساهمون في كتابة فصول جديدة يضيفونها إلى المناطق التي استقروا بها حديثاً.
    1 ـ 1 التغييرات المناخية والأدوار الجليدية
    تثبت الأبحاث العلمية أن الكتل الجليدية القارية الموجودة في القطبين الشمالي والجنوبي والتي تبلغ مساحتها حالياً حوالي خمسة عشرة مليون كلم2 ،تضخم حجمها بدرجة كبيرة ، في عصور ما قبل التاريخ، ولاسيما خلال الأدوار الجليدية ، فزحفت على مساحات شاسعة من الأراضي وغطت أجزاء هامة من تجارتي أوروبا وأمريكا .
    وقد تكررت هذه الظاهرة ، على الأقل ، أربع مرات خلال المليون سنة الأخيرة من عصور ما قبل التاريخ وهي المعروفة بالأدوار الجليدية :ـ
    دور جليد كونز (Gunz ) ما بين 600000 و 540000 سنة ق .م
    دور جليد مندل (Mindel ) ما بين 480000 و 430000 سنة ق .م
    دور جليد ريس (Riss ) ما بين 240000 و 180000 سنة ق .م
    دور جليد قورم (Wurm ) ما بين 120000 و 10000 سنة ق .م[1]
    وقد كان يفصل بين كل دور جليدي وآخر فترات بين جليدية دفيئة هي التي تعود فيها الصحراء إلى حالة الجفاف. ونذكر على سبيل المثال أنه في حدود 20000 سنة ق.م بلغت كتل الجليد أقصى زحفها إذ بلغت المساحة المغطاة حوالي أثنين وأربعين مليون كلم2 ، أي ما يقارب ثلاث مرات المساحة التي يغطيها الجليد الآن. وفي الفترات التي ترتفع فيها درجة الحرارة تتقلص كتل الجليد بشكل كبير نتيجة لذوبان أجزاء منها . وقد كان لزحف الجليد وتراجعه تأثيرات هامة على الوسط الطبيعي منها :ـ
    1ـ1 ـ1 انخفاض درجات الحرارة : عم البرد القارص والرياح الثلجية شمال أوروبا وشمال أمريكا وتواجدت فيها الأصناف الحيوانية المعروفة بتأقلمها مع المناخ الجليدي كالماموث والكركدن ذي الغطاء الصوفي والرنة والدب . كما عاشت في المناطق المتاخمة للبحر الأبيض المتوسط أصناف من الطيور القطبية كالبطريق.
    1ـ 1 ـ 2 انخفاض مستوى البحار : لم تعد الدورة المائية تستكمل دورتها بسبب البرد القارس المصاحب لانخفاض درجة الحرارة . مما تسبب في عدم ذوبان الجليد . وقد حدثت هذه العملية عدة مرات تبعاً للدورات الجليدية ، واستمرت آلاف السنين ، مما أدى إلى تراجع كبير في مستوى البحار والمحيطات . تجاوز أحياناً أكثر من مائة كلم . وعلى سبيل المثال فقط فإن مدينتي قابس وصفاقس التونسيتين الواقعتين الآن على الشاطئ مباشرة ، كانتا تبعدان عنه بحوالي 100 كلم ما بين 13000 و 15000 سنة ق.م . كما يعتقد أنه كان هناك برزخ يربط بين أوروبا وأفريقيا عن طريق صقلية عبر الوطن القبلي في تونس ، وعن طريق مضيق جبل طارق في المغرب.
    1 ـ 1 ـ 3 غمر البحار لليابسة : عند ذوبان الجليد وتراجع جزء منه يرتفع منسوب الماء في البحار والمحيطات فتغمر أجزاء شاسعة من اليابسة وقد حدثت هذه العملية أربع مرات على الأقل ودامت آلاف السنين ، وتركت شواهد مادية دالة على ذلك. وتفيد الأبحاث المناخية أن هناك علاقة وطيدة بين زحف الجليد في أوروبا وأمريكيا وتنقل المرتفعات الجوية التي تتحكم في مناخ المناطق المدارية وشبه المدارية ، مما يؤكد أن مناخ الصحراء خلال عصور ما قبل التاريخ مر بفترات رطبة ممطرة تتخللها فترات من الجفاف والجدب.
    1 ـ 1 ـ 4 شواهد التغيرات : ومن الشواهد التي تؤكد هذه التغيرات التي عرفتها الصحراء ، الفرشات والمسطحات المائية كالبحيرات ومجاري الأنهار والآثار الحضارية للإنسان في الصحراء.
    1 ـ 1 ـ 4 ـ1 ففيما يتعلق بالفرشات والمسطحات الضخمة بالصحراء ، فمن المعروف أنه يتواجد في شمال الصحراء فرشات مائية ضخمة تغذي العيون العديدة التي تسقي واحات تونس والجزائر وليبيا ، وهي عبارة عن خزانات طبيعية تجمعت فيها كميات هائلة من المياه في الفترات الرطبة والممطرة والتي عرفتها الصحراء خلال عصور ما قبل التاريخ ، والموازنة للأدوار الجليدية الأوروبية.
    وتدل الدراسات الحديثة على أن ماء هذه الموائد المائية تضخم نتيجة ارتفاع مستوى الأمطار الساقطة على الصحراء ، فارتفع مستواها وأصبح قريباً من سطح الأرض . ويؤكد تحول شط الجريد في جنوب تونس ، مثلا ، إلى بحيرة شاسعة كانت تعيش على ضفافها مجموعات بشرية عديدة تتغذى على صيد الحيوانات . وتفيد التحاليل المعملية أن شط الجريد الواقع جنوب تونس كان قد تحول إلى بحيرة في مناسبتين : الأولى حوالي 140000 سنة ق.م ، أي بعد نهاية دور جليد ريس وبداية الفترة الفاصلة بين دور جليد ريس ودور قورم . والثانية حوالي 90000 سنة ق.م ، أي خلال الربع الأول من دور جليد قورم.
    1 ـ 1 ـ 4 ـ 2 وبالنسبة للبحيرات واتساع مجالها وتقلصه حسب التغيرات المناخية ، فتعتبر بحيرة التشاد من أضخم المسطحات المائية في أفريقيا . إذ يمكن اعتبارها بحراً داخلياً ضخماً ، يتراوح عمقها بين 3 و 7 أمتار حسب الفصول وحسب مستوى التساقطات . بينما خلال عصور ما قبل التاريخ ، عرفت هذه البحيرة تضخماً في حجمها ، وذلك فيما بين 40000 و 20000 سنة ق.م ، أي خلال المرحلة الأخيرة من دور جليد قورم ؛ بلغ ست عشرة مرة المساحة الحالية ، صاحبة تجاوز العمق إلى خمسين متراً . إلا أنه خلال الفترة المتراوحة ما بين 20000 و 10000 سنة ق.م ، بدأت مساحتها تتقلص بشكل ملحوظ نتيجة حلول فترة من الجفاف ، فكادت تضمحل وأصبح سطحها ميدانياً شاسعاً تنتقل فوقه كثبان الرمال . ولا تزال مساحتها تتراجع إلى يومنا هذا.
    1 ـ1 ـ4 ـ3 وإذا عدنا إلى تأثير تغير المناخ على مجاري الأنهار ، فنلاحظ أنه خلال توفر المناخ المطير في الصحراء ، تتسع مجاري الأنهار نتيجة لارتفاع منسوب المياه فتعم الخصوبة وتنتشر الخضرة ؛ ولكن إذا حل الجفاف يتقلص منسوب الماء في المجاري وتقل قوة سيرة فيتحول إلى عدة مجاري ، وإلى مستنقعات لا تقوى على التحرك . وتستقر الكثبان الرملية بالتدريج في مجراه إلى أن توقف مسيرته كما حدث لعدد من الأنهار في الصحراء التي نلاحظ أوديتها الواسعة ومجاريها الجافة.
    1 ـ 1 ـ 4 ـ 4 أما الآثار الحضارية الشاهدة على رطوبة مناخ الصحراء خلال الأدوار الجليدية والتي استوطنها الإنسان خلال عصور ما قبل التاريخ ، وترك فيها عدداً هاماً من الآثار المتمثلة على الخصوص ، في الأدوات الحجرية ومواطن إقامته وبقايا حيوانية وبشرية التي توجد الآن في مناطق جافة وقاحلة . فقد عثر في هذه المواطن على مجموعات من عظام الحيوانات كالفهد ، والفيل ، والكركدن ، والتمساح وأسماك البحيرات والأنهار ، وأفراس النهر ، والزرافات ؛ هذا علاوة على الحلزون المائي الذي كان يعيش في المسطحات المائية التي كانت تتواجد في الصحراء . وفي موقع تيهوذين بجنوب الصحراء الجزائرية التي زارها كوتيي (E.F Gautier ) وريكاس (Reygasse ) سنة 1932 تم العثور على صناعة حجرية مختلطة بحيوانات الكركدن ، والفيل ، وفرس البحر ، والبقريات والجاموس ، والخنزير ذي القرنين وحمار الوحش والتمساح ، والغزال الخ… . وبجانب هذه البقايا الحيوانية عثر في مناطق متعددة من الصحراء على مجموعات هامة من الرسوم والنقوش الصخرية التي تمثل مشاهد من الحياة اليومية لإنسان تلك المرحلة بجانب قطعان من الحيوانات المتنوعة ، بعضها انقرض ، وبعضها انتقل إلى مكان آخر والبعض الآخر لا يزال موجوداً.
    كل هذه المعطيات والشواهد تعبر بصفة واضحة وجلية عن وضع مناخي ممطر ورطب مناسب لحياة الإنسان والحيوان والنبات ، يختلف تماماً عن المناخ الحالي ، مما دفع ببعض الباحثين إلى الاعتقاد في أن الجذور الأولى لحضارة الإنسان خلال عصور ما قبل التاريخ في شمال أفريقيا بوجه عام ، ترجع في الحقيقة إلى جهود الإنسان الصحراوي في ذلك الوقت.
    كيف ذلك ؟
    إن التغيرات المناخية التي عرفتها الصحراء الكبرى يبلغ عددها لحد الآن أربعة ، تفصل بينها دورات جافة وحارة ، وإنه خلال هذه التغيرات التي عرفتها المليون سنة الأخيرة من حياة الإنسان ، الذي عاش في الصحراء ، كان مضطراً لمغادرتها والنزوح إلى المناطق المجاورة ، تبعاً للظروف المناخية ، بحثاً عن الكلا والمرعى والماء .
    وانتقاله إلى المناطق الجديدة وخاصة شمال أفريقيا كان يتم بالطبع بالجسد والفكر والحضارة .إذ أنه ينتقل بكل تراثه وتراكماته الحضارية التي يستعين بها للتأقلم مع الظروف الطبيعية الجديدة ، وهذا ما ساعده على الإسهام في التطور الحضاري للمنطقة الجديدة التي نزح إليها .وبهذه الطريقة فإن النازح الجديد من الصحراء يكون قد ساهم في تطور المنطقة الجديدة التي استقر بها.
    وعملية النزوح هذه ، تكون قد تمت على الأقل أربع مرات ، واتجهت إلى المناطق التي تتوفر على الماء والقوت والكلإ وهذا ما جعل بعض الباحثين ، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً ، يميلون إلى القول ، بأن الصحراء كان لها دور كبير في تعمير شمال أفريقيا بالإنسان أولاً ، وبالتطورات الحضارية التي تلت هذا التعمير والتي عرفتها المنطقة ثانياً ، والمتمثلة خاصة في الصناعات الحجرية التي صنعها واستعملها ، وفي الفنون الصخرية التي أبدعها ، وفي تربية الماشية والزراعة التي توصل إليها .
    2. شمال أفريقيا وسماتها الجغرافية الأساسية
    ونعني بها المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي غرباً إلى البحر الأحمر شرقاً ومن البحر الأبيض المتوسط شمالاً إلى الصحراء الكبرى جنوباً .وهي تبدو على شكل جزيرة أو شبه جزيرة إذا استثنينا ممر شبه جزيرة سيناء في أقصى الشمال الشرقي .
    وهي السمة التي جعلت إنسان هذه المنطقة الواسعة يعيش ، على ما يبدو ، في مجال معين شبه معزول ، تفاعل مع بيئة هذا المجال دون ضغوط خارجية كبيرة مما أدى إلى تكوين عقلية متميزة خاصة بهذه المنطقة .
    وتتميز هذه المنطقة بثلاثة عناصر أساسية ساهمت في تكوين خلفية ذهنية متشابها بين أبناء هذه المنطقة منها :ـ
    2 ـ 1 وجود سلسلة جبال الأطلس التي تمتد على طول شمال أفريقيا بمثابة الهيكل العظمي لها . وعلى الرغم من أن هذه الجبال ، قد تبدو ، في بعض الأحيان ، كحواجز ، إلا أنها تمثل أحد العناصر الأساسية لشخصية هذه المنطقة ، والمؤثرة فيها باعتبارها المصدر الأساسي للمياه.
    2ـ 2 الصحراء الكبرى التي تمتد جنوباً تعتبر استمراراً لشمال أفريقيا وجزءاً منها ، بل وعمقها الاستراتيجي . لعبت ، عبر مختلف مراحل التاريخ ، دوراً كبيراً في تهيئ بعض الظروف الملائمة لتطور شمال أفريقيا وتوحيدها . وكان للتغيرات المناخية التي عرفتها الصحراء أثر كبير في تكوين العنصر البشري لشمال أفريقيا . إذ كانت المناطق الصحراوية عبارة عن خزان للإنسان الذي كانت تقذفه خلال فترات الجفاف ، بعد تراجع الأدوار الجليدية ، وتدفعه إلى الشمال بالدرجة الأولى . وبذلك لعبت الصحراء دوراً كبيراً في تعمير شمال أفريقيا[2] .
    2 ـ 3 شواطئ شمال أفريقيا الممتدة على طول آلاف الكيلومترات من نهر السنغال على المحيط الأطلسي غرباً إلى قناة السويس وسواحل البحر الأحمر شرقاً مروراً بالبحر الأبيض المتوسط . ولم تستعمل هذه الشواطئ فقط لصيد الأسماك ولكن استعملت كثغور وبوابات تواصل بين شمال أفريقيا وعالم البحر الأبيض المتوسط ، وما صاحب هذا التواصل من تأثير متبادل ساهم في تكوين إرهاصات الخلفية الثقافية المشتركة لإنسان هذه المنطقة.
    3. نماذج من العلاقات بين الصحراء وشمال أفريقيا
    تتمثل هذه العلاقات ، على الخصوص ، في التشابه الموجود ، بل وأحياناً التطابق التام بين الأدوات الحجرية التي تم استخراجها في عدد من المواقع الما قبل التاريخية بالصحراء وشمال أفريقيا ، انطلاقاً من أقدم الأدوات إلى أحدثها ، مما يوحي بأن البشر صانعو هذه الأدوات في هذه المناطق ينتمون إلى جذور مشتركة أو على الأقل إلى منابع ثقافية واحدة أو متشابهة .
    وهذا يعني أن هناك اتجاه إلى الاعتقاد في أن الجذور الأولى للإنسان وحضاراته المختلفة في شمال أفريقيا بوجه عام ، ترجع في جزء كبير منها إلى الإنسان في الصحراء وجهوده.
    فما هي المراحل التطورية التي عرفها العنصر البشري في هاتين المنطقتين ؟3 ـ 1 العنصر البشري : لقد كشفت الأبحاث الأثرية والتنقيبات العلمية أن الصحراء وشمال أفريقيا عرفت استقرار الإنسان بها منذ البدايات الأولى لظهور الإنسان ـ مما يؤكد عراقة هاتين المنطقتين في قدم استقرار الإنسان بهما . لكن قبل التعرض النماذج البشرية ومكانتها في سلم التطور البشري يبدو أنه من الأفضل التعرض ولو بإيجاز للمراحل التطورية الكبرى للإنسان بصورة عامة ، والتي على أساسها يمكن وضع إنسان الصحراء وشمال أفريقيا في المكان الملائم من سلم التطور البشري.
    وتنقسم ، عادة ، مراحل التطور البشري إلى أربع مراحل:
    3 ـ 1 ـ 1 مرحلة الأوسترالوبيتيك (Australopithecus ) أو الإنسان القردي الجنوبي ، موطنه الرئيسي لحد الآن شرق وجنوب أفريقيا . وتعود أقدم بقاياه إلى أكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون سنة . ومن أشهر نماذجه الهيكل البشري لوسي (Lucy )[3] .
    3 ـ 1 ـ 2 مرحلة الإنسان المنتصب القامة (Homo Erectus ) الذي عاش على الأرض ما بين مليون ونصف مليون ومائتي ألف سنة ق.م .وقد تم العثور عليه في شرق أفريقيا وشمال أفريقيا والصحراء والصين وأندونيسيا (خريطة رقم 1 )[4] .
    3 ـ 1 ـ 3 مرحلة إنسان النياندرطال ( Neandertal ) ، عثر عليه لأول مرة في ألمانيا ثم في كل البلدان الأوروبية . ولذلك فيبدو أنه عمر أوروبا بالدرجة الأولى ما بين 20000 و 35000 سنة ق.م. ولا يوجد له أي أثر في شمال أفريقيا والصحراء[5].
    3 ـ 1 ـ 4 الإنسان العاقل العاقل (Homo Sapiens Sapiens ): ظهر منذ حوالي 100000 سنة ق.م. وهو الذي يعمر العالم اليوم ، وإليه تنتمي كل شعوب الأرض [6]. وإذا حاولنا تتبع هذه المراحل التطورية في الصحراء وشمال أفريقيا فماذا سنلاحظ؟
    3 ـ 1 ـ 5 إن المرحلة الأولى المتمثلة في الأوسترالوبيتيك لم يعثر على أي بقايا لها في الصحراء وشمال أفريقيا تبعاً للأبحاث والتنقيبات الأثرية التي أجريت لحد الآن . ولكن في المقابل ، تم العثور على الأدوات الحجرية التي استعملها الأسترالوبيتيك والتي وجدت بجانبه في شرق أفريقيا ، وجدت في شمال أفريقيا والصحراء مما يوحي بوجوده في المنطقتين الأخيرتين إلا أن التحريات والأبحاث الأثرية لم تصل إليه بعد.
    3 ـ 1 ـ 6 أما فيما يتعلق بالمرحلة التطورية الثانية والمتمثلة في الإنسان المنتصب القامة فقد عثر في شمال أفريقيا والصحراء على العديد من نماذجه ، مما يؤكد عراقة هذا الإنسان في المنطقتين وقدم تعميره لهما . وتعود أقدم هذه البقايا إلى حوالي مليون سنة وهو إنسان سيدي عبد الرحمن الثاني الذي استخرج سنة 1996 . ويليه في القدم إنسان التشاد (Tchadanthrope ) وهو إنسان عتيق كذلك اكتشفه الباحث الفرنسي إيف كوبنس (Y. Coppens) سنة 1961 في التكوينات الرسوبية لصحراء جوارب . كما عثر على نماذج أخرى من هذا الإنسان في الدار البيضاء والرباط وسلا بالمغرب وباليكاو بالجزائر ، وقد أطلق عليه اسم محلي هو الأطلانثروب (Atlanthrope ) . والملاحظ في العصر الحجري القديم الأسفل أن البقايا البشرية للأطلانثروب نادرة في تونس وليبيا والصحراء وموريتانيا ومنعدمة في مصر ، ويفسر هذا على أنه راجع على ما يبدو ، إلى قلة التنقيبات والأبحاث الأثرية المرتبطة بإنسان هذه الفترة . إلا أنه في المقابل يلاحظ توفر الأدوات الحجرية التي استعملها هذا الإنسان والتي تغطي كل أفريقيا والصحراء ، مما دفع الباحثين إلى القول أن إنسان الأطلانثروب عاش في كل شمال أفريقيا والصحراء وليس فقط في المغرب والجزائر.
    3 ـ 1 ـ 7 وإذا انتقلنا إلى المرحلة التطورية الثالثة والمتمثلة في أوروبا بإنسان النياندرطال ، فإن الصحراء وشمال أفريقيا لا يتضمنان أي أثر لهذا النموذج البشري . إلا أنه في المقابل يلاحظ استمرارية وجود الإنسان في ليبيا شرقاً إلى المغرب غرباً والصحراء جنوباً . وهذا النموذج البشري الشمال الأفريقي الصحراوي يعتبره الباحثون تطوراً محلياً للإنسان المنتصب القامة وصلة وصل بينه وبين الإنسان العاقل . وهذا يعني أنه لا وجود للنياندرطال الأوروبي في الصحراء وشمال أفريقيا . وخير مثال لهذا النموذج المحلي إنسان جبل أيغود في المغرب وإنسان هوافطيح في ليبيا . ففيما يتعلق بالبقايا البشرية العائدة لجبل أيغود والذي سبق للباحث الفرنسي كوبنس أن أجرى دراسات على بقاياه وحدد زمنه بحوالي سبعين ألف سنة قبل الميلاد ، وأكد عدم انتمائه إلى فصيلة النياندرطال كما سبق للأستاذ أينوشي أن أعلنه عند اكتشافه لهذه البقايا سنة 1962 [7]. إلا أن الباحث المغربي الشاب بن نصر أكد بعد إعادته لدراسة هذه البقايا أنها تعود إلى أكثر من 130000 سنة ق.م بل وربما أقدم بذلك بكثير.
    ومن خصائص إنسان جبل أيغود أنه يجمع بين بعض سمات الإنسان المنتصب القامة وسمات الإنسان العاقل العاقل مما يؤكد أنه يمثل مرحلة تطورية انتقالية نحو الإنسان الحالي أي أنه عبارة عن صلة وصل أو الحلقة الفاصلة بين الإنسان المنتصب القامة والإنسان العاقل العاقل . وهذه الميزة التطورية لا نجدها إلا في المغرب فقط مما جعل منه أحد مراكز الاهتمام الأساسية لدراسة تطور النوع البشري . والغريب أن كل بقايا هذا الإنسان عثر عليها في داخل الكهوف مما يعني أنه كان يعيش زمن الدور الجليدي الأخير ” قورم ” .
    3 ـ 1 ـ 8 وآخر مرحلة في التطور يتعلق بالإنسان العاقل العاقل الذي عثر على بقاياه في كل من شمال أفريقيا والصحراء . وهو الإنسان صانع الحضارة العاطرية والحضارة الوهرانية والحضارة القفصية.
    ويبدو أنه مع نهاية المرحلة الطويلة للعصر الحجري القديم بأقسامه الثلاثة ، ونهاية الأدوار الجليدية ، وبداية الجفاف في الصحراء الكبرى ، بدأت تفد على أرض شمال أفريقيا موجات بشرية جديدة ، قدم أغلبها من الصحراء ، اختلطت بالسكان الأصليين وامتزجت فيهم وساهمت معهم في تكوين الفرشة السكانية للمنطقة . وعليه فالعنصر البشري في شمال أفريقيا يكون قد التأم انطلاقاً من العناصر البشرية الأصلية التي عثر على بعض نماذج بقاياها في العديد من المواقع الأثرية ، إضافة إلى العناصر البشرية القادمة من الصحراء الكبرى بالدرجة الأولى ومن الشرق أحيانا.
    3 ـ 2 العلاقات البشرية بين شمال أفريقيا والصحراء : من خلال مراجعة أولية لما خلفه إنسان العصور ألما قبل التاريخية في الصحراء وشمال أفريقيا ،اتضح أن أغلب هذه المخلفات تتشابه على طول وعرض المنطقتين ، بل وأحياناً تتطابق ، مما يوحي ببروز البدايات والإرهاصات الأولى لوحدة ذهنية وحضارية في المنطقتين وتتمثل بعض مظاهر العلاقات في العناصر التالية :
    3 ـ 2 ـ 1 الصناعات الحجرية : لقد عاش إنسان المنطقتين خلال عصور ما قبل التاريخ عيشة تتلاءم والظروف البيئية المحيطة به ، واضطر للتأقلم معها ، وصنع منها أدواته الحجرية والعضمية والخشبية التي يحتاجها . وقد عرفت هذه الأدوات تطوراً في تقنيات صنعها تبعاً لتطور الإنسان الذهني وتفاعله معتغيراه . ومن أقدم هذه الأدوات الحجرية التي استعملها الإنسان بصورة عامة وإنسان الصحراء وشمال أفريقيا بصورة عامة وإنسان الصحراء وشمال أفريقيا بصورة خاصة هي المعروفة لدى الباحثين باسم حضارة الحصاة أو الحصى المشذب أو المعدل.
