ساحة لدعم الأعمال الموجّهة لطلاب التاريخ /جامعة منتوري/ قسنطينة

تجدون في المنتدى وثائق تاريخية مهمة للباحثين ومن كان في حاجة الى وثائق او مصادر او مراجع عليه ان يشعرنا بذلك وان يسجل طلبه هنا في المنتدى
هامّ : لقد قمنا بإصلاح الخلل وأزلنا الحجب، تستطيعون الدخول بأمان، مرحبا بالجميع
أعزائي الطلبة/ يمكنكم الاطلاع على نتائجكم النهائية + بطاقة التقييم وتحميلها .... ماعليكم إلا الذهاب إلى صفحة النتائج أدناه
بحلول السنة الجديدة 2016 نتمنى لطلبتنا عاما سعيدا مليئا بالجدّ والنشاط ... تتحقق فيه طموحاتهم وتكلّل بالنجاح أعمالهم

    روبورتاج عن تاريخ الملاحة في القرن الأفريقي (بلاد البونت)

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 397
    تاريخ التسجيل : 18/11/2009

    روبورتاج عن تاريخ الملاحة في القرن الأفريقي (بلاد البونت)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت نوفمبر 28, 2009 3:41 pm

    اسم البرنامج: أشرعة جابت العالم
    عدد الحلقات: 4
    اسم الحلقة: أبناء سندباد


    المصدر : قناة المجد

    إنها معروفة بأرض الجبال والصحارى. ومع ذلك تحمل إرثًا ملاحيًا عظيمًا. فقد شهدت البحار المحيطة بها عملاً بحريًا كاملاً، وساهم ملاحوها في خدمة التاريخ البحري.

    وهذه هي قِصتهم:

    لقد حل الصباح على طول الساحل الإفريقي الشرقي، هنا كما في أي مكان آخر، يستعد البحارة والصيادون للانطلاق في البحر، ما زال الكثيرون منهم يبحرون إلى الخلف لأنهم يستعملون السفن الشراعية تمامًا كأسلافهم منذ مئات السنين.

    نحو الشمال وعلى طول شبه الجزيرة العربية، بدأ الناس يعدون سفنهم أيضًا، هنا أيضًا، ما زال الناس يبحرون بواسطة الرياح وكذلك الأمر بالنسبة إلى البحارة الهنود وعبر المحيط الهادي.

    تبدو سفن شرقي إفريقيا مختلفة لكن ليس كثيرا، غير أن هذه السفن تَستعمل جميعًا الشراع الثلاثي الشكل، تعرف هذه السفن بـ"المراكب الشراعية".

    واليوم، ما زالت المراكب الأخيرة المتبقية مستخدمة ولكن ليس لأسباب شاعرية، الفقر والحاجة هما الدافع وراء استمرار هذه السفن في العمل.

    يومًا ما، ستختفي هذه السفن الشراعية لكننا نأمل ألا تصبح طي النسيان، لأن تاريخها عريق وله أثر كبير على التاريخ البحري كله.

    تبدأ قصة هذه المراكب في "مصر" القديمة.

    مالت الحياة المنظمة إلى التطور على طول ضفاف الأنهر ولم تكن مصرُ القديمة استثناءً.

    إن النيل هو واحد من اكبر الأنهر في العالم ووفّرت أرضه الخِصبةً بفضل الله الاستقرار للناس منذ آلاف السنين، وخلف البلاد تمتد صحراءُ على مئات الأميال، مشكلة حاجزًا عظيمًا يحمي مصر من الجيوش والأفكار الأجنبية.

    هنا نشأت واحدة من أعرق الحضارات في العالم وكان هذا النهر الكبير صلة وصل بين سكانها تمامًا كما هو اليوم، هنا بدأ التاريخ المسجل عن السفن والإبحار.

    منذ أكثر من ستة آلاف سنة، كان الناس يبحرون في هذا النهر مستخدمين مراكبَ صغيرةً مصنوعةَ من القصب يدفعها رجال يجدفون على الجانبين، بعد ألف سنة ظهرت السفن الشراعية في النيل، كانت أشرعة هذه السفن مربعة وقائمة على صار مزدوج على عكس السفن الشراعية التي نراها اليوم.

    بعد ذلك بوقت قصير، استبدل بناءو السفن القصب بالخشب فبنَو بدنًا يحمي الركاب والأحمال من المياه، وهكذا ازدهرت الملاحة على طول النيل بسرعة.

    وبغية الإبحار جنوبًا باتجاه مِصرَ العليا، كانت السفن تستغل حركة الرياح الشمالية. وكان الملاحون في طريق العودة يستخدمون على المجاديف, وكان جريان المياه من الشمال إلى الجنوب يسهل عليهم المهمة.

    وهكذا ازدهر النيل وتحول إلى صلة وصل ربطت ما بين البلاد مكوّنا طريقًا طبيعيًا للتجارة وتبادل السلع. لكن دور السفن لم يقتصر على تسهيل التجارة المصرية، لقد استُخدمت السفن بكثرة في الطقوس الدينية الوثنية، إذ كان المصريون القدامى يعتقدون جهلا أنها وسيلة ضرورية لنقل الأموات إلى العالم الآخر.

    وكان المصريون الأثرياء يضعون في قبورهم مركبا مصغرًا أو أكثر، ما زالت الآلاف من هذه المراكب موجودةً حتى يومِنا هذا موفِّرةً ثروة من المعلومات المتعلقة بالسفن المصرية.

    وكانت السفنُ الكاملة تُدفن مع الحكام النافذين في حال لم تكن النماذج كافية، تم اكتشاف حُفرة عام ألف وتسعمائة وأربعة وخمسين، على مقربة من هرم "خوفو" في "الجيزة".

    كان المهندسون القدماءُ قد احكموا إغلاقَها لدرجة أن سفينة الفِرعون المأتميةَ والتي تمَّ تفكيكها بدقة، وُجدت بحالة شبه ممتازة بعد أن أزيلت أحجار الكلس.

    ثم بدأ تحدي إعادة جمع أكثر من ألف ومائتي قِطعة وهي مُهمة استغرقَ تنفيذُها سنواتٍ من العمل المضني.