    3ـ 2 ـ 1 ـ 1 حضارة الحصاة أو الحصاة المشذبة ( pebble – culture, le galet amenage ) : وهي أدوات حجرية بدائية مصنوعة من الحصاة يرجع تاريخها إلى ما يزيد على مليونين ونصف مليون سنة [8] وذلك باستعماله طريقة البوثاسيوم اركون (KA ) على بعض الأدوات المحتوية على مواد بركانية . أقدم هذه الأدوات الحصوية استخرج من منطقة حوض نهر الأومو باثيوبيا . وتتمثل في حصاة دائرية الشكل تنزع منها شظية واحدة أو عدة شظايا ، مما يجعل جزءاً من الحصاة حداً قاطعاً . وقد استعمل الإنسان هذه الأداة الحجرية مدة طويلة من الزمن تجاوزت المليون ونصف سنة . وعلى الرغم من أنه لم يعثر لحد الآن على بقايا الإنسان صانع هذه الأداة في شمال أفريقيا والصحراء والذي يعتبر أقدم الأنواع البشرية البائدة والذي اكتشف آخر نموذج له سنة 1972 في أولدوقاي ، فإنه يجوز لنا ، انطلاقاً من العثور على هذه الأدوات الحصوية في العديد من مواقع الصحراء وشمال أفريقيا القول بأن الإنسان صانع هذه الأدوات كان موجوداً في هاتين المنطقتين . فقد تم العثور على الحصاة المشذبة في المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر والصحراء مما يدفعنا إلى القول بوجود علاقات حضارية وبشرية منذ البدايات الأولى للإنسان بين هاتين المنطقتين . ويمكن أن نعتبر هذا مؤشراً إلى إمكانية وجود خلفية ذهنية مشتركة أو متقاربة ومتشابهة بين سكان المنطقتين ، حدثت على ما يبدو نتيجة تفاعل الإنسان مع بيئة متشابهة مما جعل نتيجة التفاعل بين البيئة والإنسان عبارة عن منتوج حضاري متقارب أو متشابه. وقد عرفت حضارة الحصاة تطوراً تدريجياً في شكلها وفي طريقة صناعتها إلى أن أصبحت منذ مليون سنة تقريباً على شكل فاس يدوية سميت بذات الوجهين أو الحضارة الأشولية.
    3 ـ 2 ـ 2 ذات الوجهين (Bifaces ) : وهي أدوات حجرية تعتبر أكثر تطوراً من الحصاة المشذبة ، كما أنها كانت في الأصل حصاة نزعت منها شطايا عديدة بطريقة أكسبتها وجهين متشابهين إلى أن أصبح لها شكل كمثري . وقد تم العثور على هذه الأدوات في كثير من المواقع بشمال أفريقيا والصحراء . وتمتد الفترة التي غطتها هذه الصناعة من مليون سنة إلى حوالي مائة ألف سنة قبل الميلاد مع نهاية العصر الحجري القديم الأدنى[9] .
    وإن وجود هذه الأدوات الحجرية بوفرة في المنطقتين دليل آخر على وجود تبادل للتأثيرات الحضارية واستمرار للعلاقات الحضارية والبشرية بين الصحراء وشمال أفريقيا في هذه المراحل العتيقة من ما قبل التاريخ.
    ومع انتهاء العصر الحجري القديم الأدنى ، وبداية بزوغ الإنسان العاقل العاقل ، عرفت تقنيات صناعة الحجر تطوراً كبيراً تميز بتنوع وتعدد الأدوات الحجرية ، وبكونها أصبحت أكثر دقة نظراً لسيطرة الإنسان على تقنيات وأساليب صنع أدواته الحجرية . ومن أهم هذه التقنيات.
    3 ـ 2 ـ 3 القالوازية الموسترية : التي تتميز فؤوسها اليدوية ذات الوجهين بتقلص حجمها إذ أخذت الأدوات الكبيرة تتلاشى ، تاركة مكانها لأدوات أصغر حجماً ، وأكثر تنوعاً مثل المكاشط(Racloirs ) والمثاقب (pointes ) والشفرات والسكاكين(les lames)[10] وقد عرفت شمال أفريقيا هذه الصناعة في العصر الحجري القديم الأوسط إلا أن مواقعها قليلة إذا ما قورنت بمواقع الفترات الأخرى . وتعود قلة وجود هذه التقنية إلى بروز تقنية صناعية جديدة ابتكرها إنسان الشمال الأفريقي ،وغطت كل شمال أفريقيا والصحراء من المحيط الأطلسي غرباً إلى البحر الأحمر شرقاً ، ومن البحر الأبيض المتوسط شمالاً إلى التخوم الجنوبية للصحراء الكبرى جنوباً . تسمى هذه التقنية الصناعية بالحضارة العاطرية .
    3 ـ 2 ـ 4 الحضارة العاطرية : سميت بهذا الاسم نسبة إلى بئر العاطر (Bir Alater ) الواقع شرق الجزائر والذي وجدت به ودرست فيه أدوات هذه الصناعة لأول مرة . وأول من تأكد أنها تقنية حضارية محلية هو الباحث الفرنسي ريكاس (Reygasse ) الذي وصفها سنة 1922 في دراسته التي نشرتها الجمعية الفرنسية لتقدم العلوم [11].
    أما قبل هذا التاريخ ، فإنه رغم العثور على نماذج من هذه الأدوات في مواقع متعددة بشمال أفريقيا والصحراء ، إلا أن الباحثين الفرنسيين كانوا يطلقون عليها تسميات غامضة ، كما يحصل مع كل اكتشاف أثري يبرز شخصية المنطقة وإسهامها في الحضارة الإنسانية ؛ من هذه التسميات نيوليتي بربري (Neolithique berbere ) الذي أطلقه عليها الفرنسي بالاري (pallary ) سنة 1909 [12]. ويحتل العاطري ، في الوقت الراهن من البحث الأثري في شمال أفريقيا والصحراء ، المكانة التي يحتلها الموستيري خارج المنطقتين . أما تسلسله الزمني ، فقد أثبتت التنقيبات الأثرية الطبقية ، أنها تأتي بعد الموستيري في الزمن ، بل وفي غالب الأحيان تحتل مكانته ، وأنها بالإضافة إلى ذلك سابقة العصر الحجري القديم الأعلى .
    ورغم الصعوبة في تحديد المركز الذي نشأت فيه هذه الحضارة لأول مرة ومنه انطلقت إلى باقي المراكز ، إلا أن المواقع وتركيزها على الساحل الغربي في المغرب ، واستمرار انتشارها في ليبيا ومصر ، وتوجهها توجها قوياً نحو الجنوب في الصحراء ، إلى أن تتوقف بصفة عامة على ضفاف ما تبقى من البحيرات في الصحراء الجنوبية كبحيرة تشاد[13]. يجعل من هذا التركيز في المغرب وتدرج قلة المراكز كلما اتجهنا إلى الشرق إلى غاية مصر تجعلنا نفترض أن مهد هذه الصناعة كانت في المغرب الحالي ، ومنه انتشر في باقي شمال أفريقيا والصحراء . وهذا يعني أن هذه الصناعة فرضت وجودها في كلا المنطقتين ؛ وأن العلاقات الحضارية هذه المرة ،كان اتجاهها غريباً ـ شرقياً وغربياً وجنوبياً وشرقياً ، أي أن الصناعة العاطرية كانت المحرك الأساسي القوي التأثير في هذه المرحلة ، مما يجعلنا نميل إلى القول بأن إرهاصات ما يمكن أن نسميه الوحدة الحضارية بين شمال أفريقيا من جهة والصحراء من جهة أخرى تعود إلى هذه المرحلة.
    وقد طرح نقاش حول طريقة وصول هذه الحضارة إلى الصحراء.ويقدم الباحث هوكو افتراضاً ينطلق من أن التعمير العاطري للصحراء بدأ منذ حوالي 30000 سنة ق.م حين اتجهت موجات الإنسان ، صاحبة الحضارة العاطرية ، من بلدان شمال أفريقيا نحو الصحراء ، وانتشرت شمال الصحراء . واستقر أخيراً العاطري في المستوى الثالث على ضفاف البحيرات الجنوبية ووصل إلى المرحلة النهائية السابقة على العصر الحجري الحديث[14].ويعتمد هوكو في هذا الافتراض على التشابه الكبير بين الأدوات النهائية في موقعي مغارة العالية بطنجة في المغرب ودار السلطان قرب الرباط فات الرسوبيةضاً ، العائدين إلى حوالي 25000 سنة ق.م من جهة وأدوات المستوى الثالث على ضفاف البحيرات الجنوبية بالصحراء وعدم وجود بها صناعة ما قبل تاريخية أخرى بين الحضارة العاطرية والعصر الحجري الحديث من جهة أخرى.
    وتتميز أدوات الصناعة العاطرية بكونها أدوات حجرية خاصة نابعة من تقنية صناعة ذات الوجهين التي استخرج منها رؤوس السهام والنصال الطويلة والمكاشط وأدوات مذنبة على شكل رأس يسهل استعمالها .
    وقد عثر على إنسان صانع هذه الحضارة في مواقع متعددة في المغرب منها كهف دار السلطان سنة 1975 وكهف تمارة في نفس السنة كذلك. ويبدو من خلال الدراسات الأثرية أن الحضارة العاطرية [15]بدأت منذ حوالي 45000 سنة ق.م . واستمر وجودها إلى حوالي 20000 سنة ق.م لتخلفها الحضارة الوهرانية.
    3 ـ 2 ـ 5 الحضارة الوهرانية أو الايبيروموروسية : إلى وقت قريب كان يعتقد أن هناك فراغ حضاري أو هوة (Hiatus ) اركيولوجية تفصل بين الحضارة العاطرية والحضارة الوهرانية . ولكن التنقيبات الأثرية التي أجراها الباحث الفرنسي القس روش (l`Abbe Roche ) في مغارة الحمام بتافوغالت بشرق المغرب ، أثبتت أن المستويين الأثريين 17 و 18 ، من مستويات المغارة والواقعين في أسفل الطبقات الأثرية يمثلان الحضارة العاطرية وبداية الحضارة الوهرانية في المستويات العليا انطلاقاً من المستوى 16 [16] (شكل رقم 3) . وهذا ما يعني عدم وجود أية هوة بين الحضارتين العاطرية والوهرانية وأن هناك استمرارية واتصال بين الحضارتين .وليس من المستبعد أن يكون للحضارة العاطرية أثر في الحضارة الوهرانية.
    تتميز الحضارة الوهرانية بأنها حضارة ساحلية تنتشر في شمال أفريقيا من المغرب غرباً إلى ليبيا شرقاً ، عكس الحضارة القفصية التي كانت حضارة داخلية أي قارية . وأول من سماها بالاري (Pallary )[17]الذي أطلق عليها اسم الحضارة الايبيروموروسية معتقداً أنها صناعة قادمة من شبه جزيرة إيبيريا . ولكن اتضح فيما بعد أن هذه الحضارة لا علاقة لها إطلاقاً بإيبيريا وأنها حضارة محلية صرفة ، وأعقب ذلك تحريات ودراسات وحفريات قام بها الباحث الفرنسي قوفري سنة 1932 في مواقع بالجزائر على الخصوص ، جعله يطلق عليها اسم الحضارة الوهرانية[18].
    وأهم سمات الحضارة الوهرانية صغر أوداتها الحجرية ، ولا سيما النصال الصغيرة ذات الشكل الهلالي والمكاشط المستديرة وبعض الأدوات المستعملة لسحق الألوان بجانب أدوات من العظام المصقولة المهندمة.
    يحدد الباحث الفرنسي القس روس تاريخ هذه الحضارة باستعمال الكربون C 14 (شكل رقم 4) ، ما بين 100 21 = 400 و800 10/400 من الآن [19]. بينما يحدد تاريخها ماكبرني في ليبيا ما بين 14000 ق.م و 10000 ق.م. وهذا يعني أن الحضارة الوهرانية في غرب شمال أفريقيا أقدم منه في شرقها . فهل هذه التقديرات المقارنة تسمح لنا بافتراض الأصل في المغرب ، منها اتجهت بالتدريج إلى الشرق حتى وصلت إلى ليبيا ؟ هذا مع العلم أنه لحد الآن ، لم يعثر على أي شيء يشير إلى وجود هذه الحضارة في الصحراء . فهل هي حضارة مغربية صرفة ولا وجود لها في الصحراء أم أنها توجد بها ولكن معاول المنقبين لم تصل إليها بعد ؟ على كل ، وحسب التحريات والتنقيبات التي أجريت لحد الآن في الصحراء لا تشير إلى وجود هذه الحضارة في الصحراء عكس الحضارة السابقة العاطرية . فهل هي بداية انتقال للعلاقات بين الصحراء وشمال أفريقيا من علاقات عمومية إلى علاقات أفقية ، أي من علاقات شمال ـ جنوب وجنوب ـ شمال إلى علاقات غرب ـ شرق وغرب جنوب شرق . أي أن العلاقات التي كانت صحراوية شمال أفريقية في البداية انتقلت في عهد الحضارة العاطرية إلى علاقات شمال أفريقية صحراوية ثم أصبحت في عهد الحضارة الوهرانية علاقة بين مناطق شمال أفريقية فقط لتضيف فيما بعد ، في عهد الحضارة القفصية بحيث لن تتجاوز بعض المواقع في جنوب تونس وشرق الجزائر .
    3 ـ 2 ـ 6 الحضارة القفصية : ويلي من الناحية الكرونولوجية الحضارة الوهرانية ، الحضارة القفصية . وهذه الحضارة بدورها كان قد أطلق عليها في بداية اكتشافها سنة 1909 بالحضارة والصناعة الجيتولية (Industrie getule ) . لكن التشابه بين أدوات هذه الصناعة وأدوات الأدوار الأولى من العصر الحجري القديم الأعلى في أوروبا وخاصة الحضارة الأوريكنسية (Aurignacien ) ، دفع الباحثين إلى المزيد من التحري والتقصي وإعادة النظر في المكتشفات الأثرية ، قام بها كوبير [20] (Gobert ) وقوفري ( Vaufry )[21] .وقد ألقيا أضواء جديدة على الموضوع وخاصة بعد استخراجهم للأدوات الدقيقة باستعمال الغربال مما يوضح أن الإنسان القفصي كان يستعمل أدوات دقيقة شبيهة بالأدوات الميكروليثية التي تميز العصر الحجري الوسيط (Mesolithique ) . مما دفع بكوبير وقوفري إلى إرجاع هذه الصناعة إلى العصر الحجري الوسيط .إذا أضفنا إلى هذا أن مواقعها سطحية والكثير منها على هيئة تلال مكونة من تكديس الرماد وفضلات الطعام التي تركها الإنسان القفصي والمتكونة أساساً من الحلزون ، مما جعل الباحثين يطلقون عليها الرماديات أو الحلزونيات (Les escargotieres ).
    ومن ميزات الحضارة القفصية أنها أقل انتشاراً في المكان والزمان ،إذ لم تتجاوز المناطق الداخلية بتونس ، وخاصة جهتي قفصة وتبسة . كما تمتد إلى شرق الجزائر وخاصة جهة سطيف وقسنطينة ولا تتعدى في الغرب جهة تيارت . ولم يعثر على أي أثر لهذه الحضارة لحد الآن في المغرب والصحراء . لكن يبدو أنه عثر على ما يشبه هذه الصناعة في الواحات المصرية وجنوب مصر وشمال السودان .أما من الناحية الزمنية ، فقد أثبتت التحاليل المخبرية باستعمال الكربون C 14 أن الحضارة القفصية ظهرت بعد الحضارة الوهرانية ولم تعمر إلا مدة قصيرة نسبياً تتراوح ما بين منتصف الألف السابع والألف الرابع قبل الميلاد (6450 ق.م + 400 – 3050 ق.م + 100 )[22].
    3 ـ 3 تربية الماشية والزراعة ، كان إلى وقت قريب يربط اكتشاف الزراعة ودخول المغرب العصور التاريخية بقدوم الفينيقيين ؛ إلا أن الأبحاث الأثرية الأخيرة والدراسات المنصبة على هذين الموضوعين أكدت أن ممارسة تربية الماشية والزراعة كان معروفاً لدى سكان شمال أفريقيا ، وربما لدى أبناء الصحراء كذلك ، منذ فترات قديمة.
    فهل يمكن تحديد تاريخ ظهور الزراعة في بلدان شمال أفريقيا والصحراء وما هي الدلائل أو المؤشرات التي تدل على وجودها ؟
    إن أول صعوبة تعترضنا تتمثل في عدم توفرنا على مادة علمية كافية لمعالجة أصول الزراعة ، هذا فضلاً على أن ما هو متوفر كتبه أغلبه أجانب انطلاقاً من أفكار مسبقة ترتكز على أن كل الإبداعات الحضارية التي عرفتها شمال أفريقيا جاءتها من الخارج . بل وهناك من هؤلاء الباحثين من يرى بما أن الزراعة مرتبطة بالعصر الحجري الحديث ، وبما أننا لا نعرف جيداً متى بدأ هذه العصر ومتى انتهى [23] فإن هذا يطرح صعوبات كبيرة في التعرف على أصول الزراعة فيها [24] ويذهب كامبس (Camps ) بعيداً إلى حد أنه يذكر بما أن ممارسة الزراعة تعتبر من أهم سمات العصر الحجري الحديث التي همت الشرق الأدنى وأوروبا فإنه لا يمكن الأخذ من معرفة منطقة شمال أفريقيا [25]. هذه بعض أمثلة من مواقف الباحثين الأجانب من معرفة منطقة شمال أفريقيا بالزراعة ، فهل يمكن اعتبارها أحكاماً نهائياً ؟ وكيف يعقل أن تعرف جهة في شمال أفريقيا ، وهي مصر ، الزراعة ولا تعرفها جهات قريبة من نفس المنطقة؟
    لذلك لفتح المزيد من الآفاق حول هذا الموضوع يبدو أنه من الأفضل العودة إلى دراسة بعض المستخرجات الأثرية التي تم العثور عليها في بعض المواقع التي يبدو أن لها علاقة بالعصر الحجري الحديث وبإرهاصات الزراعة . من هذه المستخرجات مستخرجات مواقع الحضارة الوهرانية والحضارة القفصية والريف الشرقي .
    ففيما يتعلق بالحضارة الوهرانية فقد تم العثور على الكرات الحجرية المثقوبة (Les boules de pierre perforees ) الصغيرة الحجم التي تستعمل كثقالة (poids ) للعصا الحفارة (Le baton a Fouir ) في موقعين وهرانيين بالجزائر تمراحت ورأس سيكيلي [26]. ويتحدث كامبس عن هذه الأداة قائلاً :” إن هذه الأداة جد معروفة بأفريقيا وخصوصاً عند شعب البوشمن وأيضاً بإثيوبيا وأنها تستعمل لغرض تهيئة الأرض وتنعيمها لدى الذين يزاولون زراعة فقيرة [27].
    أما بالنسبة للحضارة القفصية ، فقد عثر في بعض طبقاتها الأثرية على نوع من المناجل (Les faucilles ) والكرات الحجرية المثقوبة (Les boules de pierre perfor – ees ) والمدقات (Les molettes ) وأداة الحصاد ( le lustre des moissons )[28].ومع كل هذا ، فإن كامبس يتحفظ بخصوص الأدوات القفصية التي يبدو أن لها علاقة بالزراعة ويؤكد على عدم وجود زراعة لدى القفصيين [29]، مشيراً في نفس الوقت إلى أن أول أداة يمكن ربطها بالزراعة هي الشفرة (La lame ) ، والتي عادة ما تعرف بأداة الحصاد (le lustre des moissons )، والتي استخرجت من بعض الطبقات الأثرية القفصية . ومع ذلك فإن كامبس ، ورغم تأكيده بارتباط أداة الحصاد هذه بالزراعة إلا أنه يقول بأنه لا يجب الاعتقاد بأن أداة الحصاد هذه قد استعملت في الزراعة . بل يمكن أن يكون قد استخدمت في قطع سيقان نباتات غير صالحة للأكل ، ولكن لها منافع كثيرة ، كالقصب الذي كان يستعمل كثيراً في صنع الفخاخ [30].
    وكأني بكامبس يعمل ما في وسعه من أجل نفي وجود أي إسهام حضاري لأبناء هذه المنطقة ، رغم وجود بعض المؤشرات الموحية بذلك .فوجود الأدوات الزراعية في بعض المواقع الأثرية هي ليست دليلاً كافياً ، في نظر كامبس ، بل يمكن اعتبارها محاولة التوجه نحو زراعية فعلية . وبما أن التحديد الزمني لرماديات الحضارة القفصية تتزامن والعصر الحجري الحديث في البحر الأبيض المتوسط ، فإن كامبس ، يرجح أن القفصيين يمكن أن يكونوا قد مارسوا القطف بطريقة انتقائية مكنتهم من حفظ ما جمعوه . ويمكن اعتبار هذه العملية ، حسب كامبس دائماً ، أو خطوة نحو زراعة حقيقية [31] .
    والجدير بالإشارة هنا ، أن الباحث ريكاس تحدث عن نوع من المعاول (Pics ) عثر عليها جنوب قسنطينة بالجزائر ، أطلق عليها اسم المحروكاتي [32] الذي يظهر أن له ارتباط وثيق بالزراعة ، هو نوع من المعاول الصوانية المنحوتة وغير المصقولة . ويفترض ريكاس أن هذه الصناعة ذات أصول أفريقية وأن تأثيرها وصل إلى أوربا بطرق يجهلها . وقد وجدت هذه الأداة الزراعية أيضاً في جهة الحوز مما جعل الباحث رودريك (Rodrigue ) يرجح أن هذه الأداة استعملت كأداة للحرث؛وهذا يعني قيام الزراعة بالمغرب قبل ظهور المحراث [33] .
    ومن المؤشرات الأخرى التي تميل كفة معروفة إنسان العصر الحجري الحديث في شمال أفريقيا للزراعة وممارسته لها ، هو ما استخرجته البعثة الأثرية العلمية المغربية الألمانية التي نقبت في شرق جبال الريف بالمغرب وأقامت معرضاً لمستخرجاتها الأثرية بالمتحف الأثري بالرباط من 6 يونيو 1988 أثبتت من خلاله ظهور الفلاحين الأوائل بهذه الجهة منذ حوالي 9000 سنة بجانب مربي الماشية والصناع الأوائل للفخار . وفي حوار مع الباحثين المغاربة المشاركين في هذه البعثة العلمية أشار إلى عثوره على حيوان يبدو أنه مستأنس في موقع إيفري الباورد قرب قرية صاكة بإقليم الناظور.
    وإذا أضفنا إلى هذه المؤشرات الواضحة ، النقوش والرسوم الصخرية الموجودة في جبال الأطلس وجنوب المغرب والجزائر وليبيا ، وفي الصحراء الكبرى ؛ التي تجسد مشاهد من أنشطة سكان هذه المناطق ومن ضمنها نقوش خاصة بعملية الحرث أشهرها نقش غريب ايكيس الذي درسه مالوم (Malhomme ) ونشره في مجلة ” ليبيكا ” سنة 1953[34] .
    ويبدو أن الصحراء عرفت الزراعة منذ فترات قديمة ، ومما يؤكد ذلك ، العثور على غبار الطلع في موقعي منيات وأمكني بالصحراء الجزائرية . وقد تم التحديد التاريخي لزمن بعض الأدوات الحجرية بغبار الطلع لبعض المزروعات في موقع منيات بـ 3450 ق.م . أما موقع أمكني فقد تم العثور فيه على الفخار وقطعتي رحى وعشر مدقات (Molettes ) بجانب غبار الطلع. وهذا ما جعل كامبس يغير موقفه ويؤيد إمكانية ممارسة الزراعة في أمكني بالألف الثامن ق.م[35].
    وعليه ، يبدو من خلال ما تقدم ، أن الزراعة عرفتها المناطق الصحراوية ومناطق شمال أفريقيا في وقت متقارب تقريباً نظراً لعثور الباحثين على بعض الأدوات الزراعية في هذه المناطق كلها ، مما يؤكد تشابه التطور في كل من الصحراء وشمال أفريقيا . وهذا يعني وجود عناصر ثقافية مشتركة بين الصحراء وشمال أفريقيا.
    ومع ذلك ، فإن هذه الافتراضات ليست نهائية ؛ أن تسمح الدراسات والأبحاث الأثرية الجارية حول هذا الموضوع في عدد من الجهات في شمال أفريقيا والصحراء على كشف النقاب عن حقبة مهمة من حقب تاريخ العلاقات بين شمال أفريقيا والصحراء.
    من خلال النماذج المقدمة يتضح أن الصحراء وشمال أفريقيا كانت تربطهما علاقات مسترسلة طيلة عصور ما قبل التاريخ ، تساير الظروف المناخية والتغيرات التي تعرفها ، مما جعل الإنتاج الحضاري في المنطقتين يكون متشابهاً فيغالب الأحيان سواء كان مصدره الصحراء أو شمال أفريقيا.
    د. مصطفى أعشي
    جامعة محمد الخامس / الرباط
    معهد الدراسات الأفريقية

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 364
    تاريخ التسجيل: 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء ديسمبر 27, 2011 10:53 pm

    *العلاقات الفكرية بين المغرب والسودان الغربي*

    *
    *

    *مسالك التواصل***

    *2 - 1 التجارة***

    *تشهد النقوش الصخرية المتناثرة في أجزاء مختلفة من الصحراء (منها صور عربات
    تجرها خيول) على حجم العلاقات التجارية فيما بين إفريقيا المدارية وحضارات حوض
    البحر المتوسط قبل العصر الإسلامي، كما تدلنا على آثار الطرق السّالكة فيما
    بين ضفتي الصحراء وقتئذ. وأهمها الطريق المنطلق من وادي درعة والمتجه نحو دلتا
    نهر النيجر، مرورا بمنطقة آدرار الموريتانية، ثم طريق الصحراء الوسطى، الذي
    يأخذنا من الجنوب التونسي وخليج سيرت، ويمر عبر مرتفعات الهـگـار إلى أن ينتهي
    إلى كوكو (= گـاو: **Gao** ) في الحوض الأوسط لنهر النيجر.***

    *واللافت للنظر أن المسلمين الأوائل في علاقاتهم ببلاد السودان(2) اعتمدوا نفس
    المحاور المنوه بها، مما ساهم في تطوّرها. ونتيجة لذلك، ازدادت حيوية المراكز
    الحضرية الواقعة في محطاتها النهائية، مثل غانة وگـاو، اللتين شكلتا مهاد قيام
    دولتين سودانيتين بالمنطقة، مما أمّن الوضع السياسي المحلي، وأتاح بالتالي
    إمكانيات كبرى لاستقطاب تجار بلاد المغرب.***

    *وتؤكد العديد من المؤشرات الدالة، أنه منذ وصول الإسلام إلى شمال إفريقيا،
    كانت للمغاربة مساهمة فعالة في التجارة الصحراوية. وفي هذا الإطار، ليس من
    قبيل الصدفة أن يستقر الخوارج الصفريون منذ منتصف القرن 8م بتافللت، حيث
    أنشأوا مدينة سجلماسة، التي ازدهرت بما توفر لها من ثمار النخيل ومواد فلاحية،
    فأصبحت طيلة ثمانية قرون قبلة التجار المقبلين على اجتياز الصحراء بغاية
    التعامل مع أهل بلاد السودان.***

    *2 - 2 مركز سجلماسة***

    *ويبدو أن المراكز أو المدن المسيّجة بالأسوار إلى جانب عدد من الأسواق
    النشيطة، التي ظهرت على امتداد حوض وادي درعة الغني بمواده الفلاحية، خاصة
    منها الثمور بأنواعه، شكلت دعامة اقتصادية قوية لسجلماسة؛ وبذلك باتت هي
    الأخرى، عبارة عن مستودع للسلع الرائجة في التجارة الصحراوية مما أهّلها لأن
    تستقطب القوافل المغربية، في انتظار انطلاقها نحو بلاد السودان.***

    *2 - 3 مركز تلمسان***

    *وعلى الجهة الشرقية الشمالية من سجلماسة، نشأت تلمسان على أنقاض المدينة
    الرومانية القديمة پـوماريا( **Pommaria** )، وشكلت بدورها قاعدة تجارية على
    غاية من الأهمية، حيث كان ينطلق منها: المسلك التجاري القاصد منطقة الحوض
    الأوسط لنهر النيجر، مرورا بواحات گـورارة وتوات. ثم المسلك المغذي للمراكز
    التجارية بحوض البحر الأبيض المتوسط خاصة منها ألميريا بالأندلس، فضلا عن
    المسلك الغربي المتوجه نحو مكناسة مرورا بفاس.***

    *ويسود الاعتقاد أن جملة هذه المسالك التجارية الرابطة ما بين ضفتي الصحراء،
    لم تشهد تطورا متوازيا ومتزامنا، وإنما كانت البداية مع الطريق المنطلق من
    سجلماسة ووادي درعة في اتجاه آدرار، والذي ينتهي عند أودغشت الواقعة حاليا في
    تـگداوست الموريتانية. وانطلاقا من أودغشت في اتجاه الجنوب الشرقي، نجد الطريق
    الذي يصلها بعاصمة غانة القديمة على بعد ستة أيام، كما يصلها بما يوجد خلفها
    من أراضي خصبة على ضفاف نهر السنغال.***

    *ومما سجّله الجغرافي والمؤرخ اليعقوبي حوالي عام 890م عن أحوال هذا المسلك،
    قوله:" ومن سجلماسة لمن سلك متوجها إلى القبلة يريد أ رض السودان من سائر بطون
    السودان يسير في مفازة وصحراء مقدار خمسين رحلة ثم يلقاه قوم يقال لهم أنبية
    من صنهاجة في صحراء ليس لهم قرار شأنهم كلهم أن يتلثموا بعمائمهم سنة فيهم ولا
    يلبسون قمصانا إنما يتشحون بثيابهم ومعاشهم من الإبل ليس لهم زرع ولا طعام ثم
    يصير إلى بلد يقال له غسط [= أودغشت] وهو واد ٍ عامر فيه المنازل وفيه ملك لهم
    لا دين له ولا شريعة يغزو بلاد السودان وممالكهم كثيرة."(3)***

    *وبعد منتصف القرن 11م بقليل، سيمدنا الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري بوصف
    دقيق لمجمل الطرق والمسالك التجارية العابرة للصحراء، كما سيحدثنا عن الظروف
    السياسية والاقتصادية لبلاد الصحراء والساحل وما وراءها من المجالات
    السودانية.(4)***

    *2 - 4 مركز تنبكت***

    *وفي خضم التطورات التي عرفتها التجارة الصحراوية خلال القرن 13م، برز مسلك
    جديد يربط ما بين سجلماسة ومملحة تغازة في قلب الصحراء، وينتهي جنوبا عند واحة
    ولاتة، بوابة إمبراطورية مالي الناشئة وقتئذ.(5) وقد كانت المدينة شعلة من
    العلم، زارها واستقر بها عدد من الفقهاء والعلماء بغاية التدريس وترسيخ الدعوة
    الإسلامية. وأثناء زيارة ابن بطوطة لمالي عام 1352، توقف رحالتنا
    بولاتة[=إيولاتن]، وخلّف لنا وصفا لمظاهر الحياة الإسلامية بها، أكد فيه وجود
    قاض بالمدينة.(6) وقد تطورت تلك المظاهر بشكل لافت، مما أهل ولاتة لأن تصبح
    مركزا مشعا لدراسة العلوم الإسلامية في القرون اللاحقة، وهذا ما كشف عنه كل من
    عبد الرحمن السعدي خلال القرن 17م، وابن بنان البرتلي عند نهاية القرن 18م.(7)*
    **

    *وعند نهاية القرن 14م، أخذت مدينة تنبكت تشهد تطورا ملحوظا بفعل اتصالها
    المباشر مع بلاد المغرب، وذلك من خلال المسلكين اللذين يشدانها إلى كل من
    تلمسان وسجلماسة. (Coolوقد أقام بها ابن بطوطة مدة قصيرة إبان عودته للمغرب، ثم
    انصرف منها إلى گـاو (= كوكو)، فتكدا الغنية بمناجم النحاس، حيث يصدر منها إلى
    برنو وبلاد حوس الواقعتين حاليا في نيجيريا. ويظهر أن أهل تكدا من التجار
    المتمرّسين، حيث كانت لهم علاقات تجارية وثيقة مع مصر، وليبيا(فزان وغدامس)،
    وتونس، وتوات، فضلا عن مدن المغرب.***

    *2 - 5 علاقات المغرب بالأقاليم الشمالية من نيجيريا***

    *ويستفاد من الشهادات الأوروبية، أن علاقات المغرب لم تقتصر على ما تقدم من
    أقطار إفريقيا جنوبي الصحراء، بل طالت خلال القرن 16م، وربما قبل ذلك بقليل،
    حتى الأقاليم الشمالية من نيجيريا الحالية، مثل كنو وكاتسينا(= كشن). وهذا ما
    يؤكده المؤلف البندقي جيوفاني لورونزو بناء على معلومات حصل عليها (عام 1575م)
    من تاجر أوروبي عاش بكنو مدة. ومفاد الشهادة أن "كنو تعدّ بجانب فاس والقاهرة
    من أهم مدن إفريقيا، حتى إن الزائر لها ـ حسب المغاربة ـ لا يعدم بها أي شيء
    يطلبه، وهي تـقـع على رأس مثلث قاعدته فاس والقاهرة، وتبعد عنهما بنفس
    المسافة، إذ يلزمنا شهرين منها لبلوغ إحدى المدينتين".(9)***

    *وعلى إثر اضطراب طريق الركب الحجي المغربي التقليدي، بسبب الصراعات الحادة ما
    بين العثمانيين والقوى الأوروبية في حوض البحر الأبيض المتوسط خلال النصف
    الأول من القرن 16، أصبحت بلاد حوس محطة توقف للحجاج المغاربة بعد عودتهم من
    الحجاز، وكانت لبعضهم جولات علمية بكنو ونواحيها. وبسبب ما رآه المغاربة من
    تهافت الناس هنالك على العلم، ومبالغتهم في عطاءاتهم في سبيل تحصيله، فضّل
    بعضهم الاستقرار بالمنطقة سنوات عديدة برسم التدريس.***

    *3 - الصراعات وسُبل تدبيرها الدبلوماسية***

    *على الرغم من النجاحات الباهرة والسريعة التي حققها الإسلام في توسعاته
    وفتوحاته الأولى بشمال إفريقيا، لم يقيض لأي جيش عربي اختراق الصحراء عموديا.
    وتدلنا الإشارات المقتضبة الواردة في كتابات مؤرخي الفتوح الإسلامية الأولى
    (مثل البلاذري وابن عبد الحكم)، أن التحركات العسكرية الإسلامية بالصحراء،
    (10)إنما كانت بغرض ضمان تعامل تجاري سلمي يؤمن سبل الحصول على الذهب السوداني.
    ***

    *وباعتبار هذا المعطى التاريخي، ظلت بلاد السودان(=إفريقيا الغربية) خلال
    القرون الإسلامية الأولى، بمنأى عن أي عملية عسكرية، مما حرم المنطقة من
    التعرُّب أو التّعريب. على أن الإسلام واللغة العربية، سيصلان للمنطقة عبر
    قنوات أخرى، تمثلت أساسا في نشاط التجار والدعاة المسلمين، الذين كانوا
    يرتادون بلاد السودان انطلاقا من مراكز الضفة الشمالية للصحراء، كما تمثلت
    لاحقا في نشاط الجالية المغاربية التي استقرت بالمنطقة بدعوة من الملوك
    السودان الوثنيين. لنترك جانبا هذه القضية على أن تكون لنا عودة إليها،
    ولنتابع ما نحن بصدده.***

    * *

    *- 1 في عهد المرابطين***

    *تذكر المصنفات التاريخية المغربية، أن مجال صحراء صنهاجة اللثام شهد انطلاق
    حركة دينية خلال القرن 11م، عُرفت في المصادر بالحركة المرابطية، وحققت نجاحا
    دينيا وسياسيا كبيرين، مما جعلها تبسط نفوذها الديني والسياسي على المغرب
    والأندلس، فضلا عن معاقلها الصحراوية. وبذلك أقامت امبراطوية مالكية المذهب،
    كان لها نفوذ سياسي قوي في الجناح الغربي من العالم الإسلامي.***

    *وقد كانت للحركة المرابطية منذ بدايتها علاقات وثيقة بالسودان المجاورين لهم
    من جهة الجنوب. واتسمت علاقات الطرفين بتعاون تجاري وسياسي عز نظيره، مما سمح
    بتدفق التأثيرات الإسلامية جنوبا. ونتيجة لذلك انتصر المذهب المالكي ببلاد
    السودان على حساب دوائر التأثير الخارجية سواء في صيغتها الصفرية أو الإباضية،
    التي كان لها السّبق في عملية نشر الإسلام ببلاد السودان منذ القرن الهجري
    الثاني(8م).***

    *واللافت للنظر بهذا الشأن، أن زعماء الحركة لم يعتمدوا ركن الجهاد سبيلا في
    نشر الإسلام المالكي ببلاد السودان، وإنما اقتصر عملهم على الدعوة بالكلمة
    الطيبة، الأمر الذي ترك آثارا عميقة في نفوس السودان، مما عزّز مكانة الإسلام
    والمسلمين بينهم. ومهما قيل عن الغزو المرابطي لمملكة غانة، فإن الدراسة
    النقدية الدقيقة للمواد المصدرية المتوفرة، تحفزنا على الشك في هذا الغزو
    المزعوم.(11)***

    *وفي إطار هذه العلاقات السلمية، رحبت مملكة غانة بالمسلمين المقيمين بين
    ظهرانيها، وأكثر من ذلك، كان ملك غانة الوثني يستعين بهم في تدبير شؤون الحكم،
    ويقلدهم المناصب العليا في بلده. وارتقت العلاقات الرسمية بين الطرفين إلى
    مستويات رفيعة، حيث يذكر صاحب الاستبصار أنه وقف على رسالة من ملك غانة موجهة
    ليوسف بن تاشفين (1062-1106م)، خاطبه فيها بأمير أغمات، مما يحمل على الظن بأن
    الرسالة وصلت قبل بناء مراكش عام 1070م.(12)***

    *إن المكانة المعتبرة للإسلام والمسلمين في مملكة غانة، لا تشكل حالة
    استثنائية، بل لها ما يماثلها من النماذج الدالة في دول وممالك إفريقيا جنوبي
    الصحراء. فقد كانت مملكة الأشانتي الوثنية، تستعين بخبرات المسلمين في تدبير
    شؤون الحكم الرشيد، وكذلك فعل ملوك أيو ( **Oyo** : بنيجيريا الغربية) خلال
    القرن 14م. ونجد امتدادات لهذه السلوكات حتى لدى الممالك المسيحية بشرق
    إفريقيا، فقد كان الإمبراطور تيودور عاهل الحبشة يوظف في بلاطه كتّابا من
    العرب المسلمين بغاية إنشاء المراسلات التي استوجبتها علاقاته مع كل من مصر
    وحكام الأقاليم التابعة لها جنوبا إلى الخرطوم، وكذلك مع ملكة إنجلترا
    فيكتوريا.(1 ***

    *3 - 2 في عهد الموحدين***

    *وعلى غرار المرابطين، استمرت العلاقات المغربية السودانية على عهد الموحدين،
    يشهد على ذلك الرسالة التي أرسلها والي سجلماسة (في مطلع القرن 13م) لملك غانة
    بشأن تيسير ظروف التجارة ما بين المملكتين، ونصها كما احتفظ به المؤرخ
    التلمساني أحمد المقري:" نحن نتجاور بالإحسان وإن تخالفنا في الأديان، ونتفق
    على السيرة المرضية، ونتألف على الرفق بالرعية، ومعلوم أن العدل من لوازم
    الملوك في حكم السياسة الفاضلة، والجور لا تعانيه إلاّ النفوس الشريرة
    الجاهلة. فقد بلغنا احتباس مساكين التجار ومنعهم من التصرف فيما هم بصدده.
    وتردد الجلاّبة إلى البلد مفيد لسكانها ومعين على التمكّن من استيطانها، ولو
    شئنا لاحتبسنا من في جهتنا من أهل تلك الناحية، لكن لا نتصوب فعله، ولا ينبغي
    لنا أن ننهي عن خلق ونأتي مثله والسلام".(14)***

    *ولعل في هذه العلاقات الطيبة التي جمعت المغرب ببلاد السودان وقتئذ، ما حفز
    البلاط الموحدي على استقطاب أحد أدباء مملكة كانم (الواقعة على الحافة
    الشمالية لبحيرة التشاد)، الأديب أبي إسحاق إبراهيم بن يعقوب الكانمي، الذي
    دخل يوما على الخليفة الموحدي يعقوب المنصور، فأنشده مادحا:***

    *أزَالَ حِجَاَبه عنِّي وعَـيْنِي **** تراه من المَهَاَبَةِ في حِجَابِ***

    *وقَـرَّبَني تَـفَضُّـلُه ولكن **** بَعُدْتُ مَهَابَةً عند اقْتِرابـي(15)***

    *الهوامش:***

    *(1) - نلفت نظر القارئ، أن البحاثة الأستاذ جان هنويك يحيل مرارا على الترجمة
    الفرنسية للشهادات والمقتطفات المصدرية المعتمدة لديه، والتي أوردها جوزيف
    كيوك في مدونته المشهورة. و سنردّ الشهادات المصدرية لأصلها العربي مع الإشارة
    لصفحات الترجمة الفرنسية في المدونة المذكورة:***

    *- **Joseph Cuoq, Recueil des sources Arabes concernant l’Afrique
    Occidental du 8 au 16esiècle (BILAD AL-SUDAN). Paris, CNRS, 2 éd, 19 7 5. p
    48** . [ المترجم ]***

    *(2) - تمتد حدود بلاد السودان أو بلاد التكرور من المحيط الأطلنتي(في جزئه
    السنغامبي) غربا إلى حواشي بحيرة التشاد شرقا، فيما تنتصب الحدود العمودية بين
    الضفة الجنوبية للصحراء الكبرى ومقدمة نطاق الغابات الاستوائية. وحسب
    الإحداثيات المعاصرة، تنحصر بلاد السودان فيما بين خط عرض 11 و17 شمالا. وإلى
    جانب الاصطلاحين الأصِـيلين المنوه بهما، يروج في الدراسات الأكاديمية وغيرها،
    عدد آخر من الاصطلاحات الحديثة التي تؤدي تقريبا نفس المعنى والدلالة، وهي:
    السودان الغربي، وإفريقيا الغربية، والسودان النيجيري، والسنغامبيا بمفهومها
    الواسع كما وظفه بوبكر باري في دراساته. [ المترجم]***

    *(3) - اليعقوبي، كتاب البلدان، ص. 360. ومدونة كيوك، ص 48.***

    * *

    *(4) - أبو عبيد البكري ، كتاب المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، وهو الجزء
    الخامس من المسالك والممالك. باريس: ميزونوف 1965. حققه وترجمه للفرنسية:
    دوسلان. صص156-183. ومدونة كيوك: صص 82-109. كما ينظر: - **V. Monteil,
    «Al-Bakrî (Cordoue 1068) : Routier de l’Afrique blanche et noire», Bull. de
    l’I. F. A. N., XXX (1968), 39-116**.***

    *(5) - توجد ولاتة حاليا في أقصى الجنوب الشرقي لموريتانيا.***

    *(6) - توفر مدينة سودانية على قاض وقتئذ (القرن 14م)، يعد مؤشرا قويا على مدى
    رسوخ وتطور التجربة الإسلامية بها.***

    *(7) - عبد الرحمن السعدي، تاريخ السودان باريس: ميزونوف، ط. **II **، **1981**.
    تحقيق وترجمة للفرنسية: هوداس وبنوة. ابن بنان البرتلي، فتح الشكور في معرفة
    علماء التكرور . بيروت: دار الغرب لإسلامي1981. تحقيق: إبراهيم الكتاني ومحمد
    حجي.***

    *(Cool - تنبكت ? تلمسان عبر توات وگورارة /تنبكت ? سجلماسة ومدن حوض وادي درعة
    عبر مملحة تغازة.***

    *(9) - « **Can ò est une destrois villes de l’Afrique, les autres étant Fès
    et le Caire, dont les Mauresdisent qu’il n’y a chose au monde que l’on n’y
    trouve. Elle est placée sur untriangle à égale distance de Fès et du Caire,
    chacune d’elle étant distantel’une de l’autre de deux mois de route».Voir
    in D. Lange et S. Berthoud, L’intérieur de l’Afrique Occidentale d’après
    Giovanni Lorenzo Anania (XVIesiècle), Cahier d’histoire mondiale, XIV
    (1972), 339**.***

    *(10) - إشارة للفتوحات الإسلامية الأولى التي قادها عقبة بن نافع الفهري
    ببلاد المغرب فيما بين عامي 50 و62 من الهجرة (670-681م). [ المترجم]***

    *(11) - **D. Conrad et H. Fisher, «The conquest that never was: Ghanaand
    the Almoravids, 1076: I. The Arabic sources », History in Africa, IX
    (1982), 21-59**.***

    *(12) - مجهول، كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، الدار البيضاء: دار النشر
    المغربية، 1985. نشر وتعليق: سعد زغلول عبد الحميد، ص 219 . ومدونة كيوك، ص
    177.***

    *(13) - **Voir Sven Rubenson (avec la collaboration de Getatchew Haileet
    John Hunwick), Acta Aethiopica I :Correspondence and Treaties, 1800-1854,
    Northwestern University Press / Addis Ababa University Press, 1987**.***

    *(14) - أحمد المقري، نفح الطيب. بيروت 1968. المجلد الثالث، ص 105.***

    *(15)- أخذا عن الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. الدرالبيضاء،
    1955. ج.5، ص 103.*

    **

    * منقول*

    حسين1492

    عدد المساهمات: 16
    تاريخ التسجيل: 20/11/2010

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف حسين1492 في الأربعاء ديسمبر 28, 2011 1:17 pm

    شكراجزيلا أستادنا الكريم

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 364
    تاريخ التسجيل: 18/11/2009

    وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي

    مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء مارس 06, 2012 10:46 pm

    حركة الإصلاح المالكي بالمغرب ودور
    وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي خلالها



    الدكتور المهدي بن محمد السعيدي
    كلية الآداب والعلوم الإنسانية
    جامعة ابن زهر - أﮔﺎدير



    مقدمة

    صدرت بحوث كثيرة ودراسات متعددة عن المذهب المالكي بالمغرب وأصوله وأسباب نشأته، وتعرضت الدراسات الكثيرة لأدوار المذهب المالكي ورجالاته في تاريخ المغرب منذ القديم وحتى العصر الحديث، وأهمية ما قام به علماء المالكية في الغرب الإسلامي من جهود لترسيخ السنة النبوية الشريفة ممثلة في مذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، ومن التصدي للنحل الضالة والمذاهب المنحرفة، وما نتج عن جهادهم من توحيد المغرب عقيدة وفقهاً، وقد شملت هذه الحركة مراكز علمية ومدارس منوعة وأعلاماً عظاماً أسهم كل واحد بنصيبه في إقامة هذا البناء العقدي العلمي الاجتماعي الذي ورثناه عن أسلافنا رحمهم الله، ومن هؤلاء العلماء الذين كان لهم فضل عظيم على بلاد المغرب الشيخ العلامة المجاهد وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي الذي أسهم في نشر العلم والمعرفة وخدمة المجتمع وتوجيهه نحو الأفضل، وذلك من خلال المعطيات الضئيلة المتوفرة حول حياته وأعماله العلمية.




    1 - حركة الإصلاح المالكي في الغرب الإسلامي

    شهد المغرب الإسلامي في القرون الإسلامية الأولى حركة دائبة للتمكين للدين الإسلامي في المجتمع والفكر والثقافة، وربط المسلمين بالعقيدة السمحة واجتثاث جذور الوثنية والانحراف العقدي من نفوسهم الفطرية، وقد عمل الفقهاء والعلماء لأجل هذا الهدف اعتماد على منهجين:

    أ - منهج نشر السنة النبوية ممثلة في الفقه المالكي المعبر عن ارتباط المسلمين بدينهم ووحي ربهم وسنة نبيهم من خلال التزام الأوامر ومفارقة النواهي والبحث عن حلول المستجدات والنوازل في اجتهادات الفقهاء السالفين وما بني عليها من فتاوى المتأخرين ملتزمين بأصول الاستنباط والاقتداء بالأيمة الأعلام للمذهب المالكي من الذين وضحوا أصوله وطبقوا مبادئه في استنباط الأحكام الشرعية الموافقة لأحوال المسلمين المجيبة عن تطلعاتهم الاجتماعية والفكرية، والرد على المذاهب الفقهية المنافسة التي تقدم الرأي على النص كما ردوا على القدرية والمعتزلة([1])، وقد تزعم هذه الحركة العلمية المباركة أئمة كبار وأعلام عظام برزوا في مدرستين عظيمتي التأثير هما:

    - مدرسة القيروان وضع أسسها الإمام عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي المشهور بسحنون (160-240 ﻫ)([2]) مؤلف المدونة الكبرى التي أخذها عنه طلبة كثيرون تخرجوا به وصنفوا حولها شروحاً وتعاليق، مثل ولده محم بن سحنون (ت. 255 ﻫ)([3]) ويحيى بن عمر (ت. 289 ﻫ)([4]) وعنهم أخذ علماء آخرون من أبرزهم ابن أبي زيد القيرواني مؤلف الرسالة.