    وما ظهر كان واحداَ من أكبر المراكب المأتمية لأحد حكام الممالك القديمة، بلغ طولها مئة وأربعين قدما أي ما يعادل ثلاثة وأربعين مترًا وعرضُها نحوَ عشرين قدما أي ما يعادل ستة أمتار.

    إنها أقدم سفينة في العالم وتعود إلى أكثر من أربعة آلاف وستمائة سنة، ثم إنها من أكثر السفن إثارة للإعجاب، فهنا يظهر مستوى من المهارة ينافس إتقان الأهرام نفسها.

    لقد وفرت عمليةُ إعادةِ بناءِ السفينة نظرةً لا تُقدر بثمن، فكشف الخبراءُ كيف استخدم الفراعنة النَّقر والألسنة لتثبيت الألواح الخشبية وربط السفينة بعضها ببعض لتأمين قوتها الهيكلية.

    ثم إن المصريين سجلوا بدقة التِقْنياتِ من أجل الأجيال القادمة.

    تقع مصطبةُ "تي" التي تعود إلى أربعة آلاف عام قربَ هرم "زوسر" المدرّج، كان "تي" موظفًا نافذًا في المحكمة فزيّن جدرانَ مصطبتِه بمشاهدَ من الحياة اليومية بما فيها بناءُ سفنِ النيل التي كان يستمتعُ بها إلى حد كبير.

    لقد رُسمت العملية كلها خطوةً خطوة، استخدم العمال مطارقَ حجريةً لتثبيت الألواح الخشبية.

    يظهر العمال الآخرون وهم يستعملون القدّوم لتحديد شكل بدن السفينة وإنهاء جوانبها.

    بسبب منُاخ مصرَ الجاف ، أصبح لدينا فكرة عن شكل هذه المراكب في الحياة الحقيقية.

    وخلف الهرم المقوس في مقابر "دهشور" تقع بقايا الهرم الذي بناه فرعون الأسرة الوسطى "سزوستريس الثالث"، ومع أن ما بقي منه ضئيل، فقد قاومت سفنه عوامل الزمنَ وما زالت موجودة .

    إنهما قارِبان مهمان جدًا. بالفعل إنهما كاملان وقد بنيا بالحجم الطبيعي ويعودان إلى زمن السلالة الوسطى.

    "نادية لقمة" هي واحدة من المدرسين في قسم الصيانة في احد المتاحف المصرية، يركز أحد مشاريعها الأساسية على قاربي "دهشور" اللذين حفظا في المتحف خلال السنوات المائة الأخيرة.

    إنهما مبنيان بشكل ممتاز جدًا. يذهل المرء عندما ينظر إلى طريقة جمع المصريين القدامى لقواربهم، وكيف استخدموا النقور والألسنة والتعشيقات في المفاصل وجمعوا القطع المختلفة مستخدمين شريطًا من الجلد أو شيئًا من هذا القبيل. إنهم مذهلون.

    إن قاربي "دهشور" هما بالحجم الطبيعي ما زالا سليمين تقريبا منذ أن دُفنا قبل نحو أربعة آلاف سنة، وهما يغنيان معرفتنا في بناء السفن المصرية، تبين للدكتورة "لقمة" أن حفظهما يتطلب الكثير من الجهود.

    إنهما بحاجة إلى الكثير من العمل. ولا بد من التحكم بالمناخ حولهما، ووضعها في خزانة العرض لأننا نواجه مشكلة الغبار هنا. ثم أن الزوار يحبون أن يلمِسوا الأشياء ليشعروا بها وهذا يضر بالقارِبين. إذًا، نحن بحاجة إلى خزانة للعرض والى القيام بمزيد من أعمال الترميم. لكن هذه العملية تستغرق وقتًا طويلاً وتستوجب الكثير من الصبر والحب وإلا لما أمكنك أن تفعل هذا.

    عندما دُفن قاربا "دهشور"، كانت السفن المصرية تبحر إلى أماكن ابعد من النيل الآمن، بالفعل كانت تصل إلى لبنان وسائر السواحل المتوسطية الشرقية لإحضار الخشب.

    كما أن السفن كانت تصل أيضًا محملةً بالنحاس من شبه جزيرة سيناء وبالبضائع الغريبة من "بلاد البونت" التي ساد الاعتقاد أنها تقع على ساحل الصومال الشمالي.

    منذ نحو أربعة آلاف وخمسمائة سنة، أرسل المصريون أسطولا على طول البحر الأحمر إلى "بلاد البونت".

    لكن معظمَ البَعَثات تعود إلى عهد الملكة "حتشبسوت" أي إلى ما بعد ألف سنة تقريبًا.

    لقد تم تسجيل ذكرى البعثة المؤلفةِ من خمس سفن في أحد معابد ما يسمى بـ "الدير البحري" قرب وادي الملوك، وتُصور النقوش الملونة السفن والبحارة وهي الصور الأولى التي تُظهر السفن التجارة.

    وتظهر هذه النقوش المرفقة بوصف مفصل حول الاستقبال الذي لقيه المصريون في "بلاد البونت" وكيف عادوا منها بعد أن ملئوا سفنهم بالخشب والعطور الغريبة.

    وتقول الكتابة: "إن البضاعة التي عادت بها السفن لا تضاهيها أي سلع أخرى جيء بها منذ بداية العالم".

    لقد أصبحت النقوشُ شبهَ مختفيةٍ الآن، ولكنها ما زالت تظهر أن طولَ السفن بلغ مئةَ قدم وأنها كانت تتّسعُ لخمسةَ عَشَرَ مجدفًا على كل جانب ولرجلين يتحكمان بالدفتين الجانبيتين.

    وكان لكل سفينة صارٍ واحد يحمِل شراعًا مربعًا واسعًا، كانت هذه أفضل سفينة صنعتها مصر القديمة ولقد قامت برحلات مذهلة.

    ستشهد هذه السفنُ تغييراتٍ جمةَ إلا أنها النموذج التي تطور على أساسه لاحقًا الكثير من السفن في البلدان العربية الأخرى المحيطة.

    بالطبع، يوجد بينها نحوُ ثلاثة آلاف وخمسِمائة سنة، لذلك يصعب إيجادُ تشابه بينها وبين المراكب الشراعية الخشبية التي ما زالت تقومُ حتى اليوم بالنشاطات التجارية في جنوبي البحرِ الأحمر.

    ثم أن الأحمال أقل غرابة من تلك التي كان يحصل عليها المصريون القدامى، وهي تقتصرُ على السلع اليومية مثلِ قواريرِ الغاز التي تُستخدم للطبخ، والمياه والأطعمة المعلبة والأرز والسكر.

    ما زالت هذه المراكب الصغيرة تقوم بالتبادلات التجارية السريعة هنا نظرًا إلى قلة وجود مرافئ كبيرة, مع العلم أن الكثير منها قد تخلى عن أشرعته وصواريه.

    لكن بعض هذه المراكب ما زال يعتمد على الشراع، ومركب سماه صاحبه بـ "فاتح الخير" هو واحد منها.

    إنه عبارة عن مركَب صغير معروف بالهواري، يبلغ طوله خمسًا وخمسين قدما "أي سبعة عشر مترًا" فقط ويتسع لأحمال لا تتعدى الثلاثين طنًا. "محمد حمادة" هو مالك هذا المركب واعتاد أن يقودَه بنفسه. أما الآن، فيبقى على الشاطئ ليتيقن أن كل سفنه تعمل.

    لكن "محمّدًا" قلق بعضَ الشيء. كانت الرياحُ قويةً جدًا في الأيام القليلة الماضية ما أجبرَ معظم َالمراكب على البقاء في المرفأ.

    إن "صالح بنَ محمد" هو الذي يشرفُ على الأحمال وهو الآن ربان المركب "فاتح الخير".

    إن هذا المناخ لا يعجب "صالحا" أيضًا لكنه على يقين أن المركب قادر على مواجهته شرط أن تكون الأحمال مخزنة ومغطاة بشكل صحيح.

    إن "فاتح الخير" هو مركب مكشوف تمامًا كالمراكب الشراعية القديمة، هناك مقصورتان صغيرتان في مقدَّم المركب ومؤخره لكنه إجمالا مكشوف.

    وقد تفسد مياه البحر السلع المحمولة بسرعة، لذلك تُغطى هذه الأخيرة ببضعة أغطية تحفظها من الماء، حتى هنا في حمى المرفأ، تُعتبر هذه الأغطية ضرورية.

    أمر "صالح" برفع جانبي السفينة وتغطيتهما أيضًا بعد أن حذره المشرف على المرفأ بأن الرياح لن تهدأ.

    فكان لابد من حماية السفينة المكشوفة من مياه الأمواج العاتية والرذاذ لتأمين سفر آمن، كانت هذه التجارة تُجرى في مياه البحر الأحمر منذ آلاف السنين لكننا لا نعرف إلا القليل عن تاريخها القديم.

    إن التقارير الأقدم حول النشاطات البحرية على الشواطئ العربية لم تُسجل هنا بل سجلت شمالاً في "الإسكندرية".

    كان هناك مرفأ لصيد الأسماك , هنا بالتحديد. وعندما قدم "الإسكندر" إلى هنا وجد مكانًا مثاليًا لإقامة عاصمة "مصر". وهكذا ازدهرت "الإسكندرية" ثم ساهم قائده "بطليموس" اثر وفاة "الإسكندر" في نموها.

    لقد أوصلت منارة الإسكندرية وهي واحدة من عجائب الدنيا السبع ، هذه المدينة إلى الشهرة.

    يقوم عالم الآثار "دوجلاس هولدن" من معهد علم الآثار البحري بتوثيق ما تبقى منها.

    إننا ننظر إلى أسس المنارة المغطاة ببناء مملوكي يعود إلى القرون الوسطى. كنا ننقب بحثًا عن الحوض لنتعلمَ أكثر عن العصور الوسطى ولنعرف ما صلتُها ببقايا المنارة وهي أول ما تراه عندما تقترب من "الإسكندرية" وآخر ما تراه عندما تغادرها.

    لم يتبقَّ ليومنا هذا منها إلا القليل، لقد شهدت المنارةُ هزات أرضية متعددة حتى انهارت عام ألف وثلاثمائة وسبعة ثم بني الحِصن الحالي فوق أسسها.

    ولقيَ جزءُ كبير من "الإسكندرية" القديمة المصير نفسه، لقد قضى الدمار الطبيعي والإنساني على واحد من أعظم المرافئ التجارية في العالم القديم.

    ما تبقى من تلك الحِقبة يقتصر على منطقة صغيرة أو يقبع تحت المياه في مرفأ المدينة.

    كانت "الإسكندرية" بشكل أساسي صلة الوصل بين الشرق والغرب، بين المتوسط والعالم الغربي والهند وشبه الجزيرة العربية وغربي إفريقيا الذي يشكل مصدر التجارة.

    لقد وصف أحدُ التجار الإسكندريين تلك التجارة بشكل مذهل منذ ألفي سنة في كتاب سماه "طريق بحر اريتريا".

    إن هذا الكتاب هو بشكل أساسي مرشد التجارة في المحيط الهندي. انه يحدد لك المَسافات والأماكن التي تريد أن تقصِدها كما يذكر نوعَ البضائع التي يمكنك أن تجدها في هذه الأمكنة وسعرَها وربما كيف تتاجر بها وعمّ تبحث... إنه بشكل أساسي مرشد التجارة في المحيط الهندي.

    يحتوي هذا الكتاب على الكثيرِ من النصائح السليمة تمامًا كأي مرشد جيد، ويذكر أن الساحل العربي للبحر الأحمر خطِر لأنه يفتقر إلى المرافئ وفيه مراسٍ سيئة وهو مروع من كل الجوانب.

    فلم يكن هناك من سبب وجيه للتوقف على هذا الساحل، كان مرفأ "موزا" قرب "مخا" يعِج بمالكي السفن والملاحين العرب.

    وأضاف الكتاب أن بحاريه ذهبوا إلى الساحل الجانبي الأقصى ما يثبت أن أسلاف طاقم "فاتح الخير" كانوا يقومون بالرحلة عبر البحر الأحمر منذ نحو ألفي سنة.

    يقع الساحل العربي الجنوبي خلف البحر الأحمر، ووفقًا للكتاب، كانت هذه الأرض تُعرف بـ"العربية السعيدة" .