    - مدرسة الأندلس أسسها الإمام يحيى بن يحيى الليثي المصمودي (152-234 ﻫ)([5]) وانتشر تأثيرها بفضل جهاده في التعليم والتربية فصدر عنه طلبة كثيرون نشروا علمه وفقهه، من أبرزهم محمد بن وضاح، وزياد بن محمد المعروف بشبطون، وإبراهيم بن قاسم بن هلال.. وغيرهم كثير.

    وقد انتشر بفضل هذين العالمين الكبيرين للسنة النبوية صيت عظيم كما رفعا لواء المذهب المالكي وعملا به ومكّنا له في تعليمهما وما كان لهما من الحظوة والجاه في مجمعيهما، وجعلا كل ذلك في خدمة سنة النبي r.



    ب - منهج مقاومة المذاهب المنحرفة التي كان الغرب الإسلامي حافلاً بها كالخوارج والروافض والبرغواطيين خاصة في المغرب بسبب ضعف السلطة المركزية وبروز الإمارات المستقلة المتناحرة، وقد توسل الفقهاء بكل وسيلة من المقاطعة والمقاومة السلبية والمناظرة العلمية والسجال الفكري والمناجزة العسكرية([6])، واستطاعوا أن ينصروا السنة في صراعها مع البدع والضلالات، فضيق الأمويون بالأندلس على العبيديين خوفاً من أن يمتد نفوذهم إلى الجزيرة إلى أن ضعف أمرهم واندحروا بإفريقية، ثم قضى المرابطون على النحل المتعددة بالمغرب وجمعوا كلمته على السنة([7])، وذلك بفضل المالكية التي كانت «العقل الذي عصم أهل المغرب من شرور الفتنة في عصر كادت ريح الشر تعصف بالمجتمع، صمدت المالكية للخارجية فأتت عليها، وصارعت المعتزلة، وانتصرت على العبيديين، وحفظت على المجتمع وحدته وقوته، وسلمته للأجيال التالية سليماً معافى، ومصداق ذلك ما رواه الرحالة ابن جبير حين قال: إنه لا إسلام إلا ببلاد المغرب لأنهم على جادة واضحة وما سوى ذلك بهذه الجهات الشرقية فأهواء وبدع وفرق أو شيع إلا من عصم الله عز وجل من أهلها»([8]).



    2 - دور التعليم في نشر مبادئ الإصلاح

    لا شك أن التعليم وسيلة ترسيخ الأفكار ودحض الشبهات وتقويم المجتمع وإزالة الانحرافات منه، ولتحقيق ذلك اعتمد فقهاء المالكية في الغرب الإسلامي على التعليم بأنواعه، فهناك:

    - التعليم العام أو الشعبي والمقصود منه الاتصال بعامة الناس وتعليمهم شؤون الدين وأسس العقيدة والمعاملات، حتى يكونوا على السبيل القويمة، ويتجنبوا الانحراف والضياع، وقد آتى هذا النوع من التعليم أكله فمكَّن العلماء من حماية عموم الناس من الانحرافات العقدية وصيانتهم من الانسياق مع مبادئها الضالة، ولم يكن ذلك بسبب مجالس الوعظ والتذكير فحسب، وإنما لأن فقهاء المالكية في ذلك العصر المبكر مثلوا النموذج المتألق للمسلم الصحيح الإيمان الزاهد الورع، الساعي لخير جماعته المضحي في سبيل مبادئه، وقد ورث فقهاء المالكية ذلك كله من الإمام مالك رضي الله عنه الذي كان لهم أسوة في الخلق القويم والورع والزهد والصدع بالحق، فكان لهؤلاء الفقهاء مواقف حازمة من الانحراف والضلال، تسنموا بفضلها مكانة مرموقة في نفوس الناس وصاروا عندهم في «مرتبة الزعماء الذين يدافعون عن الضعفاء والمغلوبين، ويعارضون الحكام في سبيل إعلاء الحق، ويستشهدون في سبيل عقيدتهم، فآمنوا بزعامتهم»([9]).

    - التعليم المتخصص الموجه للناشئة من الشباب اليافع في المساجد والرباطات، والذي يهدف إلى توفير المعرفة والتكوين العلمي للأجيال الجديدة، حتى تستطيع - على اختلاف مؤهلاتها - الوفاء بحاجات المجتمع العلمية والمعرفية وضمان استمرار العلم الشرعي المرتبط بالسنة النبوية الشريفة، وتصديه للنوازل والمشاكل، وهكذا تسلسل العلم وبرز العلماء يأخذ كل جيل منهم عن السابق لينقل المعرفة إلى اللاحق، فكان التعليم الشغل الشاغل لعلماء المغرب الإسلامي الكبار وما من أحد منهم إلا وأنفق حياته في تكوين الأجيال الجديدة وتثقيفها.

    لقد صار التعليم والتكوين من أعظم المهام التي اشتغل بها علماء الغرب الإسلامي، لأنهم كانوا يؤمنون بأهمية التعليم وكونه من مراتب العبادة السامية وكانوا واعين بأهميته وضرورته للحفاظ على أمن المجتمع وعقيدته وتضامنه، ولعل مما يدل على هذه العناية الفائقة بروز التأليف حول أساليب التربية والتكوين ومناهجهما، فنجد في إفريقية محمد بن سحنون (256 ﻫ) وعلي بن محمد بن خلف المعافري القابسي (324-403 ﻫ) يهتمان بالموضوع ويبسطان فيه القول تنظيراً وتطبيقاً واستيحاء من سنة النبي r وسيرته العطرة، مما يشير إلى سعي دائب للنجاح في التعليم وبلوغ الهدف في تكوين المسلم الصالح المصلح([10]).

    وتحفل كتب التراجم بأخبار العلماء العاملين الذين كونوا الأجيال وخرجوا العلماء وقادوا الفكر والمجتمع في تلك المرحلة نذكر منهم:



    · جبلة بن حمود الصدفي (ت. 299 ﻫ) الذي قام في وجه العبيديين وتصدى لأعوانهم ومن ناصرهم، بالعداء والمقاطعة وسار خلفه الناس متبعين ما يشير به([11]).

    · سعيد بن محمد الغساني المشهور بابن الحداد (ت. 302 ﻫ) العالم الزاهد الذي نافح عن العقيدة والدين بمناظراته ورده شبهات المنحرفين وإفحامهم، فكان ذلك سبب تثبيت الناس على عقيدتهم وصبرهم على الأذى والضرر([12]).

    · عبد الملك بن حبيب السلمي الإلبيري (ت. 238 ﻫ) فقيه الأندلس وعالمها، درس عليه الجم الغفير من الطلبة وتخرجوا به([13]).

    · محمد بن وضاح بن بزيع المرواني (287 ﻫ) العالم المحدث المحتسب في نشر العلم، أخذ عنه جمّ غفير من علماء الأندلس وقضاته وفقهائه([14]).

    هؤلاء العلماء نماذج لمن أفنوا أعمارهم في التدريس وأخلصوا فيه جهودهم لله فآتت أكلها فصاروا علماء وفقهاء جمعوا بين الفقه والصلاح والتربية والمعرفة، وكانوا سبباً في تسلسل العلم في الأجيال اللاحقة مرفوقاً بالعمل والإصلاح والإحسان فيهما معاً، فبرز علماء آخرون في القرنين الرابع والخامس لا يقلون مكانة عمن سبقهم، بل أضافوا إلى سلفهم الماجد جداً وجهاداً في التعليم العلمي والإصلاح الاجتماعي المؤسس على رؤية عقدية فقهية حصيفة، نذكر منهم عبد الرحمان بن عبد الله القيرواني وخلف بن عمر الحناط وعلي بن محمد المعافري القابسي ومحمد بن سعدون الباجي وقاسم بن أصبغ البياني ومحمد بن عمر بن لبابة، وغيرهم من العلماء الذين اشتغلوا بالتدريس عقوداً طويلة، وعنهم اخذ علماء الغرب الإسلامي وتأثر بهم فقهاء المغرب وتأثروا خطاهم في إصلاح المجتمع وتوحيد الأمة ونفي الانحراف في العقيدة والشذوذ في المذاهب الفقهية([15]).

    اعتمد فقهاء المالكية التعليم والتكوين في حركتهم الإصلاحية سواء لنشر مذهبهم وترسيخ أسسه في المجتمع أو لمحاربة الفرق الضالة مثل الروافض والخوارج وغيرهم، وحينما نأخذ مثال ابن أبي زيد القيرواني وعمله في مجال التعليم بالقيروان، نجده قد خرج مئات من الطلبة نبغ منهم عشرات الفطاحل الكبار الذين انتشروا في بقاع الغرب الإسلامي لترسيخ الإسلام وعقيدته السمحة([16])، فعن ابن أبي زيد أخذ أبو عمران الفاسي([17]) شيخ وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي الذي نقل معارفه إلى طلبته وتلاميذه فوصلت بهم حركة الإصلاح منتهاها بقيام دولة المرابطين على يد عبد الله بن ياسين التمنارتي.

    3 - وﮔﺎﮒ بن زلو وحركة الإصلاح المالكي

    نشأت التقاليد العلمية الفقهية المالكية بالشرق وانتقلت إلى إفريقية والأندلس حيث تأسست مدرستان عريقتان للفقه المالكي، نبع منهما فقهاء الغرب الإسلامي العظام ونهلوا أسس الإصلاح الاجتماعي المؤسس على العقيدة الصحيحة والاجتهاد الفقهي في ربط المجتمع بالشرع ورد الناس إلى سبيل الحق والوقوف في وجه الظلم والجور، وقد تأثر المغاربة بهاتين المدرستين في تلك المرحلة الصعبة من تاريخهم المتميزة بعدة سمات، نذكر منها:

    - الاضطراب السياسي، بسبب الفوضى والانقسام وانعدام سلطة مركزية قوية تحكم البلاد وتصلح أحوالها، فصار مجالاً للصراع بين المذاهب المختلفة وساحة للنِّزَال بين القوة العبيدية في إفريقية والقوة الأموية في الأندلس.

    - الفوضى العقدية، فقد تسربت إلى المغرب المذاهب المشرقية المنحرفة وبرز الخوارج والروافض كما نشأت نحل ضالة من أمثال البورغواطيين، وكان لكل مذهب سند شعبي وسياسي يقيم أوده ويناصره.

    ولما رأى علماء المغرب ما كانت عليه بلادهم طمحوا إلى إصلاح أوضاعها خاصة بعد انتصار المالكية في إفريقية على العبيديين، واستمرار منهج أهل السنة والجماعة في الأندلس، فعملوا على تنسيق جهودهم والاعتماد على التعليم والتربية لتغيير المجتمع عبر تذكير عامة الناس ووعظهم وتكوين أجيال جديدة من العلماء المستنيرين بسنة النبي r وهديه، ومن هؤلاء العلماء القائمين بهذه الأمانة في هذه المرحلة وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي.



    أ - من هو وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي

    ينتسب إلى قبيلة لمطة التي كنت مستقرة على وادي نول لمطة في منطقة أيت باعمران الحالية([18])، قال صاحب "الاستبصار": «ومن بلاد السوس مدينة نول لمطة، وهي مدينة كبيرة في أول الصحراء على نهر كبير يصب في البحر المحيط، ومن مدينة نول إلى وادي درعة نحو 3 مراحل. وإنما سميت نول لمطة لأن قبيلة لمطة يسكنونها وما وراءها وهي آخر بلاد السوس»([19]).

    ينتمي الشيخ وﮔﺎﮒ إلى الشرفاء الأدارسة حسب ما يدل على ذلك مشجر أنساب أسرته الوارد في "المعسول"([20])، واسمه محمد([21]) غير أنه اشتهر بلقبه (وﮔﺎﮒ) المكون من واو النسبة وكلمة (أﮔﺎﮒ) ومعناه الفقيه العليم بالقرآن والفقه - حسب ما ورد في معجم شارل دوفوكو([22]) - فيكون معنى لقبه ابن العالم أو ابن الفقيه([23])، ولا نعرف على وجه التحديد تاريخ ميلاده ولكننا نرجح أن يكون قد ولد فيما بين سنتي 350 و360 للهجرة، وكان والده طبقاً لتفسير لقبه عالماً فقيهاً، فيكون ناشئاً في أسرة علمية مما ساعده على التفرغ للدراسة والتعلم، فحفظ القرآن الكريم ودرس مبادئ العلوم ثم بدأ رحلته العلمية، والغالب أنه درس بمراكز العلم في منطقته، ثم انتقل إلى الحواضر المغربية، فهل يكون درس بفاس وتعرف هناك على أبي عمران الفاسي قبل أن ينفيه منها بنو أبي العافية المكناسيون لَمّا قام فيهم آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر؟([24]).

    رحل وﮔﺎﮒ إلى القيروان وهناك لقي عبد الله بن أبي زيد القيرواني المتوفى سنة 386 ﻫ ودرس عليه كما أشار إلى ذلك صالح بن أبي صالح في كتاب "القبلة"([25])، ثم لازم تلميذه أبا عمران الفاسي حتى تخرج عليه، ولا يبعد أن يكون درس على علماء آخرين بالقيروان ممن كانوا يملأونها علماً وفضلاً، وبعد أن اكتفى من الأخذ عاد أدراجه إلى المغرب للمشاركة في التربية والتعليم بمعية طائفة من زملائه في الدراسة، وقد توفي مخلفاً ثلاثة من الأبناء الذكور هم: ياسين ويحيى وأبو علي([26])، كما تخرج على يديه جمّ غفير من الطلبة.

    ب - شهادة أبي عمران الفاسي في تلميذه وﮔﺎﮒ

    لا شك أن إسهام الشيخ وﮔﺎﮒ في إقامة دولة المرابطين بفضل إرسال تلميذه عبد الله بن ياسين إلى الصحراء أسهم في إبراز شخصيته والتعريف بها فكم من العلماء الذين تخرجوا قبله وبعده على شيوخ القيروان والأندلس، قد طواهم النسيان ولم نعد نعرف عنهم شيئاً أو لا تذكر المصادر أسماءهم، وبسبب ارتباط الشيخ وﮔﺎﮒ بدولة المرابطين وصلتنا شهادة أستاذه الفاسي فيه حينما أشار على الأمير الكدالي بأن يقصده في رباطه بواد نفيس ليستشيره في أمر إرسال أحد الفقهاء معه إلى الصحراء، ونص الشهادة كما نقلتها المصادر التاريخية:

    «إنني أعرف ببلاد نفيس من أرض المصامدة فقيهاً حاذقاً تقياً ورعاً لقيني وأخذ عني علماً كثيراً، وعرفت ذلك منه، واسمه وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي من أهل السوس الأقصى وهو الآن يتعبد ويدرس العلم ويدعو الناس إلى الخير في رباط هنالك، وله تلامذة جمة يقرؤون عليه العلم»([27]).

    وهذه الشهادة تبرز مكانة وﮔﺎﮒ عند شيخه ومقدار تحصيله العلمي، وسماته الْخُلقية، فقد وصفه شيخه الفاسي بـ:

    — العلم الكثير: والمقصود به العلوم التي أخذها وﮔﺎﮒ عن شيخه الفاسي، والتي درسها هو كذلك عن شيوخه بالقيروان وبغداد، مثل الفقه والحديث والأصول واللغة العربية، ولا ريب أن الشيخ وﮔﺎﮒ قد حصّل منها ما جعله يوصف بالعلم الكثير.

    — الحذق: وهو المهارة وحسن الفهم والتصرف، فالشيخ وﮔﺎﮒ لم يأخذ العلم حفظاً وفهماً فحسب بل أخذه تطبيقاً ومهارة في العمل به، فجمع إلى العلم العمل وإلى حسن فهم النوازل واستنباط الأحكام تَنْزِيل المعرفة على الواقع ومخاطبة الناس على قدر عقولهم، وهي كلها صفات تدل على مهارته وفهمه.

    — التقوى: وهو الخوف من الله تعالى ومراقبته في كل شيء، وهو أساس التعلم الذي تصح به النية ويستقيم العلم ويصلح العمل وتثمر الجهود.

    — الورع: وهو الاحتراز للدين وتوقي الشبهات ومعاملة الناس بالإحسان إليهم الصبر على أذاهم، وتَنْزيه النفس عن الأطماع وتجنب تسخير الدين لنيل الدنيا، ولا أدل على ذلك مما أورده صاحب "التشوف" على لسانه حينما قصده المصامدة يلتمسون دعاءه، قال: «فذهبوا إلى وجاج بن زلو اللمطي وهو بالسوس، فلما وصلوه، قال لهم ما جاء بكم؟ فقالوا له: قحطنا وجئناك لتدعو الله لنا أن يسقينا، فقال لهم: إنما مثلكم كمثل قوم أبصروا جبح نحل فظنوا أن فيه عسلاً، ولكن انزلوا عندي فإنكم أضياف».

    — ملازمة العبادة: وهي سمة لازمت فقهاء ذلك العهد فكان الصلاح ملازماً للعلم، والعبادة قرينة التدريس والتربية، ومن يطالع تراجم العلماء بالغرب الإسلامي آنذاك يجدهم مجدين في علمهم وعبادتهم ناصحين ورعين، ساعين إلى تطبيق ما تعلموا وتحقيق النموذج والقدوة الصالحة التي يتأسى بها مجتمعهم([28]).

    — تدريس العلم: أي التعليم المتخصص الذي يستهدف نقل المعارف والعلوم اللغوية والشرعية النافعة، إلى الطلبة الشباب الناشئين مسددة بالتربية الخلقية الرامية إلى جعل العلم أساساً للعمل، وبناء الشخصية المسلمة السليمة من آفات النفس وأمراضها.

    — دعوة الناس إلى الخير: وهو التعليم العام الذي يقصد حماية عامة الناس ممن لا يملكون المعرفة العلمية الرصينة، من النحل والضلالات والبدع بتعليمهم أسس العقيدة والعبادات وحثهم على التزام المعاملة الحسنة والخلق الحميد، بالوعظ والإرشاد في المساجد والمجاميع والأسواق والملتقيات...

    — ملازمة الرباط: بوادي نفيس أولاً ثم بأﮔﻠﻮ ثانياً، والرباط أصلاً مكان للجهاد ومراقبة العدو، يجتمع فيه المقاتلون استعداداً لمجابهة العدو إن هاجمهم أو نزل بأرضهم، وقد توسعت وظيفته فصار مكاناً يخلو به العباد والزهاد ويجتمع فيه طلبة العلم ويقصده عامة الناس للاستفتاء والمشورة الفقهية ولطلب المساعدة الاجتماعية وللتظلم وطلب الحقوق، ويقوم فيه الشيخ العالم بدور الناصح والمعلم والمربي والساعي في الخير بين الناس([29]).

    — كثرة الطلبة: حيث وصفهم أبو عمران الفاسي بالجم الغفير، مما يدل على نجاح الشيخ وﮔﺎﮒ في عمله التعليمي، وتوفقه في مساعيه لاستقطاب الطلبة وتكوينهم وتربيتهم، وكذلك مساندة مجتمعه له في مهامه التعليمية بتموين هؤلاء الطلبة والقيام بمعيشتهم، ولا ريب أن ذلك كله مؤسس على ما للشيخ وﮔﺎﮒ من سمعة طيبة وتقوى وورع مما جعله يحظى بالتقدير والاحترام. وكانت النتيجة أن تخرج به طلبة كثيرون انتشروا في بلاد المغرب وجنوبه على وجه الخصوص وعمروا مساجده بالعلم والتربية، ولا تسعفنا المصادر إلا في معرفة أسماء قلة قليلة منهم مثل أبنائه الثلاثة ياسين ويحيى وأبا علي ثم عبد الله بن ياسين التمنارتي وأبا القاسم بن عذري الفقيه، ولا شك أن كثيراً من الفقهاء الذين كان عبد الله بن ياسين يتصل بهم بجبال جزولة فيرسل إليهم أعشار قبائل لمتونة من زملائه في الدراسة بنفيس أو ممن أخذوا بأﮔﻠﻮ.

    إن هذه الصفات المجتمعة التي وصف بها الشيخ وﮔﺎﮒ تبرز قدره ومكانته العلمية وسماته النفسية والتربوية، كما تظهر مكانته بين الناس وأنه كان مقبولاً مسموع الكلمة مجاب الدعوة، ولا شك أن قبائل المصامدة التي كانت تزوره وتستقي بدعائه قد خبرت ذلك منه عندما كان عندها بنفيس.

    ج - أعماله التعليمية

    عاد وﮔﺎﮒ بن زلو إلى المغرب بعد أن امتلأ علماً وفضلاً، ونوى العمل مع زملائه لإصلاح المجتمع المغربي بنشر السنة النبوية ومحاربة النحل الضالة، وقد مر عمله بمرحلتين الاستقرار بنفيس ثم الانتقال إلى أﮔﻠﻮ دون أن نغفل إشارة ابن خلدون إلى أنه كان بسجلماسة([30]):

    — الاستقرار بمنطقة نفيس - كما وردت الإشارة إلى ذلك في كلام أبي عمران الفاسي - للتربية والتعليم والإسهام في محاربة البورغواطيين، وقد اختلف المؤرخون في تحديد المقصود من (نفيس) هل هي قرية ملكوس التي ذكرها البكري([31]) أو مدينة نفيس([32])، أو رباط على وادي نفيس في منطقة قليلة العمران([33]). كما اختلفوا في مكان نزوله أولاً هل هو نفيس أم أﮔﻠﻮ التي بها قبره الآن؟ قال محمد المختار السوسي معلقاً على ذلك: «ذكر هناك أن مسكنه في نفيس وقد أثار هذا مشكلاً اليوم. لأن (نفيسا) هو واد مشرف على (مراكش) ومحل قبر وﮔﺎﮒ يوجد في (أﮔﻠﻮ بضواحي (تيزنيت) على سيف البحر. ويؤيد أن مسكنه كان بعيداً من وادي (نفيس) ما في هذه الحكاية من الرحلة إليه([34]). ثم طول الرجوع إلى سكنى الراحلين في (نفيس)»([35]).

    وإذا عرضنا الواقع الحالي لوجود قبر وﮔﺎﮒ بن زلو بأﮔﻠﻮ قرب تزنيت وما ورد في المصادر التاريخية عن نزوله بنفيس أمكننا أن نقرر - بناء على ما ذكر من سفر المصامدة لزيارته والاستسقاء به - أن وﮔﺎﮒ نزل أولاً بنفيس قرب أغمات وريكة، ولبث بها مدة طويلة خالط أهلها فعرفوا فضله وعلمه وأخلاقه، ثم انتقل إلى أﮔﻠﻮ لسبب دعاه إلى ذلك، ولم تنقطع صلة المصامدة به بل كانوا يزورونه.

    ومما يؤيد هذا أن صاحب كتاب "القبلة"([36]) يذكر اجتماع طلبة ابن أبي زيد القيرواني بمنطقة أغمات وريكة لقتال البورغواطيين، ذاكراً وجود وﮔﺎﮒ بن زلو بينهم، قال: «ثم يلي ذلك المساجد التي بناها تلامذة أبي محمد (يقصد القيرواني) لأنهم جعلهم الله سبباً لإطفاء فتنة برغواطة الذين قاموا بالمغرب نحو ثلاثمائة سنة، لأن أول قيامهم في حدود خمسين ومائة من الهجرة إلى قريب من أربعمائة.. فلما وصل تلامذة أبي محمد أخذوا يقتلون كفار برغواطة وذلك لأنهم أشاروا إلى أبي محمد في ذلك فقال لهم إن كانت لكم بهم مقدرة فجاهدوهم وقدموا منكم أكثركم قبيلة، وقالوا: داود بن إيملول الصنهاجي، ثم يليه يحيى بن ويدفا الصادي من بلاد هسكورة، ثم يعلى بن مصلين الرجراجي، فكانت تلامذته من المصامدة الثلاثة المذكورين مع تونارت بن تيدي الرجراجي والولي بن يرزﻳﮕﻦ المرماري وواجاج بن زلو اللمطي وعبد الله بن أبي تاليلت اﻟژودي ويرزﻳﮕﻦ بن علي اﻟژودي ومحمد بن طاووس الهزميري الرجراجي وآخرين، من أهل أغمات وغيرهم ممن لم تعرف أسماؤهم، فقدموا داود بن يملول حتى قتل، ثم يحيى بن ويدفا حتى قتل، ثم ابنه حتى مات، فقدموا يعلى بن ﻣژلين وهو الذي بنى مسجد شاكر..»([37]).

    وقد أشار الأستاذ أحمد توفيق في تحقيق كتاب "التشوف" للزيات إلى أن طلبة ابن أبي زيد القيرواني كانوا تحت إمرة الشيخ أبي محمد عبد الله بن تايسييت([38])، في حين أن مؤلف كتاب "القبلة" ذكرهم بصفة طلبة أبي محمد فظن المحقق أن المقصود هو أبو محمد بن تيسييت بينما يشير صاحب كتاب "القبلة" على أن المقصود هو أبو محمد بن أبي زيد القيرواني صاحب كتاب "النوادر"، قال: «وإلى تلك الجهة بنى تلاميذ أبي محمد مساجدهم لأنهم حملوا عن أبي محمد ما ذكر في "النوادر.." ثم رجع عنه إلى ما ذكره في كتاب "مجمع الأصول.." إلى أن قال: وذكر أبو الطيب عبد المنعم أن ابن أبي زيد رجع عما ذكر في "النوادر.."»([39]).

    فالمقصود إذن أبو محمد القيرواني مؤلف "النوادر" و"مجمع الأصول" وصاحب "الرسالة"، أما ابن تيسييت فيذكره صاحب كتاب "القبلة" ناقلاً عنه تحديد تاريخ بناء بعض مساجد أغمات فحسب، دون إشارة إلى زعامته الجهاد، ورد في النص: «أخبرنا أبو محمد عبد الله بن تيسييت وكاتبه قاضي أغمات وريكة أن مسجد أغمات وريكة بناها أميرها وطاس بن كردوس من بني أمية سنة خمس وأربعين ومائتين»([40]).

    لقد اجتمع طلبة أبي محمد القيرواني بمنطقة أغمات التي كانت مجالاً لنفوذ البورغواطيين وقاموا بتنسيق الجهود العلمية التعليمية والعسكرية الجهادية فتوزعوا على رباطات المنطقة لنشر المذهب السني ممثلاً في مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، فكان من نصيب وﮔﺎﮒ الاستقرار برباط نفيس متفرغاً للتدريس والتعليم، وهناك زاره يحيى بن إبراهيم اﻟﮕﺪالي سنة 430 ﻫ([41]) حاملاً رسالة الشيخ أبي عمران الفاسي التي تأمره بأن يرسل مع الأمير اللمتوني فقيهاً يعلم أهل الصحراء العقيدة السليمة وملازمة السنة النبوية ويردهم إلى طريق الخير والحق رداً جميلاً، ونص كتاب أبي عمران: «أما بعد إذا وصلك حامل كتابي هذا وهو يحيى بن إبراهيم اﻟﮕﺪالي فابعث معه من طلبتك من تثق بعلمه ودينه وورعه وحسن سياسته ليقرئهم القرآن، ويعلمهم شرائع الإسلام ويفقههم في دين الله، ولك وله الأجر العظيم، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً»([42]).

    ومن هناك انطلق عبد الله بن ياسين التمنارتي([43]) ليؤسس مشروع الإصلاح على أسس اجتماعية وسياسية قوية أنتجت دولة المرابطين.

    — الانتقال إلى أﮔﻠﻮ: انتقل الشيخ وﮔﺎﮒ - في تاريخ لا نعرفه بالضبط - إلى منطقة أﮔﻠﻮ الواقعة غرب مدينة تزنيت الحالية على بعد نحو 13 كلم، وهي منطقة ساحلية كانت بها عين ماء ثرارة، وبها مداشر، توجد بأحدها مدرسة وﮔﺎﮒ بن زلو([44]). ولا يبعد أن يكون الشيخ رحل إلى هناك بُعيد سفر تلميذه عبد الله بن ياسين إلى الصحراء سنة 430 ﻫ، وهناك استقر واشتغل بالتعليم والتربية والعبادة ونشر الخير حتى توفي سنة 445 ﻫ([45])، أما أسباب هذا الانتقال فمجهولة، والراجح أن ذلك كان لعدة أسباب، هي:

    — مواصلة محاربة المذاهب الضالة بسوس ممثلة في الشيعة البجلية بتارودانت والبورغواطيين بجبال جزولة ومنطقة ماسة([46])، وقد ذكر محمد المختار السوسي أن «البورغواطيين قد امتدوا حيناً إلى تلك الجهة حتى قيل إنهم وصلوا ماسة»([47]). كما ذكر صاحب "بيوتات فاس" أن عبد الله بن ياسين زحف على بلاد السوس لقتال أهلها من أهل الجبال التابعين لصالح بن طريف البورغواطي، قال: «فانهزم أهل السوس المتمسكون بما التمسه لهم صالح بن طريف، وقسم (يعني المرابطين من أتباعه) فيهم عبد الله بن ياسين سبيهم وأموالهم»([48]).

    — متابعة أعمال عبد الله بن ياسين عن قرب فمنطقة أﮔﻠﻮ أقرب إلى الصحراء من وادي نفيس، ومعلوم أنه كانت هناك مراسلات بين التمنارتي وشيخه اللمطي، فكان يستشيره ويرجع إليه في تدبير أموره بين اللمتونيين خاصة لما كثرت شكاواهم منه. بل إن البكري يورد رواية غريبة من أن اللمتونيين لَمّا خالفوا عبد الله بن ياسين طردوه فرجع إلى شيخه وﮔﺎﮒ الذي كاتبهم يشنع عليهم فعلهم وأمره بالرجوع إليهم، قال: «فعزلوه عن الرأي والمشورة، وقبضوا منه بيت مالهم، وطردوه وهدموا داره وانتهبوا ما فيها من أثاث وخرثى، فخرج مستخفياً من قبائل صنهاجة إلى أن أتى وجاج بن زلوى فقيه ملكوس، فعاتبهم وجاج على ما كان منهم إلى عبد الله، وأعلمهم أن من خلف أمر عبد الله فقد فارق الجماعة، وأن دمه هدر، وأمر عبد الله بالرجوع إليهم، فرجع..»([49]).

    ومهما يكن فإن التواصل بين الشيخ وﮔﺎﮒ وتلميذه الجزولي كان دائماً بالمراسلات وقد احتفظت المصادر التاريخية بواحدة منها تتضمن توضيح التمنارتي موقفه من شن الحروب على القبائل الخارجة عليه وتشدده في الحدود، بعد أن أنكر عليه شيخه ذلك، ورد في الرسالة: «أما إنكارك عليَّ ما فعلت، وندامتك على إرسالي فإنك أرسلتني إلى أمة كانت جاهلية.. وليس دأبهم إلا إغارات بعضهم على بعض، وقتل بعضهم بعضاً لا دية عندهم من الدماء ولا حرمة عندهم للحريم، ولا توقي بينهم في الأموال، فأخبرتهم بالمفروض عليهم والمسنون لهم والمحدود فيهم فمنهم من قبل واليته، ومن تولى أرديته، وما تجاوزت حكم الله ولا تعديته»([50]).

    ومن ناحية أخرى يذكر ابن خلدون في "تاريخه" أن وﮔﺎﮒ بن زلو هو الذي استدعى القبائل الصحراوية برئاسة تلميذه ابن ياسين للقدوم للجنوب المغربي وتغيير ما فيه من مناكر، قال: «ثم كتب إليهم وﮔﺎﮒ اللمطي بما نال المسلمين من العسف والجور من بني وانودين أمراء سجلماسة من مغراوة وحرضهم على تغيير أمرهم فخرجوا من الصحراء سنة خمس وأربعين وأربعمائة»([51]).

    — عودة الشيخ وﮔﺎﮒ إلى المناطق القريبة من مضارب قبيلته لمطة التي كانت مستقرة بأحواز وادي نون المعروف قديماً بنول لمطة، وهي القبيلة التي استجابت لدعوة المرابطين ودخلت طاعتهم ومكنتهم من ثلث أموالها بلا نزاع ولا حرب، فهل كان لانتماء وﮔﺎﮒ إلى هذه القبيلة علاقة بذلك، خاصة أنه توفي قبل أن يصل تلميذه إلى المنطقة، قال البكري: «ثم نهضوا إلى لمطة وسألوهم ثلث أموالهم ليطيب لهم بذلك الثلثان، وهكذا سن لهم عبد الله في الأموال المختلطة، فأجابوهم إلى ذلك ودخلوا معهم في دعوتهم »([52]).

    إن عمل الشيخ وﮔﺎﮒ بن زلو التعليمي والعلمي في رباطه بوادي نفيس ثم بمنطقة أﮔﻠﻮ مكنته من تحقيق الهدف الأساس الذي أسست عليه حركة الإصلاح المذهبي في القيروان والأندلس، وهو القضاء على الانحرافات والنحل الضالة، وتمثل ذلك في أمرين أساسيين:

    - معالجة الوضع القائم بالتصدي لهذه المذاهب والنحل من خلال حركة تعليمية اجتماعية ترمي إلى تربية العامة وتفقيههم ودعتهم وتذكيرهم وتثبيتهم على دينهم ومنعهم من الانسياق مع دعوات الانحراف والانقياد لدعاتها.

    - إعداد الأجيال الصاعدة وتكوينها على تغيير الواقع المنحرف الذي يعيشه المغرب آنذاك، سواء بالعمل العلمي التعليمي الدائم أو بالقوة العسكرية والدفاع المسلح.

    وقد أثمرت جهود الشيخ وﮔﺎﮒ بن زلو فخرج تلامذة مؤمنين بعقيدتهم ومذهبهم السني الصحيح مثل عبد الله بن ياسين الجزولي الذي حمل الدعوة إلى أعماق الصحراء، فأخرج القبائل الجاهلة المتناحرة مما كانت فيه من فتن مدلهمة، وحوّلها إلى موال للحركة الإصلاحية وعامل على دحر النحل والمذاهب الضالة، كما أسهم الطلبة الآخرون الذين انتشروا بالمغرب وجنوبه على وجه الخصوص في فسح المجال للمرابطين وقائدهم بتعاونهم معهم وحث الناس على التأسي بهم وعصيان الأمراء الظلمة ومحاربتهم، لذلك لم يكد تصل الجيوش المرابطية إلى جنوب المغرب حتى انضم إليها الناس لتغيير الواقع وهدم ما تبقى من بلاطات الجور والظلم والانحراف في سجلماسة وترودانت وماسة([53])، وتمكن المرابطون من السيطرة على المنطقة دون مقاومة تذكر، وما ذلك إلا بفضل جهود طلبة الشيخ وﮔﺎﮒ الذين نشأوا على فكرة الإصلاح وظاهروا حركة المرابطين ونشروا فضلها بين الناس، قبل أ تصل إلى المنطقة.

    فكان للشيخ وﮔﺎﮒ الفضل في نقل التقاليد العلمية وترسيخها بالجنوب المغربي بل في غرب إفريقيا كله، فقد فتح هناك أول مدرسة علمية بدار المرابطين بأﮔﻠﻮ، وتخرج على يديه جم غفير من الطلبة، أرسلهم شيخهم كما أرسل عبد الله بن ياسين إلى القبائل ومساجدها ورباطاتها، ليعلموا ويؤدبوا وينشروا الخير بين الناس، مثل أولاده خاصة ياسين المستقر بتارودانت بأيت صواب، وابن أخيه الذي كان اقترح عليه الذهاب مع الكدالي إلى الصحراء قبل ابن ياسين...، كون هؤلاء الفقهاء أساس الإصلاح الفكري والعقدي السني بمنطقة سوس، ومكّنوا لمذهب مالك المتميز بالشدة في الحق والصلابة في الدفاع عنه، حيث أعدوا البيئة المناسبة، وكانت تعوزهم القوة والقدرة لتغيير ما تشهده مناطقهم من تفكك وتشرذم فدعوا اللمتونيين إلى الجهاد بجنوب المغرب لتنظيفه مما فيه من ملل ونحل منحرفة وما فيه من مناكر وضلالات، وقد أدى زحف عبد الله بن ياسين بمعية المرابطين إلى إنهاء تلك المظاهر وتوحيد المنطقة ثم المغرب كله تحت لواء مذهب السنة والجماعة وتحكيم الشرع الرباني وتَنْزِيله على المجتمع، بضمان الحقوق وتكريس الواجبات، وتمكين المجتمع من الاستقرار والانشغال بالنهضة والتنمية، فكان ذلك إيذاناً بانطلاق عهد جديد مؤسس للشخصية المغربية ونبوغها الفكري والمعرفي.


    خاتمة

    من خلال ما مر نستخلص أن وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي - بالرغم من قلة ما نعرفه عنه، وندرة ما أوردته عنه المصادر التاريخية - كان له دور عظيم في تثبيت حركة الإصلاح المالكي في القرنين الرابع والخامس للهجرة، وقد تأتى له ذلك بفضل جهوده في التدريس والتعليم والدعوة العامة والوعظ والتذكير، وأثمرت جهوده فخرج تلميذه عبد الله بن ياسين الجزولي الذي نظم القبائل اللمتونية وجعل منها قوة إصلاحية ضاربة، مكنت من توحيد المغرب سياسياً في دولة واحدة مركزية قوية، وجمع كلمة المغاربة على مذهب الإمام مالك المعتز بالسنة والجماعة، فنعم المغرب بالأمن الاجتماعي والعقدي تفرغ المغاربة للتنمية الشاملة ولتأسيس شخصيتهم العلمية والفكرية المبنية على القيم الإسلامية السمحة واليت أتت أكلها في عهود الدول المتلاحقة منذ ذلك العهد إلى الآن، وما ذلك كله إلا بفضل الشيخ وﮔﺎﮒ.. يقول محمد المختار السوسي معلقاً على ترجمته المختصرة في المصادر وما نعت به في بعض المقيدات من كونه ولياً صاحب كرامات:

    «الذي عرف به وﮔﺎﮒ في التاريخ أنه أكبر عالم تحرير وفقيه ورع كما وصفه به شيخه أبو عمران، جدير بأن يكون تلميذاً متخرجاً بأبي عمران الفاسي المتخرج بالباقلاني في بغداد. وناهيك بمن يرتضي عبد الله بن ياسين أن يجثم بيه يديه بعدما أخذ عن فطالحة الأندلس في مفتتح القرن الخامس الهجري. وهل يجثم إلا بين يدي من ليس من دون أولئك الفطاحل؟ ثم إن تلك الهمة الفذة التي أسست مدرسة في جوف البادية، وملأها بالطلبة واستطاع أن يفتح قلوباً غلفا حتى يستطيع من عرض أبنائها فرد أحوذى أن يغامر في سبيل نشر الإسلام، فيصحر ثم لم يلبث إلا قليل حتى ساق بين يديه كل الصحراويين مؤمنين مغاوير فيستنقذون المغرب والجزائر والأندلس، في القرن الخامس، من براثين الاحتلال الإسباني الغاشم، فتلك هي الحياة التي يجب أن يعرف بها وﮔﺎﮒ وكفى بها مفخرة دائمة، وأحدوثة خالدة»([54]).



    ([1]) حسن أحمد محمود، قيام دولة المرابطين، دار الفكر العربي، القاهرة، د.ت، ص. 93.

    ([2]) راجع التعريف به ومصادرها في "رياض النفوس" لعبد الله بن محمد المالكي، تحقيق بشير البكوش ومحمد العروسي المطوي، دار الغرب الإسلامي، ط. 2، 1414/ 1994، ج 1، ص. 345.

    ([3]) القاضي عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تحقيق عبد القادر الصحراوي، منشورات وزارة الأوقاف، الرباط، 1983، ج 4، ص. 204.

    ([4]) ترجمته ومصادرها في رياض النفوس، ج 1، ص. 490.

    ([5]) تراجع ترجمته في ترتيب المدارك، للقاضي عياض، تحقيق عبد القادر الصحراوي، منشورات وزارة الأوقاف، الرباط، 1968، ج 3، ص. 379.

    ([6]) كانت لفقهاء القيروان على وجه الخصوص ملاحم عظيمة في مقارعة العبيديين ومحاربتهم دوَّن فصولاً منها القاضي عياض في كتابه "ترتيب المدارك"، في مواضع متفرقة منه، وفي معالم الإيمان في مواضع متفرقة منه. (انظر مثلاً ترجمة جبلة بن حمود، تحقيق محمد الأحمدي أبو النور ومحمد ماضور، مكتبة الخانجي والمكتبة العتيقة بتونس، ج 2، ص. 272).

    ([7]) حسن أحمد محمود، قيام دولة المرابطين، دار الفكر العربي، ص. 95.

    ([8]) المرجع نفسه، ص. 98.

    ([9]) قيام دولة المرابطين، مرجع سابق، صص. 98-99.

    ([10]) أنظر الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين، القابسي، تحقيق أحمد خالد، الشركة التونسية للتوزيع، ط. 1، 1986؛ وكتاب آداب المعلمين، لابن سحنون، تقديم وتحقيق محمود عبد المولى، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1969.

    ([11]) معالم الإيمان، ج 2، ص. 270.

    ([12]) المصدر نفسه، ص. 295 وما بعدها.

    ([13]) ترتيب المدارك، مصدر سابق، ج 4، ص. 122.

    ([14]) المصدر نفسه، ص. 435.

    ([15]) تراجع تراجم هؤلاء الأعلام في: "ترتيب المدارك" و"معالم السنن" و"رياض النفوس"...

    ([16]) تراجع ترجمته في ترتيب المدارك، مصدر سابق، ج 6، ص. 215.

    ([17]) أبو عمران الفاسي الغفجومي حافظ متفوق درس بالمغرب وبالقيروان والعراق والأندلس ثم عاد إلى فاس متفرغاً للتدريس حتى أخرج منها فاستقر بالقيروان وبقي بها إلى وفاته سنة 430 ﻫ وقد أخذ عنه جم غفير من الطلبة واستفادوا من علمه وأخلاقه (انظر ترجمته عند القاضي عياض، ترتيب المدارك، ج 7، ص. 243-252).

    ([18]) ذكر البكري مدينة نول فقال: «ومدينة نول آخر مدن الإسلام وهي في أول الصحراء ونهرها يصب في البحر المحيط»، (أنظر: المغرب في ذكر إفريقية والمغرب، صص. 161-162).

    ([19]) مجهول، الاستبصار في عجائب الأمصار، نشر وتعليق سعد زغلول عبد الحميد، دار الشؤون الثقافية العامة، العراق، (د.ت)، ص. 211.

    ([20]) ج 11، ص. 33.

    ([21]) كما ورد عند ابن خلدون في "تاريخه"، ج 6، ص. 182.

    ([22]) Charles de Foucault, Dictionnaire Touareg-Français, T. 1, p. 408.

    وقد طبع المعجم مصوراً بخط مؤلفه في أربعة أجزاء ضخام، وهو الآن في حكم النادر ومنه نسخة مجانية مصورة على الموقع التالي: http://d1.free.fr/getfile.p1?file=/0NZRhFd4

    ([23]) أنظر كذلك التشوف إلى رجال التصوف، ص. 89 هامش المحقق رقم 24. و:

    La langue berbère à travers l'onomastique médiévale: El-Bekri, Salem Chaker, Revue de l'Occident musulman et de la Méditerranée, année 1983, VoL. 35, p. 128.

    ويرى سالم شاكر أن اللفظة كانت سائدة بالأمازيغية المغربية ولكنها سرعان ما عوضت بكلمة الفقيه وبقي استعمال كلمة (أﮔﺎﮒ) عند الطوارق في شمال مالي.

    ([24]) بيوتات فاس الكبرى، شارك فيه ابن الأحمر، ص. 28، دار المنصور، الرباط، 1972.

    ([25]) وقد نقل ذلك العلامة محمد المنوني في مقاله: «المؤسسات التعليمية الأولى بسوس»، مجلة المناهل، العدد 34، ص. 36.

    ([26]) المعسول، ج 11، ص. 3.

    ([27]) ابن أبي زرع، الأنيس المطرب بروض القرطاس، ص. 123.

    ([28]) أنظر مثلاً التراجم التي ساقها المالكي في "رياض النفوس"، بجزأيه.

    ([29]) أنظر حول أدوار الرباطات: عبد الريم الشّبلي، «الأربطة والمرابطة بإفريقية من خلال النوازل المالكية (ق. 8-10 م)»، مجلة التاريخ العربي، العدد 25، شتاء 2003، ص. 195 تصدر عن الجمعية المغربية للمؤرخين، الرباط.

    ([30]) قال ابن خلدون: «كان منهم الفقيه وﮔﺎﮒ بن زيرك صاحب أبى عمران الفاسي وكان نزل سجلماسة ومن تلامذته كان عبد الله بن ياسين صاحب الدولة اللمتونية على ما مر»، كتاب "العبر"، ج 6، ص. 203.

    ([31]) أبو عبيد البكري، المغرب في ذكر إفريقية والمغرب، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، (د.ت)، ص. 165.

    ([32]) المصدر نفسه، ص. 153.

    ([33]) أنظر: التشوف للزيات، صص. 90-91 وهامش 28، وقارن بما في دور المرابطين في نشر الإسلام في غرب إفريقيا، عصمت عبد اللطيف دندش، دار الغرب الإسلامي، 1988، ص. 90.

    ([34]) يقصد الحكاية التي وردت في كتاب "التشوف" عن رحلة المصامدة إلى وﮔﺎﮒ يستسقون به، (أنظر: التشوف، ص. 89).

    ([35]) المعسول، ج 11، ص. 37.

    ([36]) رسالة صغيرة ألفها صالح بن أبي صالح عبد الحليم المصمودي، حول مسألة القبلة في المغرب، مخطوط الخزانة العامة رقم: 985 ق، وصدر بتحقيق المستشرقة الإسبانية مونيكا ريوس تحت عنوان "القبلة في الأندلس والمغرب الأقصى، في 61 صفحة للنص العربي، وطبع ضمن منشورات معهد "مياس فاليكروزة للتراث العلمي العربي بكلية الآداب ببرشلونة سنة 2000. غير أن هذه الطبعة مليئة بالتصحيفات، وأكثر ما وضعته المحققة في الهوامش هو الصحيح خاصة بالنسبة لأسماء الأعلام، ومرد ذلك إلى ضعف معرفتها بالعربية والأمازيغية - لغة أسماء الأعلام - على السواء وقلة معرفتها بالمجال الذي يعالجه المخطوط وهو علم الفقه. وأشكر بالمناسبة أخي الأستاذ أحمد بن محمد السعيدي على إتحافي بهذه النسخة المصورة من أستاذنا الدكتور محمد المغراوي حفظه الله بكلية الآداب بالرباط.

    ([37]) رسالة القبلة، المخطوط، ص 16 والمطبوع، صص. 45-46. وقد استخدمنا في كتابة أسماء الأعلام ما يردها إلى نطقها الأصلي الأمازيغي مثل اﻟﮕﺎف واﻟژاي (الزاي المفخمة).

    ([38]) التشوف، مصدر سابق، ص. 89 هامش: 24.

    ([39]) رسالة القبلة، ص. 47.

    ([40]) المصدر نفسه، ص. 44.

    ([41]) الأنيس المطرب بروض القرطاس، ص. 123.

    ([42]) الاستقصا، مصدر سابق، ج 2، ص. 6.

    ([43]) نسبة إلى تمنارت وهي منطقة بها عدة قرى في جنوب المغرب وقد وردت مصحفة بتاماناوت في "المغرب..." للبكري، ص. 165. ونقل ذلك التصحيف عدد من الباحثين الذين لا يعرفون المنطقة ولا أعلامها، (أنظر مثلاً: دور المرابطين في نشر الإسلام في غرب إفريقيا، عصمت دندش،
    ص. 62)، وأعجب لتأويل المؤلفة اسم قبيلة جزولة (إﻳﮕﻮزولن) الموجودة في جبال سوس إلى ﮔﺪالة (إﻳﮕﺪالن) الموجودة في الصحراء، (وراجع تعريف عبد الله بن ياسين عند المختار السوسي في "المعسول"، ج 11، ص. 39).