    إنها بالفعل بلادُ الثروات إذ نمت فيها واحدة من أكثر المنتوجات ندرة في العالم القديم.
    إنها عبارة عن أشجار خفيضة تنمو في المناطق الجافة والمنعزلة قرب الساحل.
    لم تكن هذه الأشجار تحمل الفاكهة فتقطف عنها بل كان يتِمُّ إزالة الطبقة الخارجية من اللحاء ثم تكشط الطبقة الخضراء الموجودة تحته، وفي الحال تفرز الشجرة مادة صَمْغية يمكن تجميعها عندما تجِف، تعرف هذه المادة باللُّبان وتعادل وزنها ذهبا.

    ما زالت تجارة اللبان قائمةً في أسواق شبه الجزيرة العربية الجنوبية مع إنها لم تعد كما كانت في السابق سواء من حيث التجارة أو من حيث الأسعار.

    كان التجار يأتون إلى هنا من كل أنحاء العالم القديم لشراء هذا اللبان الثمين، كان هذا اللبان عطر الآلهة المزعومة لدى المصريين.

    وهذا ما احضروه من "بلاد البونت" عندما أرسلت الملكة "حتشبسوت" أسطولها إلى هناك منذ ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة.

    وكان الرومان يستعملونه في مراسم إحراق جثثِ الموتى. فكانت الكمية المحروقة من اللبان تمثل الثروةَ والحزن، وفق معتقداتهم، حتى الهنود قدموا إلى هنا للحصول على اللبان وتشيرُ بعض الأدلة إلى أن هذه المادة وصلت أيضًا إلى الصين منذ آلاف السنين.

    هذا منتج بسيط ونقيٌّ ومثالي إلى أقصى الحدود أراد الجميع الحصول عليه، كانت معظم التجارة القديمة تتم على اليابسة، إذ كانت قوافل الجمال تنقل اللبان من الساحل الشمالي عبر شبه الجزيرة العربية كلها.

    أصبحت الممالك القائمة على طريق نقل اللبان غنية ونافذة نتيجة لهذه العملية، ونذكر على سبيل المثال مملكة "سبأ" التي حكمتها فيما مضى الملكة "بلقيس".

    كما أن منشأ "صنعاء" عاصمة "اليمن" يعود إلى هذه التجارة الغنية كذلك الأمر بالنسبة إلى الكثير من المدن والممالك القائمة على طول الدرب والتي كانت تحتفظ بحصتها من اللبان، لكن ثروتها شحّت عندما انتقلت التجارة من الجمال إلى السفن.

    كانت السفن تبحر من السواحل العربية الجنوبية من البحر الأحمر ثم تتجه شمالاً إلى "الإسكندرية" ومنها إلى سائر البحر المتوسط.

    هذه هي الطريق التي تكلم عنها الكتاب وهي تصف مرافئ اللبان على طول الطريق مثل "قنا" و"الشحر" و"مُخا" و"سَمحرام".

    إن ما نشاهده الآن هو المرفأ "سَمحرام" الطبيعي الذي يشكله "وادي رَباض" بين الجبال حيث كانت تُزرع الأشجار التي يستخرج منها اللبان الذي كان يُنقل إلى هذه البلدة الصغيرة ثم يُشحن بالسفن إلى "قنا" أولاً ثم إلى المتوسط والهند.

    "روبيرتو أرازي" هو رئيس البعثة الايطالية إلى "ظفار" التي تقوم بالتنقيب بحثًا عن مرفأ "سمحرام" القديم.

    إننا موجودون الآن في هذه البلدة الصغيرة المحصنة والتي تم تأسيسها في بداية عصرنا لحماية المرفأ نفسه، مع أن كتاب "طريق بحر اريتريا" يشير إلى عدم ضرورية تأمين الحماية له. ويشير هذا الكتاب أيضًا إلى أن اللبان كان يُترك هنا في هذا المرفأ من دون حراسة وان أحدًا لم يكن يجرؤ على سرقة حبة واحدة منه لأنهم كانوا يزعمون جهلاً أن الآلهة لن تسمح عندئذ للسفينة بالإبحار.

    لقد عُثر على أدلة كثيرة في "أوروبا" وفي "الهند" على حد سواء تثبت أن هذه السفن قامت برحلات طويلة، لكننا لا نعرف لمن كانت.

    من الواضح أن الرومان والإغريق قدموا إلى هنا لتحميل اللبان النفيس وكذلك الأمر بالنسبة إلى الهنود.

    من المسلّم به أن العرب المحليين كانوا يملِكون أيضا السفن لكن، لم يتِمَّ العثور على أي منها لذلك نجهل كيف كان شكلها.

    في الواقع، يبقى الكثير عن هذا المرفأ الصغير والمهم لغزًا، بما فيه زواله.

    ليس لدينا فكرة عما حصل لاحقًا وليس لدينا أي أدلة على أي شيء. لكننا نعرف أن البلدة زالت شيئًا فشيئًا إذ لم يكن هناك أي إشارات تدل على وقوع حريق أو أي شيء آخر. لقد هُجرت البلدة ببطء. على الأرجح، لهذا الأمر علاقة بتراجع أهمية اللبان التي اعتبرته الكنيسة الكاثوليكية عادة وثنية.

    مع تراجع الطلب على اللبان بشكل كبير، توقفت السفن عن الإبحار، خسر مرفأ "سمحرام" وكذلك المرافئ الأخرى المجاورة،الملاحة التي كانت سبب ازدهاره.

    هُجرت معظم هذه المرافئ فطمرتها الرمال، واختفى تاريخُ الملاحين العرب المكتوب مع هذه المرافئ، ولن يبدأ تدوين الفصل التالي إلا بعد مئات السنين، لكن هذه المرة، قام العرب أنفسهم بتدوينه.

    بالطبع، يتطلب تدوين التاريخ البحري سفنًا جيدة وهذا ما حصل عليه العرب في النهاية، كانت سفنهم تتميز بشكل أساسي بشراع عريض مثلث الشكل اشتهر بفاعليته الكبيرة مع الرياح.

    لكن الأشرعة المثلثة الشكل كانت ثقيلة جدًا ما يصعب تبديل اتجاهها مع تغير اتجاه الرياح، وكان لا بد من إدارة الأشرعة حول الصاري وهي عملية مضنية وتتطلب الكثيرَ من القوة.

    لا يختلف هذا الأمر بالنسبة إلى "فاتح الخير"، لقد اتخذ "صالح" قرارًا صائبًا بتغيير اتجاه الأشرعة هنا في المرفأ، ففي البحر، ومع هذا الطقس، ستكون العملية خطرة جدًا.

    إن القوارب الشراعية الصغيرة لا تبحر على مسارات معينة وليس لديها جداول محددة، إنها تتجه إلى حيث تجد الأحمال عندما تكون الأحوال الجوية ملائمة.

    كان لابد من اتخاذ القرار بالنسبة إلى قارب "فاتح الخير"، إن إضافة غطاء آخر على ظهر المركب يشير إلى أن الطاقم يريد أن يبحر مع أن الرياح ما زالت عاتية والأمواجَ ما زالت عالية.

    لكن أن رحل القارب الآن، سيعبر البحر الأحمر ويصل إلى "اريتريا" قبل حلول الظلام بمشيئة الله.

    ومع أن "فاتح الخير" هو قارب شراعي صغير فإنه يتسع لطاقم كبير، عادة يقوم ستة ملاحيين بقيادة القارب إضافة إلى الركاب الذين يبحثون عن رحلة غير مكلفة.
    يبحر "ساليت" من "جيبوتي" عبر البحر الأحمر، إنه يأمُل أن تزورها السفينة بعد أن تصل إلى المرفأ الأول.

    أما الباقون فيمنيون، هذا هو "مُحمّد عُسيلي" الذي يعمل طباخًا مع "أحمد" و"إسماعيل مستور".

    كلهم يعملون على متن هذا القارِب منذ سنوات، وبالنسبة إلى معظمهم، أصبح القارب أشبه بالمنزل.

    إن رفع الأشرعة يتطلب مشاركة الجميع ، لكنهم يعلمون أنها ستساعد على استقرار القارب، يعرف "صالح" أن هذه الرياح قوية جدًا وهو يعرف أيضًا كيف يتعامل معها.

    يُرفع الشراع ببساطة حتى وسط الصاري، فيشكل قناة تساعد على تأمين توازن القارب وتدفعه إلى الأمام، كما تسمح في الوقت نفسه بمرور الرياح.

    من خلال هذه السفن، تمكن العرب من السيطرة إلى البحار الشرقية طوال مئات السنين قبل البحارة الأوروبيين.

    لكن هذه الأنهر لم تكن صالحة للملاحة ليتعلّم فيها الناس فن إدارة السفن وشحنها، في الواقع كانت الأنهار تجِف معظم أيام السنة وكان لا بد للعرب من أن يتوجهوا إلى البحر ليتعلموا أمور الملاحة، ووَفقًا للتقارير المدونة، قاموا بذلك في حِقبة مبكّرة.

    الإثبات المهم الذي نملِكه بين أيدينا يعود إلى أربعة آلاف سنة عندما ذكر السُّومريون أن سكان "ماغان"، أي "عُمان" قد بادلوهم السلع والبضائع.

    الدكتور "أسامة الراوس" مؤرخ يدرّس في جامعة السلطان قابوس في عمان، وهو بلد يفتخر بميراثه المتعلق بالملاحة.

    اعتقد أن العمانيين استغلوا موقع "عمان". فكانوا يعيشون في الصحارى والجبال وبعد ذلك توجّهوا إلى الساحل. وهناك، لم يكن لديهم أي خيار آخر سوى التوجه إلى البحر. فتغلبوا على مخاوفهم من البحر وعندما نجحوا في ذلك، بات بإمكانهم أن يمارسوا قدرتهم في المحيط.

    وكبقية العرب الساحليين لم يتركوا لنا أي أدلة حول تاريخهم القديم في الملاحة البحرية، لم يتركوا أي كتابات ولا أي سفن. وحتى الآن لم يتِمَّ العثورُ على أي حطام سفن في هذا الجزء من العالم.

    لكن الغموض الذي غطى الملاحة العربية لن يدوم طويلاً، ففي بداية القرن السابع الميلادي ظهر الإسلام وانتشر بسرعة فائقة في المنطقة العربية وما حولها.

    فكان لنشوء الإسلام اثر عميق في علاقة العرب بالبحر، حيث كُلف العرب المسلمون بنشر الدعوة الإسلامية في جميع أصقاع الأرض. ولهذا السبب ما عاد بإمكانهم تجاهل البحر.

    عندئذ ظهرت الحاجة إلى أسطول كبير على طول السواحل الإسلامية المتسعة، وسرعان ما تنبّه العرب إلى أنهم كانوا في موقع فريد يسمح لهم بالسيطرة على تجارة رائجة بين الشرق والغرب، وفي هذه الحِقبة، بدءوا بتدوين تاريخهم.

    لم يستخدم العرب التصوير والرسم كثيرا لأن الإسلام ينهى عن رسم ذوات الأرواح، بل لجئوا إلى الكتابة.

    لدينا وثائق غنية كتبها رحالة مسلمون، تعود إلى فجر الإسلام أي إلى أكثر من ألف أربعمائة سنة. لقد اجتاز الرحالة المسلمون كل الأراضي التي فتحها المسلمون من "إسبانيا" إلى "الصين". فذهبوا إلى كل أنحاء العالم وكتبوا مذكراتهم ويومياتهم.



    لهذا السبب نعرف الكثير عن الطرق التجارية العظيمة التي سلكها العرب إلى "الهند" و"سيلان"، لا بل إلى أبعدَ من ذلك إلى "الصين" و"كوريا".

    بدأ العرب يسلكون هذه الطريق التجارية منذ القرن الثامن وكانت أطول طريق بحرية يتم اجتيازها بشكل منتظم، وبقيت كذلك أكثر من نصف ألفية.

    انتشرت القِصص حول هذه الرحلة الطويلة. كان بعضها من دون شك منمقًا على طول الواجهة البحرية في حين أن معظمها كان يحتوي على معلومات كثيرة تم اكتسابها بجهد حول الأمور البحرية.

    إن قصة "سليمان" التاجر الذي سافر إلى الشرق، تشكل مثالاً ممتازًا، كُتبت هذه القصة في منتصف القرن التاسع وهي تخبرنا أن السفن التي أبحرت من الخليج العربي كانت تصل إلى مدخله في أواخر شهر تشرين الثاني نوفمبر.

    ثم كانت تبحر مستغلة الرياح الموسمية الشمالية الشرقية متجهة نحو "الهند" ومن هناك إلى جنوب شرقي آسيا و"الصين".