    ([44]) معاينة شخصية وزيارات متعددة للمكان المذكور فيما بين سنتي 1992 و2009.

    ([45]) لم يشر أي مصدر إلى تاريخ وفاة العلامة وﮔﺎﮒ، إلا ما كان من الأستاذ محمد بن عبد الله الروداني الذي ذكر في تحقيقه كتاب "إيليغ قديماً وحديثاً، أنه توفي في هذا التاريخ دون ذكر المصدر، (أنظر: ص. 7، المطبعة الملكية 1966).

    ([46]) المدارس العلمية العتيقة بالمغرب وإشعاعها العلمي والأدبي، المدرسة الإلغية بسوس نموذجاً، المهدي بن محمد السعيدي، منشورات وزارة الأوقاف، الرباط، 2006، ص. 26.

    ([47]) محمد المختار السوسي، ص. 16.

    ([48]) ص. 29، ولعل قائلاً يقول إن اسم سوس في هذه المرحلة الوسيطة كان يطلق على رقعة واسعة من بلاد المغرب غير أن مراجعة نص ما ورد في بيوتات فاس يظهر أن المقصود السوس الأقصى بدليل حديث المؤلف عن فتح بلاد السوس والزحف إلى درعة وسجلماسة ثم المصامدة وهزميرة وهيلانة ووريكة وأغمات.

    ([49]) المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، ص. 166، ونرى هنا أن الشيخ وﮔﺎﮒ ما زال مقيماً بملكوس لما رجع إليه عبد الله بن ياسين، ومن هنا نعرف أنه تأخر في الانتقال إلى أﮔﻠﻮ..

    ([50]) النويري، نيل الأرب، ص. 22.

    ([51]) كتاب العبر، مصدر سابق، ج 6، ص. 183.

    ([52]) المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، مصدر سابق، ص. 166.

    ([53]) المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، مصدر سابق، ص. 166 وما بعدها.

    ([54]) المعسول، مصدر سابق، ج 11، ص. 38.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 364
    تاريخ التسجيل: 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء أبريل 17, 2012 5:22 pm

    *الأصول الفكرية لدولة المرابطين..**وآثارها الصحراوية** *

    * *

    *تقديم*

    *يرمي هذا العمل إلى استبيان ملامح القاعدة الفكرية التي على أساسها قامت دعوة
    المرابطين في صحراء صنهاجة خلال القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي.
    وبذلك فإن هذه المراجعة تندرج في سياق المساهمة في إحياء تاريخ الحقبة
    المرابطية، الذي لا يزال بحاجة إلى دراسات معمقة تقدم معطياته بوجهها الحقيقي،
    لا سيما وأن بعض دارسي هذه الحقبة قد حاولوا إبقاء التاريخ الثقافي المرابطي
    وشواهده غميسة أو هامشية. ومن ذلك زعمهم أن هؤلاء الظواعن الصحراويين قد قضوا
    على رونق الحضارة الزاهر في الأندلس وأعدموا الذِّمَاء الباقي من الثقافة في
    المغرب([1]). وهو مردود منطقياً وتاريخياً.*

    *لكن هناك أعمالاً لها قيمتها التي لا تنكر، أنجزت حول المرابطين، لكنها مع ما
    تحوزه من دقة معرفية، لم تتناول بشمولية دور العامل الفكري في تاريخ الحركة.
    وقد يكون هذا القصور راجعاً إلى اعتبارات منهجية بحتة فرضت نفسها على مُنْجزي
    تلك الأعمال، كضرورة تركيزهم على قضايا بعينها([2])، أو لاندراج إسهاماتهم ضمن
    حقول أخرى غير تاريخ الذهنيات([3]).*

    *وبالرغم من ذلك فإن هناك قراءات بارزة حاولت وضع الحركة في سياقها الفكري -
    الإصلاحي، حيث لفتت الانتباه إلى منْزلة الحركة المرابطية من المد السني
    الأشعري الذي ساد المشرق إبان صعود الحركة، كما أكدت على دور قادة هذا المدّ
    في التهيئة للدعوة المرابطية، معتبرة بذلك عبد الله بن ياسين وسلفه من
    الفقهاء، جزءاً من شبكة الدعاة السنيين العباسيين الذين حاولوا الالتفاف حول
    الحركات الباطنية وذلك بتطويقها من الشرق والغرب الإسلاميين.*

    *ونحن نقبل هذا الطرح في خطوطه العريضة لكنه يظل مثغوراً ما لم يُفهم الدور
    الذي قامت به المدرسة الأشعرية في التمهيد لعملية توحيدية حاسمة كتلك التي قام
    بها ابن ياسين وأمدها ومهّد لها فقهاء المالكية في الغرب الإسلامي، دون أن
    يعني ذلك أي حضور بارز للأشعرية في التّديُّن المرابطي.*

    *والمعروف نشر المرابطين للإسلام السني في الصحراء والمناطق التي افتتحوها، لكن
    المتفحص لهذه الوحدة العقدية يلاحظ غياب دور واضح فيها للأشعرية، رغم أن هذه
    الأخيرة كانت من مشمولات الخطاب الفكري المرابطي، من حيث وجود الأفكار
    الأشعرية لدى كبار العلماء المشارقة وبعض المغاربة ممن كانوا شيوخاً لسلاسل
    فقهاء المشروع المرابطي. وكذلك بالنظر إلى مقتضيات الظرف التاريخي التي جعلت
    الحركة المرابطية جزءاً من حركة المدّ السني المعنية.*

    *ومن هنا ينبغي التساؤل عما إذا كان المحمول السياسي للأشعرية ممثلاً في
    الشرعية العباسية هو وحده الذي انتقل إلى الفضاء الفكري الممهّد للحركة؟ وما
    هي الظرفية المركبة التي اكتنفت علاقة الأشعرية بالفقهاء في المغرب الإسلامي
    ثم الإسلام المرابطي.*

    *وهل يتعلق الأمر بكون الدعوة المرابطية لم تكن أبداً إلا مشروعاً مالكياً
    خاصاً بهموم الفقهاء في المغرب الأقصى؟*

    *أم أن حقل الدعوة المرابطية وخصوصيته كانت هي العوامل الحاسمة في عملية
    الاختيارات الفكرية الكبرى للحركة المرابطية؟*

    *إنه للإجابة عن مختلف هذه الأسئلة، يقتضي الأمر الحديث عن طبيعة الإسلام
    الصنهاجي بوصفه المجال الذي غيرت فيه دعوة الحق ومنه انطلقت فاتحة وموحدة.*

    * *

    *خصوصية حقل الدعوة المرابطية*

    *يبدو أن صنهاجة الصحراء قد تعرفوا على الإسلام لأول مرة بعد اصطدامهم بحملات
    الفتح العربي، وهو الاصطدام الذي مس بشكل خاص المجموعات الصنهاجية الأكثر
    تغلغلاً في السوس الأقصى([4])، إلا أن هذه العملية لم تؤدّ إلى أسلمة
    المغزوِّين لأن المصادر تحدثت بعد ذلك عن سرايا عربية ظلت تنطلق من السوس في
    اتجاه الصحراء وافترض أنها وصلت إلى حدود نهر السنغال([5]).*

    *والمفهوم أن هذه العمليات الحربية الخاطفة كانت موجهة ضد الاتحاد الصنهاجي
    الذي يقوده أمراء عشيرة "أنْبيتا" اللمتونية، والذي استمر مسيطراً على أودغست
    306 ﻫ/ 918 م([6])، حيث أنه بعد انفراط هذا التحالف لم تشر المصادر إلى حملات
    أخرى على المنطقة. فهل يتعلق الأمر بحصول سكان الصحراء آنذاك على درجة من
    الأسلمة كافية لحمايتهم من بطش الفاتحين؟*

    *نحسب أن الأمر كان كذلك وإلا لما ذكر الإخباريون أن صنهاجة في تلك الفترة
    كانوا على السنة مجاهدون للسودان، وأن رئيس حلفهم عبد الله بن تفاوت كان «من
    أهل الفضل والدين والحج والجهاد»([7]).*

    *إلا أن هذا الإسلام «السني» و«الجهاد» ضد مشركي السودان قد لا يعني تعميق
    الأسلمة بين الصنهاجيين بدليل سطحية إسلامهم التي كشف عنها بدءاً أمر
    المرابطين. بل إن قصارى ما يمكن فهمه من تلك «السنية» هو تميز الإسلام الصنهاجي
    على ما يجاوره من الدوائر الدينية والمذهبية المنتشرة آنذاك حول الصحراء، ومن
    هنا لم ينسب الصنهاجيون إلى أي من تلك الفرق والمذهب، وبذا لم يصنفوا ضمن
    الكتابات التي أشارت إليهم إلا في عداد أهل السنة([8]).*

    *ولكن هل كانت هذه الخصوصية التي اتسم بها إسلام صنهاجة الأول، عاملاً حاسماً
    من بين المؤثرات الهامة الأخرى، في الاختيارات الفكرية للحركة المرابطية؟ أو
    بتعبير آخر هل إن سنية المرابطين كانت مرتبطة بحقل الدعوة الأول؟ بحيث ما كان
    لهذا الحقل أن يتقبل أسلمة لا تستجيب لخصوصيته التاريخية "العقدية" التي ميزته
    عن الدوائر المذهبية المحيطة به؟*

    *إن الباحثين([9]) يربطون بين المشروع المرابطي وعملية المد السني التي بدأها
    الأشاعرة على مستوى المشرق، أي أنهم يعتبرون الحركة المرابطية عملية تطويق من
    الغرب للمذهب الإسماعيلي استكمالاً للدور الذي قام به السلاجقة شرقاً،
    وبالتالي فإن رحلة زعيم صنهاجة الصحراء يحيى بن إبراهيم الكدالي إلى الحج كانت
    قد تأثرت بهذا المد السني، خصوصاً وأن موسم الحج غالباً ما يكون مرتعاً خصباً
    للفرق الإسلامية التي تتلقف فيه حجاج الآفاق لتنشر بينهم مبادئها وآرائها([10]).
    فمن غير المستبعد أن يكون الدعاة السنيون (في مكة؟ في المدينة؟ في القيروان؟)
    هم الذين بادروا بالاتصال بيحيى بن إبراهيم وعرضوا عليه مرشداً ومربياً ليعرف
    قومه على شؤون الإسلام وأحكامه([11])، أو لعلهم أحالوا الأمير الصنهاجي إلى
    قادة المالكية في القيروان لقربهم من بلاده نسبياً، ولدرايتهم بشؤون الغرب
    الإسلامي([12])، ومن هنا يصبح داعنة المرابطين الأول عبد الله بن ياسين
    وخلفاؤه وأشياخهم مندرجين في سلسلة من الدعاة السنيين العباسيين([13]).*

    *إننا نقبل مثل هذه الطروحات لكنها مع ذلك تظل قائمة ما لم يفهم الدور الذي
    لعبته الأشعرية في التمهيد للحركة المرابطية أو بمعنى آخر ما لم تفهم صلة
    الأشاعرة بالمشرق بشبكة الفقهاء المالكيين التي نظرت لحركة المرابطين، أو
    بمعنى آخر أي بكلمة واحدة قياس منْزِلة العقد الأشعري من المشروع الفكري
    المرابطي عموماً.*

    * *

    *البعد الأشعري للحركة المرابطية*

    * أولاً يجب التذكير بموقف المالكية عموماً من علم الكلام ومن العقائد التي
    تستخدمه لإكمال «معقولية» أنساقها الفكرية.*

    *لقد كانت العقيدة السلفية التي يرأس القائلين بها الإمام مالك وباقي الأئمة
    الأربعة «عقيدة خالية من أساليب علم الكلام وأهله، تقرر العقائد بدءاً ولا
    تعالجها عقلاً»([14]). أما بناء الخطاب «الكلامي» الأشعري من عقيدة أهل السنة،
    التي أصبحت تجمع بين عقيدة أهل السلف وآراء الأشاعرة، فقد تَمّ مع أبي الحسن
    علي بن إسماعيل الأشعري الذي كان متكلماً معتزلياً ثم تحول إلى عقيدة السلف
    ولكنه حمل معه آراءه الكلامية فحاول بناء عقد سني وسطي بين رأي أهل الحديث
    والأثر "السلف" الدعاية إلى التزام حرفية النصوص وتجنب استعمال العقل، وموقف
    الاعتزال الداعي إلى جعل العقل رائداً مما جعل مذهب الأشعري على حد رأي
    الباحثين([15]) يعكس تيارين فكريين متعارضين ظلاً متعايشين في مذهبه. ومن هنا
    إبهامية المذهب الأشعري وازدواجيته، ومن هنا أيضاً ذلك الموقف الحذر إن لم نقل
    المعارض الذي يوجبه به هذا العقد في الأوساط السنية، فابن الجوزي، وهو من
    الحنابلة المتأخرين ذهب إلى اعتبار الأشعري أحد المسؤولين عن «تلبيس العقائد»
    حيث يقول: «إن الأشعري ظل على مذهب المعتزلة زمناً طويلاً ثم تركه، وأتى
    بمقالة خبط بها عقائد الناس»([16])، وهذا ما يفسر الخصومة الشهيرة بين
    الحنابلة والأشاعرة في بغداد.*

    *أما المالكيون فقد كان موقفهم متشدداً في رفض علم الكلام أسوة بالإمام مالك
    الذي حارب علم الكلام بشدة، خصوصاً في مسألة الصفات وعلاقتها بالذات. كما كان
    يرفض الرد العقلي على البدع، لأنه في رأيه رد بدعة ببدعة. وتظهر سلفية عقيدة
    مالك في أنه كان([17]) يغلب التنْزِيه في الصفات، ويأمر بأن بفهم الآيات
    المتحدثة عن الصفات (كما جاءت) لا بمعنى إجرائها على ظاهر النص فحسب، بل
    ويشترط أن لا يؤدي ذلك إلى مشابهة الله بالمخلوقين([18])، إلا أن النفس
    الأشعري مع ذلك قد تسرب إلى آراء وكتابات فقهاء المالكية بالقيروان خصوصاً
    إبان ظهور شيخ الأشاعرة ببغداد أبي بكر الباقلاني (ت. 404 ﻫ/ 1013 م) ([19]) الذي
    انتشرت آراؤه وكتبه وتوزع أتباعه في أمصار الإسلام، وكان من أعظم المتصلين به
    من بين المالكيين في القيروان المنظر الأول للمشروع المرابطي الفقيه أبو عمران
    الفاسي (ت. 420 ﻫ/ 1028 م) فهل انتقلت الأشعرية عبر هذا الفقيه إلى فقهاء
    المشروع المرابطي؟ أم إن هناك خصوصية في مستوى التلقي المعرفي بين المعنيين
    إلى جانب عوامل خاصة بحقل الدعوة الأول حالت دون حضور قوي للأشعرية في الإسلام
    المرابطي في الصحراء والمغرب؟*

    * *

    *خصوصية التلقي المعرفي*

    *لقد اعتمدت الدعاية السنية على الأشعرية كخطاب سني وسطي، إذ لم يكن لعقيدة
    السلف أن تقاوم، في نظر أصحاب هذا المشروع، الحركات الباطنية وفرق الزندقة
    المتشعبة بالموروث العقلاني الفلسفي والآراء والأفكار الغامضة لحضارة ما قبل
    الإسلام. غير أن الأشاعرة قد عرفوا نهضتهم البارزة بشكل خاص على يد القاضي
    الباقلاني الذي كان ظهوره بالغ الحسن الأشعري فتصدر للإمامة في طريقته فهذبها
    ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار([20]) فضلاً عن أنه
    كان مالكي المذهب بل إنه قد «انتهت إليه رئاسة المالكية في وقته»([21])، وقد
    نشر الباقلاني تلاميذه في الأقطار من أجل الدفاع عن الأشعرية([22])، فهل انتقلت
    الأشعرية ومحمولها السياسي إلى فكر الفاسي فنقلها هو بدوره إلى أتباعه؟ إن
    الفاسي كان يعلن التزامه بالشرعية العباسية ويدافع عنه([23])، ولعل هذا هو ما
    انتقل إليه من المحمول السياسي لذلك التأثير الأشعري، أما عن علاقته بالأشعرية
    فإن الفاسي كان أولاً قد شد الرحال من بلده فاس إلى القيروان وبها تفقه بأبي
    الحسن القابسي([24])، ورغم أن القابسي لم يكن تلميذاً للباقلاني لكنه من طبقته
    حيث توفيا في نفس السنة (3-404) واشتركا في بعض التلاميذ. لكن الذي لا شك فيه
    هو أن القابسي قد اطلع على أشعرية الباقلاني وأفاد منها، فقد كانت له رحلة إلى
    المشرق([25])، غير أنه من الواضح أن القابسي لم يكن يلقن تلاميذه غير آراء
    مالك في العقيدة والتي هي في الأساس «عقيدة أهل السلف»([26])، كما لم يؤثر عن
    صنهاجة الصحراء أنهم اتصلوا بهذا الفقيه عبر استفتاءات وأسئلة موجهة إليه
    تماثل تلك التي كانت تصله من تجار القيروان والغرب الإسلامي ممن كانوا ينتشرون
    في الصحراء، خصوصاً في مدن تادمكه وأوداغست([27]). ومن هنا لم يتعرف أبو عمران
    على الأشعرية من خلال القابسي ولكنه إن كان قد عرفها فمن طريق المالكية وشيخه
    الباقلاني، فقد شد أبو عمران الرحلة إلى المغرب وعندما وصل إلى بغداد اجتذبته
    حلقات فقه العلوم([28])، وللوهلة الأولى يجب التأكيد على أن الفاسي لم يدرس
    حسب رأي عياض السبتي على الباقلاني غير علم الأصول([29])، إلا أن عملية التلقي
    هذه قد تركت في نفس الفاسي أثراً عميقاً جعلته يتحدث عنها قائلاً إن شيخه
    الباقلاني «سيف أهل السنة في زمانه، وإمام متكلمي أهل الحق في وقتنا (...) وقد
    رحلت إلى بغداد وكنت قد تفقهت بالمغرب والأندلس عند أبي الحسن القابسي وأبي
    محمد الأصلي وكانا عالمين بالأصول فلما حضرت مجلس القاضي أبي بكر رأيت كلامه
    في الأصول والفقه والمؤالف والمخالف حقرت نفسي وقلت: لا أعلم من العلم شيئاً
    ورجعت عنده كالمبتدئ...»([30]). إن الفاسي هنا يتحدث عن آراء شيخه باعتبارها
    «طريقة أهل الحق» وهو مفهوم فضفاض لا يعبر عن اقتناعه بأراء الأشعرية، وذلك
    لأنه لم يدرسها ابتداء إلى جانب معارفه من الفقه والأصول التي رده الباقلاني
    فيها "كالمبتدئ" ثم إنه من المأثور عن الفاسي أنه وصل إلى بغداد وهو لا يحسن
    إقامة الدليل "الكلامي" على قضايا الشريعة([31])، اللهم إلا إذا كانت عودته
    إلى القيروان وما حسمه فيها من قضايا كانت تشوش عقائد العامة([32]) واقعاً
    يؤكد حصوله على زاد أشعري تلقاه في بغداد وأبقاه طي الكتمان جرياً على سنن
    اتخذه الباقلاني إزاء علوم "الأوائل"([33]). ومهما يكن الأمر فإن الفاسي لم
    يعلن "آراءه" الأشعرية في القيروان بل بقي ينشر مورث الأصول الذي تلقاه عن
    الباقلاني، وعلوم الحديث التي درسها على أبي ذر الهروي في مكة([34]). كما أنه
    لم يترك نصاً يفيد تأثره بالعقد الأشعري بل إن تآليفه قليلة نادرة أشهرها
    "كتاب التعاليق على المدونة" وهو مؤلف في فقه المالكية قليل التداول([35]).
    وحتى إذا كان الفاسي قد تعمق في الفقه الأشعري وآراء أهل الكلام فإن هذا
    الجانب من زاده العلمي لم ينشر بين تلاميذه خصوصاً وجاج بن زلوه الذي درس عليه
    داعية المرابطين عبد الله ابن ياسين، والظاهر أن أبا عمران الفاسي كان يؤثر في
    تلاميذه بكيفيات مختلفة تعاليمهم الفكرية ومشاغلهم الخاصة، لذا كان منهم من
    غلب عليه التأثر بالفقه ومنهم من تأثر بعلمه في العقيدة إلى جانب علمه في
    الفقه وعلى حسب ذلك كانت آثارهم ونتائجهم([36]). فلعل هذا التقليد وحده هو ما
    انتقل من الفاسي إلى وجاج ثم إلى ابن ياسين ومن هنا عمل هذا الأخير على إشاعة
    العقد السلفي في الصحراء ولم يستطع أن يخرج على ذلك السنن المالكي الصارم رغم
    أنه كان قد دخل الأندلس ودرس بها علوماً كثيرة وصف معها أن كان مشاركاً في بعض
    العلوم التي قد تكون زاداً من "علوم الأوائل([37]). ورغم أهمية هذه العوامل في
    الحد من انتشار الأشعرية بين فقهاء المرابطين الأول إلا أنها عوامل تظل متصلة
    بتقاليد المعرفة أي بالنسق الفكري وآلياته، وهي بذلك على أهميتها، تبقى غير
    حاسمة في الإجابة عن أسباب غياب الأشعرية في عملية الأسلمة المرابطية على
    مستوى صحراء "الملثمين".*

    * *

    *مستوى الحاجة الفكري*

    *إننا نحسب أن خصوصية الحق الذي نشطت فيه دعوة فقهاء المالكية بالقيروان ثم
    بالمغرب الأقصى والصحراء، هي الفيصل في عملية الاختيارات العقدية الأساسية
    للحركة المرابطية. إذ أن تبني أي نسق فكري أو سياسي من قبل دعوة أو حركة يظل
    مرتبطاً أشد الارتباط بمدى الحاجة إلى توظيف هذا النسق أو ذاك من أجل إنجاح
    المشروع المستهدف. ومن هنا كانت حاجة القوى السنية في المشرق إلى العقد
    الأشعري (الذي يحتفظ بقليل أو كثير من المشروعية السنية السلفية وتحذق أصحابه
    أساليب الحجاج والنظر) لمواجهة الخصوم الباطنيين المتسلحين بموروث الفكري
    الغنوصي والمانوي وآراء الملل والنحل المختلفة أي أن طبيعة التهديد قد حددت
    منذ البداية نوعية السلاح والأمر نفسه يصدق على محاولة الحركة الإسماعيلية في
    الغرب الإسلامي، حيث نجحوا سياسياً بفضل تركيزهم على الجانب التنظيمي السياسي
    واكتفائهم على مستوى الأفكار بنشر فكرة المهدوية بغية جمع الولاء القبلي
    البربري حول فكرة الدفاع عن حق آل البيت([38])، ولم يحاولوا نشر آراء
    الإسماعيلية في مستوياتها الباطنية في نفس المحيط البربري بين مجموعات لا
    تستطيع تقبل واستيعاب الأفكار الباطنية المعقدة إلا إذا تبلورت في شعارات تحرك
    العواطف، ومن هنا فإن طبيعة الحقل الذي واجهته كل الدعوات ضمن الإطار الإسلامي
    ونوعية الخصوم كانت هي العوامل الأساسية التي بلورت نوعية الخطاب الذي تستلزمه
    كل دعوة وحركة. ونفتقد أن تلك الخصوصيات وغيرها من الظروف هي التي وعاها
    المالكيون في إفريقية ومنهم انتقلت إلى دعاة المرابطين الأول فساهمت بذلك في
    اختياراتهم الفكرية الأساسية فضلاً عن تأثير حقل الدعوة في الصحراء وظرفيتها
    السياسية في المغرب وطبيعة القائمين بالدعوة نفسها كل ذلك ساهم في نفس عملية
    الاختيار، ذلك لأننا إذا لم ننطلق من هذا المنحنى لا نستطيع سوى تقديم إجابة
    عائمة عن الأسباب التي جعلت ابن ياسين يتنكب المنهج الأشعري بل وأساليب علم
    الكلام من أساسها، ويولي وجهة شرط المالكية النصانية وآرائها التي تلائم الوسط
    البدوي الذي ينوي بعض الدعوة من أعماقه، إننا يمكن أن نرجع هذا التوجه
    وخصوصيته الدعوية إلى مستويين اثنين:*

    * *

    *أولاً: الخصوصية النسقية للمالكية: تتمثل هذه الخصوصية في التقليد العلمي
    المأثور عن مالك بن أنس والقاضي برفض «الرد العقلي على أهل البدع لأنه في رأيه
    رد بدعة ببدعة، ويرى ضرورة الرد عليها بالنقل»([39]). ولذا فإنه إذا جاء بعض
    أهل الأهواء كان يقول: «أما أنا فعلى بينة من ربي وأما أنت فشاك فاذهب إلى شاك
    مثلك فخاصمه»([40]). وهو تقليد ازداد صلابة على يد فقهاء الغرب الإسلامي سواء
    منهم أولئك الذين تلقى عنهم ابن ياسين فقه المالكية أو غيرهم من "الأعلام"
    الذين يندرج هو نفسه في سلكهم وقد تدعم هذا المنحى واشتد أثره في فكر ابن
    ياسين عندما خبر بنفسه طبيعة المناوئين لدعوته في صحراء الملثمين.*

    *ثانياً: محدودية عنصر الخصوم: لنفترض أن العقد الأشعري وما يصطنعه أصحابه من
    أساليب الحجاج والنظر كانت جلية واضحة في خطاب الدعوة المرابطي عند ابن ياسين،
    فضد من سيوظف هذا الأسلوب الفكري المجادل، وعنصر الخصوم الذي استدعى اصطناع
    مثل تلك الأساليب عنصر غير حاضر في صحراء الملثمين حضور يتأسس وجود أصحابه في
    إطار مشروع فكري إيديولوجي. ذلك أن صحراء الملثمين كانت تعرف بشكل خاص وجود
    نحل وديانات وفرق تتراوح بين الأديان السماوية والأفكار الوثنية إلى جانب
    المجموعات التي تعتنق آراء الفرق الإسلامية المبتدعة([41])، ولم يكن حضورها في
    المنطقة إلا حضوراً سياسياً واقتصادياً مما جعل مناوءتها ومصاوأتها من قبل
    المرابطين تغلب منازلة بالسيف والسنان لا بالقلم واللسان. ولعل هذه الخصوصية
    الدعوية هي التي جعلت بعض الباحثين يعتبر الدعوة المرابطية في الصحراء قد قامت
    بنشر الإسلام السني بدل مثيله الإباضي الذي كان قد انتشر في المنطقة على يد
    الدعاة الأباضيين الأول([42]).*

    *ويبقى السبب الحاسم في غياب الأشعرية من الفضاء المرابطي هو السبب الهيكلي
    المتمثل في عدم تقبل البدو الرحل للنّزعات الباطنية، والعقائد الموغلة في
    التجريد الذي تدق به عن أفهام "العامة". ناهيك عن أن حضور المتكلمين السنيين
    الأشاعرة المتمحضين لمعلم الكلام إلى الصحراء كان قليلاً وهو إلى ذلك ضئيل
    التأثير.*

    *ففي العهد المرابطي الأول وصل إلى الصحراء قادماً من أغمات المتكلم الأصولي
    أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي المرادي القيرواني (ت. 489 ﻫ)([43]) «وقد كان
    الحضرمي أول من أدخل علوم الاعتقادات إلى المغرب الأقصى»([44])، وبالتالي فإن
    حقل الأشعرية لم يكن أمامه معبداً بانتفاء وجودها ابتداء في المنطقة، ولذلك لم
    يؤثر عن الحضرمي أنه نشر في صحراء الملثمين آراءه في العقد الأشعري رغم أنه
    صاغ هذه الآراء ضمن أرجوزات مختصرة سهلة الحفظ([45])، وما دامت لم تبق لنا
    منها أثرة أو نماء يبني عليه المتأخرون فمعناه أن صاحبها لم يستطع إشاعتها في
    الأوساط الصحراوية، أو حاول ذلك، ولكنها كانت محاولة لم تؤت ثمارها لانتفاء
    الحاجة إليها أصلاً.*

    *ومن هنا يمكن تفسير كون شخ الأشعرية بأغمات أبا الحجاج موسى الكلبي الضرير
    كان آخر أئمة المغرب فيما أخذه عن الحضرمي من علوم الاعتقادات بالمغرب الأقصى(
    [46])، وبعده توارت الأشعرية إلى حين، وبذلك يمكننا اعتماد قولة العروي([47]) التي
    مؤداها أنه بعد استتباب أمر المرابطين حدث التخلي عن الكلام الأشعري رغم مقام
    الباقلاني؟ وهو سؤال نعتقد أنه في غير محله نظراً لكونه لا يفسر كيف يتم
    التخلي عن نسق فكري لم يتقبل منذ البداية أو يستخدم عملياً، ثم لأن الطابع
    المذهبي المالكي قد طغى منذ البداية على مشروع الحركة المرابطية فضلاً عن أن
    أهل الصحراء قد تقلبوا هذا المذهب وبسهولة تفسر نجاح دعوة المرابطين
    واستمرارها في المنطقة.*

    * *

    *البعد المالكي للحركة المرابطية*

    *يبدو أن العوامل التي أدت إلى ضمور الأشعرية في الإسلام المرابطي، كانت هي
    الفاعلة لتمكين المذهب المالكي في الصحراء، وفي القاعدة الفكرية للحركة
    المرابطية. فطبيعة المذهب المالكي من حيث جوهره، هي طبيعية قوامها الإبعاد عن
    أساليب أصحاب علم الكلام والمنطق أي عن الرأي. ومن هنا ذلك التقليد المالكي
    القائم على كراهة ما ليس تحته عمل من قضايا ومسائل الأحكام، بحيث أصبح المذهب
    المالكي «لا يقوم على الرأي والقياس بقدر ما يقوم على النص والنقل وعلى الأثر
    والرواية»([48])، ولعل هذا جمعيه هو الذي جعل المذهب المالكي يمثل الوجه الآخر
    لعقيدة السلف التي هي على الأرجح العقد الذي تقبله أهل الصحراء لبساطته
    ووضوحه. ولعل هذا الواقع هو ما عناه ابن خلدون حين قرر «إن البداوة كانت غالبة
    على أهل المغرب والأندلس أو من في حكمهم من أهل صحراء المغرب، ولم يكونوا
    يعانون الحضارة التي لأهل العراق فكانوا لأهل الحجاز أميل لمناسبة البداوة
    ولهذا لم يزل المذهب المالكي عندهم غضاً ولم يأخذه تنقيح الحضارة وتهذيبها كما
    وقع في غيره من المذاهب..»([49]).*

    *إن هذه الخصوصية التي امتاز بها المذهب المالكي على مستوى نسقه الفكري، هي ما
    نحسبه البريق الذي ذهب إليه جماعات صنهاجة الصحراء لكونهم بدواً رحلاً لا
    يستطيعون، كحالهم مع العقد الأشعري، تقبل الأنساق الفكرية التي تميل إلى
    التعقيد أو تتبنى الأساليب الاستدلالية المفضية إليه. ومن هنا كان
    الصنهاجيون يميلون
    دائماً إلى الأفكار التي تلائم حياتهم المتمثلة في زهد موغل في البساطة، وورع
    صارم يتمثل في صرامة الأحكام و"سد الذرائع"([50])، إلى جانب قدرة مشهورة على
    التكليف مع الواقع وما يطرحه بين الحين والآخر مثل إشكالات تستدعي انزياحاً
    مقابلاً لها على مستوى المدونة المالكية([51]).*

    *ولا ننسى أن ارتباط المشروع المرابطي بشبكة من الفقهاء المالكيين قد جعل
    الخطاب السياسي للحركة يتخذ وجهته المالكية منذ اللحظة الأولى، ناهيك عن أن
    قيام الدولة المرابطية قد مكن للمذهب المالكي بين "الرعية" بل وبين أهل الحكم
    أنفسهم. وتوقر هذا الأفق السياسي والإيديولوجي الداعم للمذهب المالكي يمكن
    فهمه بالاستئناس بقول لابن حزم([52]) مفاده أن مذهبين انتشرا في بدء أمرهما
    بالرياسة والسلطان وهما مذهب أبي حنيفة ومذهب مالك بن أنس، ويتأكد تلازم
    السياسي الديني في المجال السلطوي المرابطي وارتباط صحراء الملثمين بهما، من
    مراجعة فتويتن وردتا في "المعيار المغرب.."، كبراهما([53]) للفقيه ابن رشد([54]
    )، والصغرى([55]) للفقيه ابن حمدين([56])، وكلتاهما إجابة عن استفتائين وردا
    من مرابطي الصحراء بشأن الأموال المختلطة وكلها من المواشي التي خاطها المال
    المغصوب الناتج عن عملية السلب والنهب التي ظلت بعض قبائل المنطقة تعرفها،
    ربما قبل بدء أمر المرابطين، ومهما كان الطابع الفقهي للأسئلة وطبيعة الردود
    وملابساتها، فإن توجيهها إلى هذين الفقيهين يدل على نوع ما من الارتباط بالوجه
    الرسمي للمذهب المالكي، إذ إن المعنيين كانا من كبار قضاة الحكم المرابطي،
    فابن حمدين كان من أبرز متزعمي عملية الإحراق المشهورة لكتاب "الإحياء" لأبي
    حامد الغزالي([57])، أي أنه كان يتبنى علناً خطاب الدولة وعنه ينافح، أما ابن
    رشد فقد ظل من كبار فقهاء الحكم المرابطي، رغم أنه كان من الذين وقفوا من
    عملية "الإحراق" موقفاً صامتاً يفهم أنه كان "للإحياء" أكثر مما قد يكون عليه(
    [58])، إلا أنه ظل يحترم الشرعية المرابطية ويذكر رموزها بالتعظيم([59]).*

    *وإلى جانب هذا التعلق الصحراوي بالمذهب الرسمي للدولة و"ممثليه" لدى مركز
    الحكم، ترد إشارات هامة ضمن فتوى ابن رشد تؤكد حضور الوجه الآخر لعملية التعلق
    نفسه، وهو الوجه السياسي، فالفتوى الرشدية تشير إلى أن «الأموال المختلطة
    المشار إليها كانت تقدم منها الهدايا لأمير المسلمين ناصر الدين»([60])، وهو
    لقب أمراء المرابطين منذ عهد يوسف بن تاشفين (480-500 ﻫ/ 1087-1106)([61])،
    ناهيك عن أنها تصرح كذلك بوجود أمير مولي على الصحراء وقبائلها من قبل أمير
    المسلمين نفسه، الأمر الذي يؤكد أن المنطقة ظلت على تبعيتها القوية للسلطة
    المرابطية في مراكش، وجهازها الإيديولوجي المرابطي، على الأقل حتى عهد علي بن
    يوسف بن تاشفين (500-537 ﻫ/ 1102-1142)، ومن هنا يمكن تفسير الأسماء التي ترد
    في نصوص غميسة عن أمراء صنهاجيين في الصحراء بأنها تعني الولاة المعنيين من
    قبل الحكم، في مراكش على المنطقة([62])، ومن نفس السياق يمكن فهم نفس الأصداء
    التي تتردد ضمن الروايات المحلية المدونة في موريتانيا اليوم([63]). أما
    الفضاء الإيديولوجي المرابطي فلربما ظل موجوداً في الصحراء بحكم بقاء الحكم
    المالكي مسيطراً فيها، ثم بحكم التقليد الذي يذكر البكري أنه استمر بين
    الصنهاجيين، والذي يقضي بأنهم كانوا لا يقدمون للإمامة إلا من صلى خلف ابن
    ياسين([64]).*

    *ومهما كان دور هذه الملابسات في إبقاء المذهب المالكي الإطار الأمثل لإسلام
    الصحراويين وعلاقتهم بالمرابطين، فإن مستويات التلقي المعرفي وخصوصيات التلقي
    تظل هي الأساس في ترسيخ المالكية بين "طبقة الفقهاء المرابطين"، التي احتضنت
    منظري الحركة المرابطية ودعاتها الذين بعثوا المشروع التوحيدي المرابطي
    والمذهب المالكي في الصحراء.*

    * *

    *طبقة فقهاء المرابطين*

    *إن المتفحص لكتب التراجم يلاحظ اندراج أبي عمران الفاسي([65]) وتلاميذه ومن
    تخرجوا عليهم معاصري هؤلاء ضمن طبقة من الفقهاء موزعة على مجالات مدينية قبلية
    وساهمت بدرجة أو بأخرى في التهيئة للمشروع المرابطي ثم في إنجاحه فيما بعد.*

    *دراساته في فاس: رغم أن هذه المدينة كانت قد عرفت فئة من علماء المالكية
    المتمكنين أمثال أبي ميمونة دراس بن إسماعيل (ت. 375 ﻫ/ 968 م) والذي كان قد
    دخل الأندلس على عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر فرابط في ثغورها وهو لا يزال
    يطلب العلم([66])، ومن طبقته يرد اسم موسى بن يحيى الصدين (ت. 388 ﻫ) وأصله من
    فاس، وكان «كبير فقهاء بلده وشيخهم الشهير بوقته وبعده..»([67]). ورغم أن هذه
    الأسماء قد مهدت للمالكية في فاس، إلا أنها لا تنتمي للطبقة المعينة، لكن هناك
    جملة أسماء أخرى عاصرت الفاسي فاندرجت بذلك في سلك المالكية الممهدة للحركة
    المرابطية، بحكم الروابط التي جمعتها مع فقهاء اتصلوا بأبي عمران بطريق مباشر
    أو من وجوه معرفية غير مباشرة كالأسانيد وما شاكلها. ومن أبرز هذه الطبقة ترد
    الأسماء الآتية:*

    * *

    *- هناك الفقيه عثمان بن مالك و«زعيم فقهاء المغرب بوقته»، والمرجح أن أبا
    عمران قد درس على ابن مالك هذا، لأنه توفي سنة (444 ﻫ) ولأن فقهاء فاس قد
    أخذوا عنه على ما يذكر صاحب "المدارك"([68]).*

    *وقبل أن يرحل أبو عمران إلى القيروان أخذ عنه في فاس وجاج بن زلوه اللمطي (ت.
    445 ﻫ)([69]) وعلى هذا الأخير تتلمذ فقهاء جزولة.*

    *- جزوليون: من أشهر هؤلاء عبد الله بن ياسين الجزولي (ت. 451 ﻫ) وقد ولد في
    بلاد جزولة، بقرية تمنارت([70])، وقد أعمل الرحلة في شبابه إلى الأندلس وبها
    مكث سبع سنين «فحصل علوماً كثيرة، ثم عاد أدراجه ليدرس على شيخه وجاج في إطار
    المرابطين»([71]). وهناك الأخوان الجزوليان اللذان تتلمذا على وجاج أيضاً،
    وعاصرا ابن ياسين ولعلهما شاركا في الحركة المرابطية قبل وبعد وفاته،
    والمعنيان هما أبو القاسم وسليمان ابنا عذرا (عدو) الجزوليان والأول منهما كان
    من أصحاب وجاج بن زلوه اللمطي الفقيه «حسب القاضي عياض»([72]). أما الثاني فهو
    القائم بأمر المرابطين بعد عبد الله بن ياسين لكنه لم يمكث على رأس الحركة
    طويلاً إذ توفي سنة (452 ﻫ)([73]).*

    *- من المصامدة: من غير الجزوليين يرد اسم أيوب بن محمد([74]) الذي كان فقيه
    المصامدة لعهده، ووصف بأنه من أهل العلم، ويبدو أنه أعمل الرحلة إلى المشرق
    حيث لقي أبا عمران وغيره من شيوخ القرويين [القيروانيين]، حيث كان القيروان
    محطة تقليدية لطلاب الأندلس والمغرب المتجهين صوب المشرق([75]) من هذه الطبقة
    من المصامدة أيضاً، يعرف تومارت بن تيدي([76]) ووصف بأنه من الفقهاء الفضلاء
    ولعله أخذ عنه أبي عمران أو عن أحد تلاميذه، وذلك بحكم كون مفهوم الطبقة قد لا
    يعني مجرد التزامن بين انسحاب التراجم بل إن مشموله قد ينسحب على التقاليد
    العلمية ممثلة في الأسانيد أو التلمذة أو هذا بأجمعه([77]).*

    *- من صنهاجة الصحراء: لا تنسب المصادر إليهم من هذه الطبقة غير المسمى لمتاد
    بن نفير اللمتوني الذي كان من العباد الفقهاء المعروفين بين قبيلته، كما كان
    "المثل يضرب بفتياه" في بلاد الصحراء وتعظيم أمرها([78]). والمفهوم أنه كانت
    للمتاد هذا صلة بمدرسة أبي عمران أو بوجاج نفسه، وإلا لعارض ابن ياسين عندما
    حل ببني لمتونة([79])، فضلاً عن أنه هو الذي أفتى بقتل زعيم المغراويين في
    سجلماسة، جزاء قدره بالمرابطين، إذ لا يمكن أن يصدر هذه الفتوى، وفي عهد
    الحركة الأولى وعلى مسمع ومرأى من ابن ياسين، إلا فقيه ذو شأن علمي مكين تعضده
    صلة وطيدة، أيّاً كان شكلها، بفقيه الحركة أو بشيوخه.*

    *- أغماتيون: من تلاميذ الفاسي تذكر المصادر كلاًّ من عبد العزيز والتونسي
    الزاهد ومحمد بن صدين المتوفيين في سنة (486 ﻫ/ 1093 م) في أغمات، ولعلهما
    عرفا في نفس المدينة قاضي المرابطين بازكي المتكلم محمد بن الحسن الحضرمي (ت.
    489 ﻫ) والذي وصل إلى أغمات قادماً من القيروان([80]). وهنا ينبغي التساؤل عن
    طبيعة هذا لحضور المتزامن نسبياً بين المعنيين الذين للفاسي، إلا أن القدوم من
    نفس الوجهة وفي فترة زمنية لم يكن الفاسي قد توفي فيها([81])، أمور يمكن أن
    تؤكد وجود هذه التلمذة ومع ذلك فإن سند الحضرمي يبقى مشرقياً في معظمه
    باستثناء الأديب المغربي المعروف بالقصديري([82]). ومهما يكن من أمر فإننا
    نحسب تعثر أمر الحضرمي الذي تشير إليه المصادر، ربما كان راجعاً إلى الزاد
    العلمي العقدي الذي جاء به هذا المتكلم إلى المغرب في محيط مالكي يحمل إزاء
    هذا الجانب من المعرفة موقفاً أسلفنا إليه الإشارة، إلا وقد ابتغى إليها
    الوسيلة([83])، كما أن المصادر تشير إلى حضوره في سجلماسة ربما على عهد حكامها
    الزناتيين([84])، فهل يعني ذلك الترحال الدائب إلى أرباب السلطان، عملية بحث
    عن أفق سياسي يمكن لمشروع سياسي كان الحضرمي يحمله، إننا نعتقد أن الأمر كذلك
    وأن هذا المشروع قد يكون ذا صلة بآراء الفاسي الذي نشر تلاميذه في الغرب ومهد
    المرابطين، أو يكون الحضرمي متأثراً بمناخ المد السني الذي ساد المشرق منذ
    القرن الرابع ومعظم القرن الخامس الهجريين.*

    *وعلى العموم فإن ما يهمنا من هذه الأسماء هو ما لاحظناه من روابط علمية جمعت
    بينها، كما أن المعنيين كانوا ينتسبون إلى جل القبائل والمجالات التي ساندت
    حركة المرابطين في زحفها نحو الشمال فضلاً عن أن ابن ياسين كان مندرجاً في سلك
    المعنيين كما كان قد خبر أمور قبائلهم وجاس خلال ديارهم قبل الدعوة المرابطية
    وبعدها فهل كانت طبقة الفقهاء تلك هي الإطار المذهبي الأوسع الذي أفرز شبكة
    فقهاء المشروع المرابطي؟ وكيف تَمّ ذلك وما هي ملابساته؟ وإلى أي حد كانت آراء
    المعنيين حاضرة في المشروع التوحيدي الذي حبكه تلميذهم المحنك ابن ياسين؟.*

    *إننا نعتقد أن مشروع الحركة المرابطية تبلورت في ذهن ابن ياسين على مراحل
    وارتبط بقوة بتجارب الدعوة والجهاد التي قادها قبل وجاج وأبو عمران حيث تسربت
    آراء هؤلاء إلى "برنامج" الحركة المرابطية وأهدافها. فكيف تبلورت هذه "البرامج
    الجزئية"؟ وكيف تداخلت مجتمعة في ذهن ابن ياسين مع "برنامجه الخاص".*

    * *

    *1** **-** أبو عمران ومواجهة "المظالم" الزناتية*

    *لقد عرف عهد أبي عمران الفاسي استقلال بني مغراوة الزناتيين عن الأمويين سنة
    390 ﻫ/ 1000 م وبسطهم تدريجياً سيطرتهم بدءاً من فاس حتى سجلماسة وأغمات
    وتامدولت، وقد تَمّ ذلك في ظل صراعات مستمرة وفوضى سائدة جعلت الحياة اليومية
    لا تطاق وحالت دون أي نشاط اقتصادي طبيعي في عهعد الزناتيين([85])، ويبدو أن
    شيئاً ما في هذه الوضعية العامة قد استفز أبا عمران الفاسي، وربما أيضاً بعض
    فقهاء المنطقة، ودفعهم إلى التنديد بها وعارضتها علنياً، خصوصاً وأن الزناتيين
    لم كونوا خصوماً من الوجهة الدينية بحكم كونهم من أهل السنة في ذلك الوقت، بل
    أن منهم من كان مولع بجهاد برغواطة (...) يغزوهم في كل سنة مرتين فيقتل منهم
    ويسبي([86])، كما أن الأمراء الذين ثاروا على رعيتهم بشكل حاد وفظيع لم يكونوا
    هم المعاصرين للفاسي، إذ تولوا الإمارة بعد وفاته بعقدين على الأقل([87]). فما
    هي هذه الوضعية التي أدت إلى تفاقم الأوضاع في عهد الفاسي ودفعه إلى الصدام مع
    حكام فاس؟ إننا نعتقد أن سلسلة المجاعات التي بدأت من سنة 380 ﻫ واستمرت إلى
    462 ﻫ، هي التي جعلت الزناتيين ينتهكون حقوق رعاياهم ويستطيلون على أموالهم
    بشكل دفع الفاسي إلى إعلان الثورة ضدهم بدعوته إلى تغيير منكر (المظالم) وأمره
    بمعروف رد (الحقوق) إلى أصحابها ومن هنا اكتسبت دعوته منذ البداية طابعها
    السياسي فكيف تَمّ ذلك؟ إن المصادر لا تذكر سبباً لرحلة الفاسي إلى القيروان
    وحلوله بين فقهائها، سوى أنه رحل إلى المدينة ليتفقه بأبي الحسن القابسي (3-404
    ﻫ)([88]). لكن صاحب "بيوتات فاس" يمدنا برواية جديدة تفصح عن السبب الذي أزعج
    أبا عمران في موطنه الأصلي ودفعه إلى الهجرة عنه نهائياً وقطب الرواية يدور
    حول معارضة الفقيه قيام أهل قياس بإحداه «البدع والمظالم والمغارم وأخذهم
    أموال الناس بغير حق»([89]). وقد اتخذ هذا النهي بالطبع طريقة «الأمر بالمعروف
    والنهي عن المنكر وبسبب ذلك أخرجه من فاس الطغاة من أهلها العاملين بمغراوة..
    حيث أعانوا على ذلك ولاة أمورهم من بني العافية المكناسيين ومغراوة وبني يفرن
    وكلهم من زناتة من البربر حيث ولوا من ولوا [كذا في الأصل] من على مدينة فاس
    بعد الأدارسة من الظلم والجور ما لم يسمع بمثله...»([90]). ومن هناك فإن دعوة
    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عرف الفاسي كانت تتعلق بالتصدي للحكام
    الزناتيين ومظالمهم وما أحدثوه من المظالم وهذا البعد كان حاضراً وبجلاء ضمن
    "برنامج" حركة المرابطين ولذلك فإن البكري الذي عاصر بدء أمر الحركة بالمغرب
    قد عرف القبائل المرابطية من الصحراء بأنها «هي التي قامت بعد الأربعين
    والأربعمائة بدعوة الحق ورد المظالم وقطع المغارم»([91]) الأمر الذي يؤكد
    الروابط الوثيقة بين آراء الفقهاء المعنيين بالحركة المرابطية منذ أن كانت
    مشروعاً إلى أن أضحت حركة فدولة ومن هنا لا يمكن التعويل على الرأي القائل([92]
    ) بأن مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عرف أبي عمران هو ذلك التقليد
    الذي تلقاه عن شيخه القادسي والقاضي بالنهي عن اجتماع أهل الزهد والعبادة الذي
    كانوا يجمعون بين قراءة القرآن وحكاية قصص الصالحين وإنشاد الشعر وهي حلقات
    كرسها أو تغاضى عنها المغراويون من حكام فاس الذي كانوا يحاربون غيرها من
    التجمعات التي ربما مثلت خطراً على سلطتهم وإنما كانوا يسمحون بإنشاء الرابطات
    بغية الجهاد ضد النحلة البرغواطية ولو كان طابع دعوة الفاسي بهذا الشكل من
    المهادنة لما ظهر من خطاب لزعيم صنهاجة، الذي مر به قادماً من المشرق حرصه على
    التأكيد بضرورة قلب الأوضاع الصنهاجية من خلال ثورة إصلاحية لا تخلو من العنف.
    وهو ما يتضح من استبيان المحادثة التي جرت بين الفقيه القيرواني والأمير
    الصحراوي وذلك بالتشديد على جمل منها بعينها تحمل مضامين لا تخلو من نفس سياسي.
    *