    كانت هذه الرحلة تستغرق نحو ستة أشهر بما فيها فترات التموّن.

    في تقليد الرحالة المسلمين، قضى "سليمان" وزملاؤه الكثير من الوقت في وصف الأمكنة والأشخاص على طول الطريق لكن نادرًا ما كانوا يأتون على ذكر السفن.

    مع غياب الرسومات أو الحطام المحفوظ بشكل جيد، تبقى عملية تصوير هذه السفن مسألة تخمين مع أن زيارة أي مرفأ قوارب شراعية تقليدي قد توفر فكرة عن الموضوع.

    إن بعض الأمور لم تشهد أي تغير منذ مئات السنين مع أن العمال يستخدمون في هذه الأيام المعدات المزودة بالطاقة، كان البناءون يستخدمون القدم لبناء سفن الفرعون "تي" في النيل منذ أكثر من أربعة آلاف سنة.
    مازالت بعض المعدات المستخدمة آنذاك تُستعلم في أيامنا هذه، وكذلك الأمر بالنسبة إلى عملية بناء السفن لكن من دون أي خرائط، ما تغير هو طريقة جمع قطع السفينة ببعضها البعض.

    اليوم، تُستعمل المسامير. قبل ألف سنة، فكان البناءون يستعملون حبال جوز الهند لجمع أجزاء السفينة ببعضها إلى بعض، كانت هذه التقنية لا تزال قائمة حتى فترة ليست بعيدة، إذ كانت تسمح لمرممي السفن العمانيين بإعادة بناء واحدة من أعظم السفن التجارية الصينية.

    في الواقع، قامت هذه السفينة بإعادة رسم الرحلة إلى الصين في بداية الثمانينيات، وهو إنجاز أكسبها مكانة وسط دائرة الملاحة.

    مع أنه تم المحافظة على السفن والمسار بشكل كامل، فإنها تحتاج إلى أفضل من ذلك.

    فهي أفضل تجسيد لسفن التي سيطرت على التجارة بين الشرق والغرب قبل ألف سنة، كان الحصول على فكرة حول كيفية الإبحار بهذه السفن أسهل.

    في الواقع، يوفر قارب "فاتح الخير" انطباعًا يسهل تصديقه، كانت الأطعمة المتوافرة على متن السفينة تقتصر على كل ما يمكن الحصول عليه من البحر إضافة على الأرز المطبوخ، تمامًا كالأطعمة التي كانت متوافرة قبل ألف سنة.

    لكن "محمد" يستخدم موقدًا يعمل على الغاز بعكس زملائه السالفين، يسمح بتسخين الأطعمة لكنه لا يسهل الحياة كثيرًا، يتناول الطاقَم الطعام على متن المركب الصغير أو حيث يتوافر مكان يسمح بذلك.

    لا تتوافر الراحة على متن "فاتح الخير" تمامًا مثل القوارب الشراعية الصغيرة في العصور السابقة، فهو يعِج بالأشخاص ومعرضٌ للرياح ورذاذ المياه وغيرُ مستقر في البحر الهائج.

    لكن هذا الطاقَم معتاد هذه الأمور تمامًا مثل زملائهم في العصور السابقة، مع انه يراقب الشراع بانتباه، هذا بكل بساطة جزء من حياتهم.

    إن قصص الإبحار مثل قصة "سليمان" وغيرها من القصص العربية كقصة السندباد، تروي المشقة والأخطار غير المكشوفة.

    برغم من الأخطار، فقد حافظ العرب على صلتهم البحرية بالشرق الأقصى لمئات السنين، وفي أثناء السفر أعادوا رسم خريطة العالم السياسية.

    كانت نشاطاتهم في الصين مراقبةً دائمًا بشكل دقيق ولكن على طول الطريق الممتدة من "الهند" إلى "شبه جزيرة مالاوي" إلى جزر "مولوك"، تجذر الإسلام بسرعة.

    لقد عزّز هذا الأمر التجارةَ العربية، وهذا ما مكّن العربَ من تأسيسِ علاقات اقتصادية نافذة، فازدهرت مدنُهم حجمًا وروعة.

    وخلال عهد الخلفاء الأوائل، بلغ الإسلام أوجه وأخذ الفن الإسلامي يأخذ طابعا متميزاً، فالمساجد كانت أكثر من أماكن للصلاة، لقد كان عدد كبير منها أشبه بالجامعات الحديثة حيث يتعلم الطلاب القرآن والفقه ويتخصصون في كل العلوم المعروفة.

    وعلى الرغم من ميراث العرب المسلمين العلمي الكبير وانتشار تجارتهم وإنجازاتهم في البحر، فإنه من الصعب تحديد مدى اتساع ميراثهم البحري بشكل دقيق، ربما يعود ذلك إلى اختفاء الكثير منه.

    ما زالت بعض المناطق مثل "صور" القائمة على ساحل "عُمان" المطل على بحر العرب، توفر انطباعًا حول الماضي نظرًا إلى مرافئ قوارب الصيد الكثيرة التي بنيت هنا ولا تزال مستخدمة.

    لكن القوارب الشراعية الصغيرة المخصصة للتجارة قد اختفت منذ زمن، لقد حرصت الطرق الجديدة على تأمين ذلك.

    يقع مرفأ "مطرح" قرب العاصمة "مسقط" وهو ما زال شاطئًا جذاباّ وسوق صيد حيوية.

    تم تحديث المدينة بدقة، فلم تبقَ إلا الحصونُ الموجودة على مدخل مرفئها لتذكرنا بالفترة التي كان فيها المرفأ نقطة توقف حيوية في التجارة البحرية بين الشرق والغرب.

    لكن مرفأ هذه المدينة كان في أيام "السندباد" واحدًا من أهم المرافئ بالنسبة إلى السفن المبحرة من الصين.

    يعود تاريخ هذه المدينة إلى أكثر من أربعة آلاف سنة لكن إضافة إلى حصونها الناصعة البياض، لم يبقَ الكثير ليذكرنا بهذا الواقع.

    لقد تم تحديث مدينة "صُحار" أيضا ولقد توقفت السفن عن الإبحار من هذا المرفأ منذ زمن طويل.

    ما زلنا نجد إشارة على طول الساحل الجنوبي لـ"عمان" تدل كيف كانت تبدو هذه الأماكن قبل ثورة النفط.

    كان "مرباط" فيما مضى مرفأ مزدهرًا، لكن ظهرت فيه حاليًا رَغبة في استبدال المباني القديمة، لكن أيامه كمرفأ انتهت منذ زمن فلم يبق فيه من دوره السابق إلا منازلُ التجار القديمة.

    إن مرفأ "مخا" الذي كان راسيًا عليه قارب "فاتح الخير" شهد أيضًا أيام عز، لقد كان فيما مضى واحدًا من ابرز مرافئ تجارة البُن في العالم، فكان يجذِب المال والتجار على السواء.

    أما اليوم، فلا يوجد سوى الأسماء، لقد خسر مرفأ "مخا" دوره البارز منذ زمن طويل ويبدو انه فقد معه كل طموح للمحافظة على ما بقي.





    قد يختفي كل ما تبقى من زمن مرفأ "مخا" الذهبي، فيلقى المصير نفسه الذي لقيته المرافئ العربية القديمة، ونذكر على سبيل المثال مرفأ "قلحات" القائم على الخليج العربي والذي ازدهر بعد ولادة المسيح -عليه السلام.

    في أوائل القرن السادس عشر، قام أسطول برتغالي بتدميره تمامًا، لقد دُمرت المدينة تدميرًا كاملاً باستثناء أجزاء من أسوارها.

    تروي التقاليد المحلية أن هزة أرضية قوية ضربت ما خلفه البرتغاليون، لكن لا يوجد أي دليل على ذلك.

    في الواقع، يبدو من الغريب أن يكون مصير تلك المدينة العظيمة التي وصفها كل من "ماركو بولو" والرحالة العربي "ابن بطوطة" بتوهج، الاختفاء بكل بساطة من دون أي كتابات تتحدث عن زوالها.

    لم تلقَ "قلحات" وحدها هذا المصير، فقرب مدينة "سلالة" في جنوبي "عُمان"، يقع مرفأ "ظُفار" أو "البليد" كما تمت تسميته لاحقًا.

    لقد شهدت هذه المدينة أيضًا مرور "ماركو بولو" الذي وصفها بأنها مدينة عظيمة ونبيلة تحتوي على عدد هائل من السفن.

    أما اليوم، فزال الأشخاص واختفت السفن منذ زمن بعيد، وبقيت لعلماء الآثار مهمة اكتشاف ما حصل .

    هذا موقع "البليد" الأثري. سنبدأ بالتنقيب مع فريق ألماني نهار السبت. جئت لأتفقد ما نٌفّذ ولألقيَ نظرة شاملة على المكان قبل بَدء التنقيب نهار السبت.

    "سعيد السالمي" هو عالم آثار وموظفٌ في وزارة الإعلام في "عمان"، إنه يتطلع بشوق إلى عمليات التنقيب وإلى الإجابة التي قد توفرها لأن الكثير بقي غامضًا حول هذه المكان وسائر المرافئ المشابهة حتى أن تاريخ تأسيس المدينة ما زال مجهولاً.

    وفقًا لما توفر لدينا هنا، لقد بنيت هذه المدينة بين القرنين العاشر والحادي عشر. ثم دُمرت عام ألف ومائتين وواحد وعشرين للميلاد وأعيد بناؤها من جديد. إذًا، نحن نعتقد أننا نتعامل الآن مع بنية ثانوية لكننا في الواقع نتعامل مع السطح فقط لكن البنية الأساسية موجودة تحته. إن الشيءَ الوحيد الذي نفكر فيه هو أنها كانت موجودة منذ خمسمائة أو ستمائة سنة حتى دُمرت أو هُجرت، لكننا متأكدون من أن هذه المدينة كانت تضم مرفأ وكان يستقبل الكثير من السفن.

    لا نعرف كيف كان شكلُ هذه السفن التي تعود إلى القرون الوسطى اذ لا تتوافر هنا أي كتابات ولا أي بقايا.

    في الواقع، تعود الوصفات الفضلى إلى رحالة أوروبيين إلا أنها نادرًا ما كانت مثيرة للإعجاب.
    كَتب "جون أوف مونتيكورنيفو": "هذه السفن ضعيفة جدًا وغير مزودة بالحديد، فإذا ما انقطع حبل ما، انكسرت من فورها.

    وكان نقد "ماركو بولو" أكثر قسوة: "تلك هذه السفن هشة جدًا وكثير منها تفكك لأنها كانت تفتقر إلى الحديد في بنائها وكانت تتصل ببعضها بواسطة حبال مصنوعة من جوز الهند. لذلك ، من الخطر القيام برحلة على متن إحداها ثم أن كثير منها ضاع في المحيط الهندي وسط العواصف القوية".

    لم تهُبَّ العاصفة بعد في المحيط الهندي، غير أن الرياح تشتد أكثر فأكثر.

    لكن "صالحا" لا يبدو قلقًا، إن المِضخات تعمل بشكل جيد محافظةً على جفاف المركب الذي كان يبحر بشكل ممتاز.

    بالنسبة إلى "صالح"، هذا يوم جيد للإبحار، لكن معظم الركاب على متن القارِب يخالفونه في الرأي، وكانوا يفضلون لو أنهم بقوا على الشاطئ.

    لكنهم سرعان ما تأكد لهم أن عناءهم لن يطول كثيرًا، لقد رأوا الساحل الإفريقي الهادي ووجدوا فرصة لالتقاط أنفاسهم.

    وفقًا لكتاب "طريق بحر اريتريا"، كانت السفن العربية تتاجر بين ضفتي البحر الأحمر الإفريقية والآسيوية منذ آلاف السنين، وبعد وقت قصير من ظهور الإسلام، بدأت هذه السفن تتوجّه أكثر فأكثر إلى الجنوب، باتجاه إفريقيا السوداء.

    وما زال هذان العنصران قائمين في الساحل الشرقي من إفريقيا، ما زالت المراكب الشراعية الصغيرة موجودة في هذا الجزء من العالم نظرًا إلى الحاجة إليها، ذلك أن الطرق قليلة والمناطق متباعدة ما يجعل القوارب ، صغيرةً كانت أو كبيرة الوسائل الفعالة لنقل البضائع.