    *فالسؤال عن بلد الكدالي وسيرته وما ينتحله قومه من المذاهب([93]) يبدو سعياً
    من الفاسي للتأكد من خصوصية حقل الدعوة المرتقبة من حيث خلوه من الدوائر
    المذهبية والنّزعات المناوئة للمذهب المالكي وبذا فإنه عندما تأكد من ذلك صرح
    أن الأمير الصحراوي كان «صحيح النية واليقين»([94]) أي لا صلة له بآراء الفرق
    المبتدعة أو غيرها من الدوائر ذات الخطاب السياسي الذي يعارضه الفاسي وأضرابه
    من فقهاء الغرب الإسلامي، ومن هنا كان أبو عمران منتظراً من محاوره بسط القول
    في معوقات القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر([95]) أي الثورة على
    الأوضاع السياسية والاقتصادية المهترئة أو جمع شمل قبائل صنهاجة المتحدة وقتها
    في حلف قوي يقود الكدالي نفسه، من أجل تحقيق مطالب الفاسي وتلاميذه بالمغرب
    الأقصى وكان تعليل أمير صنهاجة لأسباب عجز قومه عن القيام بالدعوة المطلوبة
    لضعف صلاتهم في الصحراء بمنابع الإسلام السني فلم يكن يصل إليهم «إلا معلمون
    لا ورع لهم ولا علم بالسنة»([96])، ولا يعني هذا النفي أن القادمين كانت
    بضاعتهم من العلم مزجاة، بقدر ما هو تأكيد على أن هؤلاء المعلمين ليسوا
    مالكيين أو غير سنيين حسب معايير الفاسي كما قد يعني الخطاب أن المعنيين ليسوا
    من أهل الدعوة والنهوض بأمورها بل هم ممن لا ورع له أو مدار حرفته على
    المتاجرة حصراً([97]).*

    *إن قراءتنا للألفاظ ومراميها في خطاب أبي عمران لشيخ صنهاجة ليست مجرد تمحل،
    بل هو تأكيد منا على أن مدلولها ينبئ عن مشروع جهادي إصلاحي كان أبو عمران
    يسعى إلى تحقيقه وهو ما تصرح به رواية "بيوتات فاس" بقولها «إن الفقيه الفاسي
    قد ندب الزعيم الصنهاجي إلى قتال برغواطة ببلاد السوس وقتال زناتة على ما صدر
    منهم من الظلم واستنْزال رأسائهم من الولاية»([98])، أي مواجهة التفكك المذهبي
    في المنطقة وتصحيح الأوضاع التي بسببها خرج الفاسي من موطنه مكرهاً، ونظراً
    لبعد الفاسي عن حقل التغيير فقد أحال الأمير الصحراوي إلى وجاج ابن زلوه
    اللمطي ليجد عنده بغيته، حيث كان اللمطي من أصحاب الرباطات المقامة للجهاد
    والتعليم فضلاً عن أنه كان تلميذاً للفاسي وأحد أبرز فقهاء المرابطين فكيف
    أسهم في بلورة "مساهمته" في الحركة المرابطية؟*

    * *

    *2** **-** اللمطي ومواجهة التفكك المذهبي*

    *انتمى وجاج قبل تلمذته للفاسي إلى نظام للمرابطة أسسه فقيه أغماتي يدي ابن
    تيسيت ولعل ذلك قد ترك في نفسه أثراً قوياً، فقد جاء في كتاب "القبلة" (مخطوط
    بالرباط) عند الحديث عن المساجد العتيقة أغمات ذكر «المساجد التي بنتها تلامذة
    أبي محمد بن عبد الله بن تيسيت لأنهم جعلهم الله سبباً لإطفاء فتنة برغواطة
    الذين قاموا بالمغرب سنة ثلاث مائة..»([99]). وتستطرد الرواية في القول إن
    تلاميذ هذا الفقيه الأغماتي قد أخذوا يقاتلون الكفار ولعله لم يحبذ أن تكون
    الأعمال انتحارية، وهو ما يتبين من تشاور التلاميذة مع شيخهم بشأن مجاهدة
    البرغواطيين([100]) حيث كانت إجابة الشيخ قصيرة: إن كانت لكم بهم مقدرة
    فجاهدوهم([101]).«ورغم ما يحمله هذا الجواب من شك في فترات هؤلاء المتحمسين
    إلا أن الشيخ قد انتدب للجهاد ثلاثة من تلاميذه منهم داوود بن يهلل الصنهاجي
    ويحيى بن ويدفا ويعلي بن مصلين وذلك حسب كثرة قبائل الموجهين للمعركة»([102]).
    ويذكر عن المنتدب اللثالث يعلي بن مصلين أنه كان ثالث ثلاثة انتدبهم شيخهم أبو
    محمد تيسيت بأغمات لقتال برغواطة وهو الذي بنى مسجد رباط شاكر وكان ذلك قرابة
    المائة الرابعة للهجرة([103]).*

    *أما وجاج بن زلوه اللمطي فيؤكد صاحب كتاب "القبلة" أنه كان من تلامذة ابن
    تيسيت بأغمات قبل قيام دولة المرابطين ومن طلبة هذا الشيخ الذين جاهدوا
    برغواطة والمعلوم أن وجاج كان إذاك في ريعان الشباب وربما توجه بعد انفراط عقد
    رباط الأغماتيين هذا إلى شيخه أبي عمران حيث درس عليه في فاس قبل أن يكر
    راجعاً صوب السوس ليؤسس رباطه الخاص.*

    *إن المهم من صلة وجاج لابن التيسيت هو أنه قد تلقى عنه تقاليد المرابطة
    والجهاد التي عمقتها المعارف المتلقاة عن الفقيه الفاسي مما جعل وجاجاً يؤسس
    رباطاً أكثر أهمية سماه "دار المرابطين"([104])، ولعل هذا التأسيس كان المرحلة
    الأكثر اكتمالاً لتقاليد المرابطة في بلاد المغرب، ومن هنا لم يقتصر الرباط
    الجديد على التعبئة للجهاد والمرابطة على تخوم أصحاب البدع بل إنه ركز على بث
    العلم ونشر الخير حرصاً على تحصين السكان وطلبة الرباط، أما نحل السوس ومذاهبه
    فكأن "دار المرابطين" أضحت المقابل "المغربي المالكي" "للمدرسة النظامية" التي
    أنشأها الحكم السلجوقي ومتكلمو الأشاعرة في المشرق بغية تكوين جبل من الدعاة
    السنيين القادرين على مواجهة أفكار الباطنية أو وأدها في المهد ومهما كانت دقة
    المقابلة بين المؤسستين، فإن "دار المرابطين" قد ركزت على نفس البرنامج الذي
    اتخذته "نظيرتها المشرقية". فقد ركز عميد الدار على التهيئة الروحية بإخضاع
    الملتحقين بالرباط الجديد لنظام "حركي" خاص قوامه اعتياد شظف العيش والصرامة
    في السلوك والدقة في التعلم وهو أسلوب مكن خريجي دار المرابطين مثل ابن ياسين،
    من التعامل مع مجتمعات بدو الصحراء الذين يؤثر فيهم «بالسلوك والعمل لا
    باللسان والجدل» ولو لم تكن وظيفة دار المرابطين كذلك لما كان هناك داع لأن
    يستقر في رحابها داعية المرابطين والأول عبد الله بن ياسين بعد أن وصل من
    الأندلس وقد ملأ وطابه علماً ولو لم يكن الرباط الجديد قادراً على تخريج دعاة
    يقومون بأمر الدعوة المستهدفة لما قال أبو عمران لأمير صنهاجة محيلاً إياه إلى
    وجاج معرّفاً بهذا الأخير أني أعرف ببلاد نفيس من أرض المصامدة فقيهاً حاذقاً
    تقياً ورعاً لقيني... وأخذ مني علماً كثيراً وعرفت ذلك منه([105])، وأسلوب
    الثقة هذا واضح من تقديم ابن ياسين إلى أمير صنهاجة من قبل عميد دار
    المرابطين، وهي ثقة تظل مبنية على ما يعرفه المعنيون عن بعضهم البعض من الهم
    الإصلاحي المشترك ومن قضايا الجهاد والمرابطة التي تبلورت مجتمعة على مراحل
    لتتضح في ذهن ابن ياسين مشروعاً إصلاحياً توحيدياً يقوض أركان النّزعة
    الإقليمية التي اجتاحت المنطقة وهددت أمان ومصادر عيش السكان.*

    * *

    *3** **-** ابن ياسين ومواجهة التفكك السياسي*

    *أنجز ابن ياسين بدعوته بين صنهاجة الصحراء مشروعاً توحيدياً شمل قبل وفاة
    مؤسسه جل مناطق المغرب وحمل برامج شيوخ ابن ياسين الذين انتدبوه للدعوة.*

    *لكن المتمعن في عملية التوحيد تلك يلاحظ ارتباطها بمجالات قبيلة معروفة كان
    ابن ياسين قد خبر أحوالها أيام كان مسافراً، وإليها ينتمي جل "أعلام طبقة
    فقهاء المرابطين"، مما يعني التساؤل عما إذا كان صنهاجة الصحراء أداة الإنجاز
    لمشروع لم يكونوا على علم بتفاصيله التي اتفق هذا الداعية مع قبائل الشمال على
    تنفيذها؟*

    *إننا نحسب أن الأمر كان كذلك ولكن هموم الملثمين الصحراوية قد تسربت إلى
    إبعاد المشروع التي تبلورت في ذهن صاحبها على مراحل. غير أن هذا التسرب لم
    يمنع المشروع التوحيدي من أن يستمر في اتجاه مراميه النهائية، فقد انتدب ابن
    ياسين للدعوة في الصحراء وهو إذاك مقيم مع عميد دار المرابطين([106])، ووجد في
    حقل الدعوة الجديدة الأداة الضرورية لإنجاز الدعوة مشروعه الأصلي معاً ويبدو
    أن إحساس ابن ياسين بضرورة مواجهة وضعية التفكك في الأندلس والمغرب وهو مشروعه
    الأول كان قد تبلور بعد رحلته إلى الأندلس التي دخلها في عهد ملوك الطوائف(
    [107])، وهي فترة عرفت قمة تفكك مسلمي الأندلس وفي وقت استأسد عليهم الإفرنج
    في بداية الهجمات التي عرف بحرب الاسترداد (Rconquista) ناهيك عن أنه قد أمضى
    في الأندلس مدة سبع سنوات كانت كافية ليلمس بدقة درجة ضعف المسلمين وتخاذلهم
    أمام الأعداء وليعود مفعماً بالحماس من أجل الدعوة لوحدة الجهاد، ولكن هل تأثر
    ابن ياسين بآراء فقهاء الأندلس ممن يحملون نفس الهموم التوحيدية؟ إن المصادر
    لا تتحدث عن مثل هذه الصلة، غير أن ابن ياسين قد يكون ربط لبعض الوقت على ثغور
    الأندلس اتباعاً لسنة المرابطة ودفاعاً عن دار الإسلام، وربما جرياً على تقليد
    عرف عن بعض علماء المغرب، قبل ذلك، ممن رحلوا إلى الأندلس مثل دراس بن إسماعيل(
    [108]). ومهما يكن فإن المرحلة الأندلسية من حياة ابن ياسين هي التي أذكت في
    وعيه ضرورة توحيد صفوف مسلمي المنطقة. ولو لم يكن الأمر كذلك لما تتبع هذا
    الداعية مجالات قبائل المغرب لحث هذه الأخيرة على الوحدة والتكاثف، أو حتى
    للجهاد على أساس من مشروع توحيدي محدد. ففي طر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 364
    تاريخ التسجيل: 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء أبريل 17, 2012 5:25 pm

    *المجتمع والسلطة وامتداداتهما في الصحراء جنوب المغرب *
    *خلال العصر المرابطي وما بعده*

    تاريخ المجتمع الإسلامي في منطقة الغرب الإسلامي خلال النصف الأول من القرن 6 ﻫ
    يتطلب الاعتماد على المصادر التي تناولت الحياة اليومية في المنطقة. والبحث عن
    هذا الجانب في المصادر المتداولة عملية صعبة جدا ومن هنا يفرض العمل العودة
    إلى نوع مغمور من المصادر، وهي مصادر التشريع والمؤلفات القانونية التي تعرف
    في العالم الإسلامي بكتب النوازل (الفتاوى)، وهي أساسا عبارة عن آراء فقهاء
    المرحلة التاريخية التي سنعالجها في القضايا المطروحة عليهم من أجل إبداء
    الحكم الشرعي فيها سواء كانت أحوالا شخصية أي قضايا اجتماعية أو غيرها أو كانت
    معاملات تجارية أو زراعية أو غير ذلك؛ بمعنى أن مادة التاريخ الاجتماعي في
    العالم الإسلامي ومن ضمنه منطقة "*الغرب الإسلامي*" تحتضنها وتتضمنها مؤلفات
    الفقهاء سواء كانت"*كتب أحكام*" أو "*كتب نوازل*" التي تعالج في مجموعها العام
    أحكام الشريعة الإسلامية ونظام الحياة اليومية وآراء الفقهاء والنخبة العلمية
    في حل القضايا الاجتماعية اليومية على تنوعها واختلافها من البادية إلى
    المدينة.

    * *

    هذه المصادر يمكن أن نختار من بينها في مرحلتنا التاريخية مصدرين:

    *أولاً*: نوازل ابن رشد الجد([1]) المتوفى سنة 520 ﻫ في عهد علي بن يوسف بن
    تاشفين، وكان قاضي الجماعة بقرطبة. وليس معنى هذا أننا نعتمد على نوازل
    أندلسية لنحلل مجتمعا إفريقيا بل يتضمن قضايا المجتمع كله في منطقة الغرب
    الإسلامي من عواصم الأندلس الكبرى ومن عواصم إفريقيا الغربية آنذاك (أي لم
    تصله النوازل من السنغال أو من مناجم الذهب...ولكن وصلته أسئلة من التجار
    المغاربة بالأندلس والمغرب والصحراء الإفريقية) بمعنى نجد أسئلة وأجوبة تهم
    الحياة التجارية والعلاقات بين الحوض الغربي للأبيض المتوسط ومناطق ما وراء
    الصحراء، مع العلم أن هناك تفاصيل خاصة بسكان المدن أكثر من غيرهم.

    *ثانياً*: نوازل القاضي عياض السبتي اليحصبي المتوفى سنة 554 ﻫ والتي وصلتنا
    برواية ولده عبد الله([2]).

    أما قراءة التاريخ الاجتماعي للغرب الإسلامي في النصف الأول من القرن 6 ﻫ لا
    تعتمد فقط على هذين المصدرين لإصدار الأحكام وإنما لإعطاء بعض الأضواء على
    الواقع. إذا كيف كان هذا الواقع خلال المرحلة المحددة بالاعتماد أيضا على
    المصادر الأخرى أندلسية ومغربية؟.

    الجواب على هذا السؤال يجعلنا نصنف المنطقة إلى ثلاثة أقاليم كبرى:

    *أ **-* *إقليم شبه جزيرة إيبريا-الأندلس*: بمعناها العام ونقصد هنا إدراج
    الجزر التي ما زالت في هذه المرحلة التاريخية إسلامية مثل جزر البليار.

    *ب **-** إقليم المناطق الشمالية من بلاد المغرب الكبير*: أي من شمال الأطلس
    الكبير إلى البحر الأبيض المتوسط (الأطلس الصغير والكبير والمتوسط والسهول)
    ومن المحيط غربا إلى برقة شرقا، وهذا الإقليم هو الذي كان يعرف عند مؤرخي
    وجغرافيي العصور الوسطى ببلاد البربر، وفي هذه المرحلة - منتصف القرن 6 ﻫ -
    نلاحظ في المنطقة حدوث تحولات ذات نكهة جديدة في الأوضاع الاجتماعية لم تسبقها
    أية ظاهرة أخرى من قبل. يمكن تلخيص وصف هذه المرحلة اجتماعيا في هذه المنطقة
    وفي هذا التاريخ بالذات بأنها شهدت تغيرات في تاريخها الاجتماعي العام لعدة
    مؤثرات منها: الحركة القبلية المتعددة العناصر والتي كانت لها اتجاهات وأهداف
    مختلفة. ومنها ظروف الطبيعة والبيئة ومقدار تحكمها في حياة مجتمع بلاد المغرب.

    *ج* *-* *إقليم الصحراء*: هذا الإقليم يكاد يكون تحديده وهميا. قد ينتهي جنوبا
    إلى خط عرض 10 شمال خط الاستواء ويمتد من المحيط غربا إلى وادي النيل شرقا.
    هذا الإقليم بالذات له تاريخ يمتاز بخصوصيته الصحراوية الإفريقية التي تتجاذبه
    أوضاع شمال بلاد المغرب وفي الجنوب وقائع بلاد السودان الغربي. وقد شهد بدوره
    في هذه المرحلة التاريخية واقعا اجتماعيا متخلخلا يعبر بدوره عن الظاهرة
    العامة الشاملة في الغرب الإسلامي وهي دخول المنطقة في هذا التاريخ بالذات في
    تحول جديد في البنية القبلية والتركيب السياسي والنشاط التجاري والاقتصادي([3])
    .

    إذا حددنا هذه الأقاليم على أساس تنوع البنيات الاجتماعية وارتباطها بالظروف
    المناخية والطبيعية العامة ينبغي علينا طرح السؤال من جديد، ما هي بنية
    ومكونات مجتمعات هذه الأقاليم الثلاث؟

    *أولاً*: *مجتمع الأندلس من منتصف القرن **5** ﻫ إلى أواسط القرن **6** **ﻫ.*

    حظي المجتمع الأندلسي في العصور الإسلامية بدراسات جادة، نذكر من بينها أعمال
    الإسبانيين خاصة المؤرخ بيدال في موسوعته المعنونة بـ: "*تاريخ إسبانيا
    الإسلامية*"، الذي اهتم خاصة بالقسم الجنوبي من شبه جزيرة إيبريا. ويضاف إليه
    مؤرخان هما هويثي ميراندا في عمله الهام عن تاريخ الإمبراطورية الموحدية.
    وكذلك شالميطا في دراسته عن نظام الأسواق في الأندلس الإسلامية([4]). ثم هناك
    أعمال المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال وخاصة منها "*تاريخ إسبانيا المسلمة*"،
    بالإضافة إلى كتابه الهام عن "*إسبانيا المسلمة في القرن **10** م*" وكذلك عمل
    كيشار في تحليله لبنية التاريخ الداخلي للأندلس. وهناك أعمال أخرى عربية
    تناولت تاريخ الأندلس من الزاوية الاجتماعية ولكن لم تتناولها بطريقة شمولية
    وإنما بطريقة مونوغرافية. وهناك أيضا مصادر يمكن أن نسميها المكتبة الأندلسية
    القديمة. من خلال كل ذلك يمكن أن نعطي صورة مختصرة عن طبيعة المجتمع الأندلسي
    في هذه المرحلة وذلك كالآتي:

    من حيث الصورة الخارجية التي نجدها في مصادر التاريخ الأندلسي نجد طابعين هما:

    *1 -* مجتمع السلطة الإسلامية وهذا المجتمع هو الذي عبرت عنه المصادر المكتوبة
    بالعربية في المرحلة التاريخية المعنية.

    *2 -* مجتمع المحكومين غير المسلمين أحيانا، وأحيانا أخرى العناصر التي استقرت
    نهائيا في الأندلس بعد هجرتها مع الفاتحين العرب من المشرق أو من المغرب الذي
    سمي ببلاد البربر.

    معنى هذا أن بنية المجتمع الأندلسي تنقسم إلى قسمين: مجتمع السلطة وما ارتبط
    بفلكها ونظام حياتها، وهذا المجتمع هو الذي كون إما دولة الأسرة الأموية سواء
    في عهد الإمارة في الأندلس، أي من سنة 138 ﻫ إلى 316 ﻫ، أو عهد الخلافة من سنة
    316 إلى 422 ﻫ.

    وسواء أيضا في عهد ملوك الطوائف من 422 ﻫ إلى بداية الحكم المرابطي في الأندلس
    في نهاية القرن 5 ﻫ. ويمكن أن تسمى هذه المرحلة 316-422 ﻫ إلى معركة الزلاقة
    479 ﻫ بعصر ملوك الطوائف الأول. وبعد ذلك ابتدأ العصر المرابطي في الأندلس من
    480 إلى 536* *ﻫ، حيث سيبدأ عصر يمكن أن نسميه بعصر الطوائف الثاني والذي
    سينتهي بالتدخل الموحدي بالأندلس ابتداء من 548 ﻫ. خلال هذه المرحلة كان
    المجتمع الأندلسي يتكون من عناصر اجتماعية مرتبطة بالحكام وعناصر أخرى مستقلة،
    وقد أمدتنا بهذه الصورة المكتبة الأندلسية ...

    حسين1492

    عدد المساهمات: 16
    تاريخ التسجيل: 20/11/2010

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف حسين1492 في الأحد مارس 24, 2013 1:28 pm

    شكرا جزيلا أستاذي العزيز محمد العربي عقون على الدعم الذي قدمته لي حول الموضوع ، أعلمك أنني ناقشت الرسالة بتاريخ 13/03/2013 ونلت علامة 17 من لجنة مكونة من: محمد فرقاني رئيسا وإسماعيل سامعي مشرفا وعلاوة عمارة وإبراهيم بحاز مناقشين ، وأفكر أن أكمل العمل على السودان الغربي في الدكتوراه وأتمنى أن تتم مساعدتك لي شكرا مرة أخرى الطالب : حسين بوبيدي

    حسين1492

    عدد المساهمات: 16
    تاريخ التسجيل: 20/11/2010

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف حسين1492 في الأحد مارس 24, 2013 1:31 pm

    شكرا جزيلا أستاذي العزيز محمد العربي عقون على الدعم الذي قدمته لي حول الموضوع ، أعلمك أنني ناقشت الرسالة بتاريخ 13/03/2013 ونلت علامة 17 من لجنة مكونة من: محمد فرقاني رئيسا وإسماعيل سامعي مشرفا وعلاوة عمارة وإبراهيم بحاز مناقشين ، وأفكر أن أكمل العمل على السودان الغربي في الدكتوراه وأتمنى أن تتم مساعدتك لي شكرا مرة أخرى الطالب : حسين بوبيدي

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 364
    تاريخ التسجيل: 18/11/2009

    رد: مقالات في تاريخ العلاقات بين الشمال الافريقي والسودان الغربي

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد مارس 31, 2013 4:13 pm

    حسين1492 كتب:شكرا جزيلا أستاذي العزيز محمد العربي عقون على الدعم الذي قدمته لي حول الموضوع ، أعلمك أنني ناقشت الرسالة بتاريخ 13/03/2013 ونلت علامة 17 من لجنة مكونة من: محمد فرقاني رئيسا وإسماعيل سامعي مشرفا وعلاوة عمارة وإبراهيم بحاز مناقشين ، وأفكر أن أكمل العمل على السودان الغربي في الدكتوراه وأتمنى أن تتم مساعدتك لي شكرا مرة أخرى الطالب : حسين بوبيدي


    ألف مبروك وعقبى للدكتوراه
    الوظيفة أولا وأظن أن هيئة التدريس بجامعتك لن تبخل عليك بالمنصب فأنت جدير به
    ثم استراحة محارب للنظر في موضوع الدكتوراه وأتمنى لك التوفيق في اختيار موضوع البحث

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أكتوبر 01, 2014 3:59 am