    كثيرون هم الذين يقتاتون من أجرتها، فهم يفتقرون إلى المال لشراء الوقود والمحركات والقوارب الكبيرة، نتيجة لذلك ما زالت المراكب الشراعية الصغيرة موجودة هنا على طول الساحل من "الموزمبيق" إلى "شمالي كينيا " أكثر من أي جزء آخر من العالم.

    لكن عصور الملاحة العربية العظيمة خلفت أكثر من هذا، حينما خاطر العرب المسلمون بالتوجه أكثر نحو الجنوب، قاموا بتأسيس مدن تجارية على طول الساحل تطورت بشكل تدريجي لتصبح مدنًا غنية ونافذة.





    لقد نشأ هنا على طول السواحل الإفريقية الشرقية ما يعرف بالثقافة السواحيلية نتيجة تمازج العرب والسكان المحليين وسطوة اللغة العربية. لقد عمد الأشخاص الذين يتكلمون اللغة السواحيلية إلى تطوير ثقافتهم التي اختلطت جيدا بالدين الإسلامي، وهذا أمر طبيعي على طول الساحل من "الموزمبيق" إلى "شمالي كينيا ".

    و"جوزيف تشيريوت" هو مدير متحف "لامو"، يتضمن عمله المحافظة على المدينة وثقافتها علمًا انه ليس سواحيليًا، إنها مهمة تتطلب الكثيرَ من الوقت اذ أن الكثير يحتاج إلى العناية العاجلة.

    نحن الآن نتوجّه من المتحف إلى موقع بناء حيث يتم ترميم مبنى برعاية صندوق الاتحاد الأوروبي وسنرى العمال الذين يرممون المبنى مستخدمين المواد والتقنيات المحلية لأننا نريد أن يتم ترميم البناء بالطريقة الأصلية.

    يتطلب الأمر وقتًا طويلاً لأننا نحضر المواد أحيانا من أماكن بعيدة جدًا ثم إننا نواجه أحيانا أخرى مشاكل في وسائل النقل، أن حركتي المد والجزر تؤثران في الحركة هنا في "لامو".

    وهذا ما فعله المد والجزر طَوال مئات السنين، تنشط التجارة البحرية في "لامو" بشكل كبير جدا، منذ أن تم تأسيسُها أي منذ نحو ثمانمائة عام.
    كانت هذه المدينةُ فيما مضى واحدة من ابرز المرافئ في شبكة التجارة العربية المتسعة.

    اعتقد أن السواحيليين لعبوا دور الوسطاء بين السكان المحليين والأشخاص القادمين من أراضي بعيدة في الشرق. أما المدن التي ذكرت في الكتابات فهي: شبه الجزيرة العربية والهند والصين التي تبدو أنها كانت على صلة بـ"لامو" في وقت مبكر وتبادلت معها المواد الطبيعية. كان التجار يجمعون العاج وعظام ظهر السلحفاة والغنائم إضافة إلى النباتات الساحلية لأخذها إلى الشرق.

    في تلك الأيام، كانت واجهة "لامو" البحرية تكتظ بالمراكب الشراعية الكبيرة والتجار القادمين من كل أنحاء العالم الإسلامي، وكانت المدن التجارية المشابهة لها قائمة على طول الساحل الإفريقي الشرقي. وعلى مقربة من "لامو" كانت تقوم مدينة "باته" التي نافستها من حيث المِساحة والروعة.
    لكن "باته" واجهت أوقاتًا صعبة جدًا، كان من الصعب بلوغُها فلم ترَ إلا القليلَ من الزوار.
    اليوم، تحيط السهول ببقايا المدينة القديمة لكنها ما زالت تعبر عن روعة المدينة السابقة.
    كما يوجد المسجد الجامع إضافة إلى منازل واسعة، حتى أن بعضها ما زال يظهر الزخرفات التي كانت تزينها فيما مضى.
    إن ما تبقى من القصر يدل على ثروة ونفوذ حِقبة ذهبت من غير عودة، لم تُهجر مدينة "باته" قط بشكل كلي.
    أما المدن السواحيلية الأخرى فكانت أقل حظًا، فعلى طول ساحل "كينيا" نجد بقايا بعض المدن التي كانت تضِج بالحياة مثل "تقوا" والتي هُجرت لأسباب غير واضحة.
    في بعض الحالات، كان وصول التجار الأوروبيين يؤدي إلى الصراعات والدمار، قد تكون بعض المدن الأخرى تعرضت لنقص في الموارد أو لوباء، ما دفع الناس إلى الانتقال للعيش في مكان آخر.
    لا شك في أن بعضهم انتقل إلى "لامو" ما قوى موقعها في شبكة التجارة في شرقي إفريقيا.
    لكن جاء وقت توقفت فيه المراكب الشراعية التجارية الكبيرة عن الإبحار هنا أيضًا، لكن ما زالت الوسائل القديمة جزءً من الحياة اليومية.
    كم ستدوم هذه الحال؟ لا احد منا يعلم. لأن السياحة قد وصلت إلى هنا أيضًا.
    في الوقت الحالي، تمكنت الثقافة السواحيلية القوية من إدارة التغييرات التي دخلت عليها , ما منحنا فرصة لنشهد نهاية هذه التجارة القديمة.
    نحو الشمال، بدأ الظلام يسدل ستاره في "مخا" أيضًا بينما كان مركب "فاتح الخير" يعود إلى موطنه.
    إن هذا المركب لا يلاءم عصرنا هذا، لكنه استمر نتيجة لارتفاع ثمن الوقود في "اليمن" ورخص تكلفة اليد العاملة، لكن الأشرعة بدأت تختفي هنا أيضًا بسرعة تمامًا كما حصل في معظم أنحاء شبه الجزيرة العربية.
    ربما من غير العادل أن نحزن على زوال هذه المراكب لأن عادات الشحن القديمة قد اختفت في أماكن أخرى أيضًا لتحل محلها التقنيات الجديدة.
    لكن القصة لا تقتصر على السفن فحسب، إنها أيضًا قصة أشخاص أبحروا على متنها وربطوا الشرق بالغرب والشمال وبالجنوب، قبل أي قوم آخرين.
    إنها قصة الشجاعة والعزم لديهم، وطريقة عمل مشترك للتغلب على المفاجآت المروعة.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 22, 2017 1:03 pm